حوارات هامة

أربعون عاما على رحيل غسان كنفاني ولا يزال الرجال في الشمس

حوار: توفيق العيسى

اربعون عاما كان لغسان كنفاني حضور في المشهد الثقافي العربي والفلسطيني، كمؤسس لأدب المقاومة وأدب ما بعد النكبة والنكسة، عبر أعماله الادبية والمسرحية، وعبر دوره المتميز في رفد المشهد الثقافي، وتوجيهه، في هذا اللقاء التقينا بالروائي الكبير يحيى يخلف في حوار تحدث فيه عن علاقته الشخصية بالشهيد غسان كنفاني، وشهادته حول ادبه الذي سبق ورافق الثورة.

* عندما كنت مسؤولا لحركة فتح في الأغوار الأردنية كنت تبعث بقصصك لغسان كنفاني في بيروت لنشرها، لماذا لغسان رغم وجود فضاءات أقرب للنشر من بيروت؟

– بعثت له أكثر من قصة لنشرها في مجلة الآداب، لم أكن اعرف غسان في ذلك الوقت، وكنت ارسل القصص عبر بعض قيادات من الجبهة الشعبية في شمال الاردن، وتعرفت عليه شخصيا في بيروت في العام 1971 بعد أحداث سبتمبر/ايلول في الاردن، وذهبت لزيارة صديقي الأديب والصحفي محمود الريماوي في مجلة “الهدف” وهناك التقيت غسان لأول مرة، وكان لقاء قصيرا، بعد ذلك التقيت به أثناء التحضير للمؤتمر التأسيسي لاتحاد الكتاب والصحفيين الفلسطينيين، وكان هو في اللجنة التحضيرية وكان من أنشط الكتاب فيها، ولكن استشهد قبل اتمام الاتحاد، غسان كان كاتبا كبيرا وصحفيا لامعا، وأديبا وفنانا تشكيليا ومسرحيا كبيرا، ساهم في مرحلة الارهاصات التي سبقت الثورة أي الادب الفلسطيني الجديد، وكان أحد رواده في لبنان، اضافة لتجمعات عديدة ساهمت أيضا، كالأديبة سميرة عزام ومجموعة “الافق الجديد” المجلة الادبية التي كانت تصدر في القدس، التي ساهمت في بلورة أدب النكبة والتمرد على الواقع، وكان في غزة معين بسيسو وهارون هاشم رشيد، وأبو سلمى في دمشق وكتاب آخرون، ساهموا في بلورة أدب جديد سبق الثورة ورافقها.

* في هذا الاطار كان لا بد من اعطاء الكلمات دلالات جديدة، فتغيير الدلالة هل كان من ابداع غسان كنفاني أم من محيط أشمل؟

– غسان كان منتميا لحركة القوميين العرب، ودرج وعيه الفكري والثقافي والسياسي فيها، وبالتالي عندما عبر عن القضية بوسائل ادبية وثقافية، كتب عن واقع معاش، كحنين اللاجيء إلى أرضه، والبرتقال باعتباره رمزا للأرض.

* حتى بهذا المفهوم تغير حتى مفهوم البرتقال والأرض ما بين الأدب الذي سبق هذه المرحلة وبعدها…

– نعم وهو أيضا كتب عن تجربة الاغتراب لدى الفلسطيني، وصور المأساة في روايته “رجال في الشمس”، التي هي من أنضج رواياته، بشخصيات التقت عند شط العرب وقادها أبو الخيزران الذي يمثل القيادة الفلسطينية التي ساهمت بالكارثة، وكأنه يستشرف المستقبل بضرورة بروز قيادات جديدة وغير عاجزة، وفي ذات الوقت كان يكتب قصصا قصيرة عن البرتقال والبندقية، وبشر فيها بولادة جديدة للشعب الفلسطيني، و”رجال في الشمس” أصبحت حتى شعارا يوميا لكل فلسطيني، خاصة جملته الاخيرة “لماذا تموتون في صمت لماذا لم تدقوا جدار الخزان” تحدث عن الثورة والبندقية والفدائيين وعبر في روايات أخرى مثل “عائد إلى حيفا” وأم سعد التي تحدث فيها عن التفكير الجديد، بأن الفلسطيني لم يعد لاجئا لكنه أصبح فدائيا، فهناك خيمة لاجيء وخيمة فدائي و”خيمة عن خيمة تفرق” ولنقل إنه كتب ما نثرته الحياة أمامه على الطريق، فقصصه وروايته التي كتبها عن الفلسطينيين في الكويت كانت وهو في الكويت، وهنا نجد التماثل بين رأيه في الفلسطينيين الذين يموتون في صحراء الكويت بحثا عن عمل وقصيدة محمود درويش التي قال فيها “وأبي قال مرة، الذي ما له وطن ما له في الثرى ضريح ونهاني عن السفر” وهذا المقطع الشعري لخص رواية “رجال في الشمس”، وغسان عبر عن كل تجليات الحياة داخل الشعب الفلسطيني، في مرحلة النكبة ومرحلة الثورة، لكنه لم يستكن إلى القضية فلقد حاول أن يطور أدواته الفنية، ودخل في التجريب الواعي، انطلاقا من رؤية تقول “لا يكفي أن نتكيء على اسم حيفا ويافا فقط، وانما يجب أن يكون هناك عناصر فنية عالية”، وتوفرت في رواياته وأعماله هذه العناصر، طبعا دون أن ننسى أن في الداخل الفلسطيني المحتل أيضا ظهر أدب جميل وغسان هو الذي عرف عن هذا الادب واعطاه اسم أدب المقاومة، صحيح أنه توفي باكرا لكنه لعب دورا مميزا في حياة الشعب الفلسطيني، واعتقد أنه لو عاش لأثرى الأدب الفلسطيني، وهو لم يكن كبيرا كأديب فلسطيني فقط ولكن عربيا أيضا.

* غسان كتفكير وانتماء كان يساريا ماركسيا، إلا أن ذلك لم ينعكس تماما على أدبه، فهو لم يكتب الواقعية الاشتراكية…

– هو كان ينتمي لحركة القوميين العرب، التي لم تتبن الماركسية في سياق اجتماعي وتاريخي، وغسان كان يعيش في بيروت التي كانت تشرع أبوابها لكل الأفكار والتيارات والاتجاهات، في الستينيات كانت الوجودية هي الموضة الفكرية، اضافة الى أن بيروت كان فيها نوع من الحرية والليبرالية والديمقراطية، كان هناك مجلة “الآداب” الأولى في الوطن العربي ومجلة “شعر” التي تتبنى الحداثة، وكان هناك كتاب من كل الاتجاهات، مثل محمد دكروب وحسين مروة، فغسان عاش في هذا المناخ وتأثر به وكتب انطلاقا من التزامه بقضية الانسان الفلسطيني، وطور أدواته الفنية ودخل في موضوع الحداثة، لذلك نص غسان ليس نصا فلسطينيا فقط مثل بعض القصائد الخطابية، اضافة الى ان التحولات التي عاشتها حركة القوميين العرب والجبهة الشعبية كانت قسرية، فالماركسيون انشقوا عن الجبهة وشكلوا الجبهة الديمقراطية فأصبحت الشعبية ماركسية بلا ماركسيين، وأنا اتذكر عندما التقيت غسان اول مرة كان في اجتماع مع وفد يساري اوروبي، وكان يحمل بيده كتابا لماوتسي تونغ، وكان يقول لهم هذا هو خطنا السياسي، فهذه التحولات لم تكن جذرية في شخصية غسان، لذلك لو كان ماركسيا مبكرا لكتب الادب الجامد الذي اسمه الواقعية الاشتراكية، الذي قرأناه وتأثرنا ببعضه كمكسيم غوركي، والدون الهادي لشيليخوف وغيرهم، لكن غسان لم يتأثر بكتاب الواقعية الاشتراكية ربما قرأها وأخذ منها الانسانيات.

* أخذ البعض وربما نلمس الرؤية التحررية لديه في رواية أم سعد مثلا..

– التوجهات اليسارية في الساحة الفلسطينية بدأت بعد التقارب مع الاتحاد السوفيتي، وتأثرت كل الفصائل بالافكار اليسارية والاشتراكية، وبالعلاقات مع المعسكر الاشتراكي، بما فيها حركة فتح، ليس كفكر ماركسي ولكن تأثر بحكم هذه العلاقات وفي تلك الفترة كانت كل الفصائل تعتبر الاتحاد السوفيتي والمنظومة الاشتراكية من أصدقاء الشعب الفلسطيني، وكان اليسار موضة اكثر منه فكرا راسخا.

* أبطال وشخصيات غسان كنفاني في المعظم كانوا لاجئين، وهو كتب عن الفلسطيني في المنفى هل لانه لم يعش في فلسطين وبالتالي لم يكن قادرا على الكتابة عن مجتمع لا يعرفه؟

– معظم شخصياته والمكان كان في المنفى، باستثناء “عائد الى حيفا” وهو عودة نظرية، فهو لم يعش التجربة، وطرح اسئلة وجودية فيها، عبر اسئلة قاسية تدين من هرب من حيفا، المشهور عند الجمهور هي روايات غسان ولكن اعتقد انه كاتب قصة من الدرجة الاولى واعتقد أن مستواه القصصي لا يقل عن مستوى يوسف ادريس، لذلك عندما نصفه نقول انه كاتب عربي كبير وليس فلسطينيا فقط، أذكر أن أحد الاصدقاء غير العرب قال لي مرة: “اني فهمت القضية الفلسطينية من قصص غسان كنفاني اكثر من المنشورات والمواد الدعائية التي توزعونها” وغسان كان ملتزما وجزءا من المشهد الثقافي العربي، وكان كالنسر الذي يعيش في الاعالي فقط، وهو طائر الاغصان العالية.

* ونلمس أيضا أنه عندما كتب عن فلسطين من الداخل كتب عن تاريخ القضية الفلسطينية وثورة ال ـ36 وهو كتب بحثا عن هذه الثورة، هل كان يعمل على توثيق التاريخ ادبيا ويوثق كيف ضاعت فلسطين؟

– كثير من الكتاب يلجأون للتاريخ عادة، فمثلا انا كتبت عن حرب الـ 48 في التسعينيات، وهي من الأعمال القليلة التي تحدثت عن هذه المرحلة، ولكن تجد في الادب الاسرائيلي كتبت روايات عديدة عن هذه الفترة فيما يسمونها “بحرب التحرير” أي نكبتنا نحن، وبدأنا ننتبه الى ان هناك فراغات في مراحل تاريخية كثيرة، وحديثا عمد بعض الكتاب للكتابة عن هذه الفترة كالشاعر والروائي ابراهيم نصر الله الذي كتب حتى عن ابعد من تلك الفترة فكتب عن تاريخ الظاهر عمر في رواية قناديل ملك الجليل، وسحر خليفة أيضا، فكانت العودة للتاريخ بهدف فهمه حتى نفهم الحاضر، ولم يكن هدف كنفاني التسجيل، ولكن كان هناك هدف تعبوي وتحريضي أيضا، ولكن دون أن يدخل في الخطابة وحافظ على المستوى الفني، وكما يقول ابن خلدون عن اهمية قراءة التاريخ: “تبدو احداث التاريخ انها وقائع وأحداث، ولكن جوهر التاريخ هو العظة والعبرة”.

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق