ثقافة المقال

الموازنات الحكومية والثقافة العربية

أسعد العزوني

بالأمس شاركت في مؤتمر ثقافي ،خرجت منه بنتيجة مفادها انه لن تقوم لنا قائمة ،ما لم نضع بندا نافرا في موازناتنا الحكومية لدعم الثقافة ،وقد أفجعني إعتراف أحد المسؤولين في وزارة الثقافة عندما فضح الطابق بقوله في ورقته ،أن الثقافة لا تحظى في أحسن الأحوال سوى ب 1% من الموازنة الحكومية ،وزاد من الفجاعة وقال أن بعض المحافظين يلغون حتى هذه النسبة الضئيلة ،ويتذرعون بأن هناك أولويات أهم من الثقافة وهي الطرق ومكافحة المخدرات ،مع أننا لا نشهد تحسنا في البنى التحتية التي تتعلق بالطرق ،ولا نلمس حربا فعلية على المخدرات .

يبدو أن هناك عدم فهم في تعريف ماهية الثقافة ،فالبعض على ما يبدو يرى فيها ترفا لا يلزمه ،ذلك أنه ليس مثقفا وإنما تسلم موقعه القيادي لأسباب أخرى لا مجال لذكرها هنا ،علما أن الثقافة هي اللبنة الأساسية في بناء المجتمع الراقي والواعي ،لأنها نتاج والولاء والإنتماء للوطن.

لكن ما هو المطلوب لإنتاج ثقافة وطن تعبر عن الولاء والإنتماء له ؟ هناك أمور عديدة على صناع القرار عدم تجاهلها ،وأهمها أن المثقف الملتزم حصرا ،ليس شخصا عاديا ،بل هو فدائي مسكون بحب وطنه،ويعطيه دون إنتظار المكسب كما يفعل المثقفون الطفرة الذين يتم صنعهم هكذا بقرار سياسي لسبب أو لآخر.

وفي حال رغبنا بخلق ثقافة ملتزمة فإن علينا عدم تهميش المثقفين الملتزمين ،وعدم الطلب منهم ان يكون لسان صانع القرار في كل صغيرة وكبيرة كما الببغاء،بل علينا تركهم وشأنهم يتحفوننا بأفكارهم لنقرأها ونأخذ منها ما يفيدنا.

علينا توفير أجواء الحرية والديمقراطية للمثقفين كي يبدعوا ويشكلوا سياجا منيعا لصيانة منجزات الوطن،وبغير ذلك تتحول في لحظة نزق وإهمال إلى معول هدم ويغلب عليها الفكر الإرهابي المتطرف،ما يعرضنا لخسارات كبيرة .

المطلوب من صناع القرار أن ينظروا إلى المثقف كإبن وطن ،لا إبن جارية معارض يجب مطاردته والتضييق عليه في حال بقي خارج الزنازين،ويجب على صناع القرار أن يولوا الثقافة جل إهتمامهم،حتى يبدعوا ويضعوا الحلول المناسبة لمشاكل مجتمعهم ووطنهم أيضا ،ويرشدوا النشء إلى طريق السلامة ،ويبعدونهم عن التطرف والغلو.

الكتابة الناضجة هي تلك التي تخرج حروفها وكلماتها في أجواء من الراحة النفسية ،لذلك نجد المبدعين الحقيقيين لا يكتبون وهم في حالة تشتت وضياع ،لأن إبداعهم سيكون مشوها ولا يفي بالغرض ،تماما مثل رغيف الخبز الذي يوضع على النار مباشرة ،لكن وحسب رأيي المتواضع فإن فإنه لا ضير إن كتبنا في السياسة في حالة الإضطراب ،لأن الكتابة السياسية لا تشترط الإبداع ،بل تتطلب شحذ الهمم ،وهذا ما أفعله عندما أكون مضطربا حيث ألجا إلى الكتابة السياسية ،بينما لا أستطيع كتابة حرف إبداعي في حالة التشتت والإضطراب،وربما يقول البعض أن المعاناة تولد الإبداع ،وأتفق أنا مع ذلك ،لكنني أؤومن أن إبداع المعاناة يمثل خطرا في الكثير من جوانبه لأنه يكون مشحونا بالتطرف والغلو.

المثقف الملتزم يشبه في عطائه الشجرة المثمرة ،فكلما أعطيناها إهتماما ومنحناها الرعاية اللازمة أعطتنا ثمرا حلو المذاق كما ونوعا،وفي حال إهمالها وترك أرضها بورا ،فإنها تتحول إلى شجرة شوكية تشبه تلك التي في الصحراء ،وفي حال اعطت بعض الثمر ،فإنه يكون ليس بالمستوى المطلوب،وهذا هو حال الثقافة والمثقفين في الوطن العربي.

يجب أن يكون المثقف هو البوصلة التي تحرك السياسي وليس العكس،ففي الوقت الذي يقف فيه السياسي على باب المثقف ليأذن له بالدخول، تكون الدولة بخير ،وفي حال وقف المثقف على باب السياسي ينتظر منه الإذن بالدخول فإقرأ على الدنيا السلام.

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق