قراءات ودراسات

بين فكرنا العربي والنهضة

الدكتور جيلالي بوبكر*

إنّ الفكر في حياة الإنسان بالإضافة إلى جميع الوظائف والأدوار التي ينجزها فهو يدلي شهادته على المرحلة التاريخية التي يعيش فيها صاحبه، كما يحكم على الوقائع ويفصل فيها، للفكر بعد شعوري روحي يدل على وجود صاحبه في حال قوّته أو في حال ضعفه  ونكبته، فسقراط ألقى شهادته واستشهد في سبيلها ومثله أحمد بن حنبل وغيره كثير، وكل واحد من هؤلاء كان شاهداً وشهيدا لأنّه أدّى الأمانة وأكمل المسؤولية  وحقق رسالة الفكر على قوتها وعظمها.

وفي كل الحضارات التي عرفها تاريخ الإنسانية سجّلت حاجة الإنسان إلى الفكر عموما، والفكر يحتاج إلى فكر آخر يكون ضروريا له للبناء إذا سبقه، ويكون للإنتاج والإبداع فيأتي بعده، ارتباط الأفكار في الزمان في الحاضر والماضي والمستقبل، وتواصل الثقافات والحضارات، وتجد الفكر هو الذي يتحرك ويربط بين الأوضاع والظروف في المكان والزمان، تكون هذه الحاجة ملحة حينما يستقيم العمل على المبادرة في التعاطي مع التاريخ والواقع والمستقبل بثقافة ذات وعي على درجة عالية من الدقة والتدرج والفحص النقدي في طرح المشكلات وتحديد الاهتمامات في واقع الفرد والمجتمع والأمة والإنسانية، في الحاضر واستشراف المستقبل، ويحتاج الإنسان كذلك إلى نفس المطالب والحاجات لتحديد مداخل ومناهج وأدوات فحص الواقع انطلاقا من الوعي التاريخي لاستشراف الآتي من خلال الوقوف على المبتغيات الحضارية التي تعكس مآلات البناء الفكري والثقافي والاجتماعي والحضاري، الأمر الذي يجعل الفكر عنصر بناء الحضارة وصنع التاريخ، ويقيم شهادته الحيّة عليهما إن لم يتحول إلى شهيد الحضارة والتاريخ.

إنّ الفكر ميزة إنسانية وجهد بشري متميّز، هو وراء كل ما صنعه الإنسان وخاص به في ميدان النظر أو في مجال العمل وفي حياته عامة، مرتبط بعوامل عديدة موضوعية خارجة عن الإنسان وذاتية مرتبطة بالكيان البشري في جميع مستوياته، والفكر له كيانه المستقل المتعدد المتنوع في أصوله ومجالاته ونتاجاته، وهو أمر طبيعي يقوم على الحرية والإبداع، فالتعدد والتنوع والتطور في الفكر أمور طبيعية لا تسمح لنا بإخضاع الفكر لمنهج واحد ونمط واحد وفي مجال واحد ووفق إيديولوجية واحدة، فالفكر أوسع من أن يكون يسارياً فقط أو يمينياً فحسب.

المتفق عليه والثابت في التاريخ والمؤكد في كل الأنظمة الثقافية عبر التاريخ أنّ الإنسان في غياب الحضارة يفقد إنسانيته وكمالها تماما، وينزل إلى حياة البهيمية بمستويات متباينة، وتسيطر عليه منازع الشرّ، فلا يحيا مخاطر قانون الغاب فحسب بل يعيش مخاطر انقلاب الإنسانية على ذاتها في اتجاه ممارسة الشرور باستغلال كل ما أوتي الإنسان من قوى وإمكانات في دعم وتنفيذ المكر والخبث والخراب والدمار، فالحروب القاسية وويلاتها التي عرفها ولا يزال يعرفها الإنسان تعكس الجانب المظلم الأسود فيه، الأمر الذي انتهى بضرورة تدخل العقل في إيجابيته فكرا وعلما وثقافة وتنظيما فرديا واجتماعيا وأمميا، وبحاجة العقل إلى التوجيه الديني والأخلاقي، في الحياة الفردية والاجتماعية وفي تنظيم شبكة العلاقات بين بني البشر أفراد وجماعات، وهي حاجات وضرورات لا تقوم الإنسانية إلاّ بها ولا تتحقق الحضارة من دونها.

إنّ الإنسانية في جوهرها وفي اتجاه مبلغ كمالها متفرّدة، فهي عاقلة مفكرة وأخلاقية وخيّرة وإيجابية واجتماعية ومنظمة، تستثمر العقل والدين وسائر القيّم والمثل العليا، كما تتحرك في اتجاه الخير والصلاح والإيجابية في تنظيم حياة الأفراد والجماعات، وتنتصر للحقّ والعدل والجمال ولكل أشكال الخير وأساليبه في النظر والعمل، وتسخّر الكون لراحة الإنسان بدأب وديدان بتحويله من صورة غير نافعة إلى صورة نافعة، وتستغلّ العلم والعمل وكل طاقة في الإنسان وفي الكون للمزيد من السلطان والسيطرة في اتجاه آفاق الكمال الإنساني التاريخي والحضاري من خلال الفكر والعلم والإبداع.

تمثل الحضارة بما تشمله من مدنية وتقدّم وسائر أسباب الراحة المادية والروحية قيمة الإنسانية، وتُعتبر بحقّ خاصية الإنسان وميزته ومبلغ تنافسه وشرط تألقه وتفوقه، وتُعدّ منزلة مكرّمة إلهيا ومفضّلة عمّا سواها، وتشكل أهم وأبرز وأكبر مظهر من مظاهر الكمال الإنساني. ولمّا كانت الحضارة بهذا الوزن والدور بحسب أصولها وشروطها ونتائجها ومظاهرها، راح الإنسان منذ وجد أول مرة  يبذل وسعه في تنمية الفكر والمعرفة، فشهدت أفكاره ومعارفه تطورات وتحولات زادها التفاعل الفكري والتواصل المعرفي والثقافي تجديدا وقوّة وازداد تأثير الفكر على الطبيعة والإنسان الفرد والمجتمع، وتشكّلت الحضارة وتطورت بتطور الفعل الحضاري وانتقاله من مرحلة إلى أخرى مستفيدا من التبادل والتناوب الحضاريين، فمن الحضارات الشرقية القديمة إلى الحضارة اليونانية إلى الحضارة الرومانية إلى الحضارة الإسلامية إلى الحضارة الحديثة، وكل حضارة لها طابعها المميّز لها مستمد من الطابع العام الذي يطبع الفكر السائد، فطابع الحضارات الشرقية القديمة تغلب عليه الخرافات والأساطير أما طابع الحضارة اليونانية يغلب عليه الفكر الفلسفي المتأرجح بين المثالية والعقلانية وقليل من التجريبية أما طابع الحضارتين الرومانية والإسلامية فيغلب عليه الفكر الديني بشقّيه التوحيدي والوثني وطابع حضارتنا الحديثة والمعاصرة علمي تكنولوجي مادي براغماتي.

ويرتبط فكرنا العربي الإسلامي بمكوناته ومكنوناته بحياة العرب والمسلمين منذ القديم إلى الآن، وهو جزء من الفكر الإنساني في عالميته، عرف حضارة راقية ما زالت معالمها شاهدة على الدور الذي لعبه الفكر العربي الإسلامي بعد تواصله وتفاعله مع ثقافات وديانات وحضارات أخرى في الغرب وفي الشرق، يحتوي على مواقف ومشاهد مشرقة سجّلها التاريخ في مقابل مواقف ومشاهد أخرى سوداء مظلمة، ولم تكف قوّة فكرنا العربي والإسلامي فيما كان عليه في الماضي في مجابهة تحديات العصر الحديث ومسايرة نهضته العلمية وثورته الصناعية، قيّم الحداثة والتحديث عزلته وعزلت كل فكر تراه من الماضي خاصة إذا ارتبط بالتراث وبالدين، وفشل الفكر العربي الإسلامي من جهته في استيعاب الدروس في الماضي والحاضر ولم يستطع لا الاندماج والانصهار بحكم عوامل وظروف موضوعية ولا النهوض واليقظة واللّحاق بالركب الحضاري بل بقي يخبط خبط عشواء وانتهى إلى  ما عليه العرب والمسلمون الآن من تخلّف وانحطاط في جميع مجالات الحياة.

ينبغي للإنسان الاعتماد على أصول المجد وسنن الحضارة المرتبطة أصلا ومنهجا وغاية بالتراث والتجديد والإبداع، وهي شروط لا يمكن للإقلاع الحضاري أن يتمّ في غيابها، ففي عالمنا العربي الإسلامي بجب التركيز على المنظور الفكري العربي الإسلامي المعاصر إلى الحضارة عامة وإلى أحوال الواقع العربي الإسلامي الحديث والمعاصر المتميّزة بالانحطاط بسبب القمع والاستبداد السياسي والفساد الاجتماعي والأمر يعود إلى تعثّر عالمنا العربي في نهضته الحديثة إلى الآن، ويتمّ  التركيز على مشاريع كبار مفكري وفلاسفة التاريخ والحضارة والنهضة في عالمنا العربي الإسلامي، أمثال “محمد إقبال” ومشروعه الفلسفي الذي جمع بين الدين والعلم والفلسفة جامعا بين الثقافتين الغربية والإسلامية، و”مالك بن نبي” ومشروعه النهضوي الحضاري القائم على تشخيص أسباب التخلّف وتحديد شروط النهضة والتقدم، و”حسن حنفي” صاحب مشروع “التراث والتجديد” كمشروع حضاري قومي موقعه في صدارة المشاريع  الفكرية العربية المعاصرة.

وفي سياق الاهتمام بالحضارة وبالفكر العربي المعاصر وبمنظوره إلى الحضارة وإلى التقدم، من خلال أحوال الواقع العربي الإسلامي المعاصر وما يعانيه من تخلّف وتدهور عام في حياته الفكرية والثقافية والدينية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية، وما تتميّز به مرجعياته من خصائص تراثية والتاريخية ودينية غيرها، وانطلاقا من مسؤولياته الثقافية والحضارية والتاريخية، ضرورة العناية اللازمة بموقف الفكر العربي المعاصر من الحضارة الغربية بين السلب والإيجاب، وفي السياق نفسه ومادام الفكر العربي المعاصر طابعه تراثي ديني إسلامي في المنبع والمسار والمصب، ضرورة التركيز على الإسلام الذي يجسد علاقة الإنسان بالسماء في صورة ارتضاها له ربه تذل بالتأكيد على كمال المنهج الإسلامي في التحضّر، باعتبار الإسلام عقيدة وشريعة ومنهج حياة، قوّته مستمدة من قوّة الشارع الذي خلق الإنسان وشرّع له من الدين ما أوصى به الأمم السابقة، وما شكّل عبر الأزمان لوازم النهوض الحضاري وحاجات الكمال الإنساني.

ولما كانت الفلسفة وفعلها أحد مصادر الوعي التاريخي الإنساني إلى جانب العلم والدين والفن وغيره، لها دور أساسي في الحياة الفكرية والثقافية والعلمية وفي الحراك التاريخي والحضاري عامة، فهي لم تنل حقّها من العناية والاهتمام في فكرنا العربي المعاصر، ولعلّ ازدراء الفلسفة في الوعي الثقافي العربي المعاصر الشعبي والرسمي وتهميش المشتغلين بالتفلسف عامل إخفاق وفشل سائر محاولات النهوض ومبادرات اليقظة ثقافيا وعلميا وتكنولوجيا، وذلك لغياب فلسفة نهضة تتحدد فيها بالدّقة الكافية المنطلقات والإمكانات والوسائل والسبل والأهداف والمرامي، لذلك ضرورة رعاية الفلسفة والتفلسف في الوطن العربي الراهن وتشخيص وضعها بين الأمس واليوم، الفلسفة كفكر في أوساط العامة ولدى النخبة في الجامعة وفي مراكز البحث وخارجها، لأنّ الفكر الفلسفي عبر التاريخ كان وراء كل نهضة وخلف كل حضارة ومادة كل محاولة في سبيل الإبداع الحضاري، حتى الحضارة الحديثة والمعاصرة بالرغم من طابعها المادي البراغماتي والتجريبي هي في مجموعها من إنتاج فلسفة الحداثة والتحديث التي ثارت على الفلسفات الكلاسيكية بما في ذلك الفلسفة العربية الإسلامية وغيرها.

المؤكد تاريخيا وواقعيا أنّ بين الحضارة والفكر عامة علاقة سببية حتمية، فالفكر ميزة بشرية لولاه لعاش الإنسان حياته في مستوى العجماوية والبهيمية، والبناء الحضاري منتج فكري في أعلى درجاته وصوره، ويستحيل قيام حراك إنساني تاريخي حضاري في غياب حراك فكري فيه الإبداع والتطور على مستوى النظر والعمل والمادة، فالتقدم الحضاري الحديث الذي شهده الغرب الأوربي وانتشر بعد ذلك عبر مختلف بقاع المعمورة مدين للثورة الفكرية على التراث الفكري والديني والعلمي والأخلاقي والسياسي الكلاسيكي ومدين للنهضة العلمية والتطور التكنولوجي في تفسير ظواهر الكون والوجود الإنساني الفردي والاجتماعي، وتمثل كل من الثورة والتثوير والعلمية والتقنية والصناعة وكل قيّم ومعاني الحداثة والتحديث أهم وأبرز الخصائص التي يتميز بها عصرنا، وفشل عالمنا العربي الإسلامي في محاولات نهوضه وتخلّصه من أزمته العميقة المتفاقمة باستمرار يعود إلى ضعفه فكريا وعلميا وتكنولوجيا في سياق ضعف عام شمل كافة قطاعات الحياة، في وقت لا مكانة فيه للضعفاء في عالم العولمة ومن منطلق المركز و الأطراف.

وبحكم موقع الوطن العربي في الأطراف لا في المركز في عالم التخلف والانحطاط لا في عالم التقدم العلمي والتكنولوجي، ولمّا أصبحت الهوّة سحيقة بينه وبين الركب الحضاري وتقدّر بسنة ضوئية، فهو مضطر للتعامل مع المركز بطاعة عمياء وبتنفيذ الأوامر من غير قيد أو شرط وفي إطار تبعية رهيبة شاملة سياسيا واقتصاديا وغذائيا وعسكريا وأمنيا، ففقد الاستقلال والسيادة والكرامة تماما إلاّ من ترديدها حبر على ورق وشعارات على يافطات وفي خطابات عبر المناسبات المختلفة، ولاسترداد الاستقلال والسيادة من طرف أيّة أمة ضرورة نهوضها الفكري والعلمي والثقافي عامة، لأنّه يمثل الرأسمال لبناء كيان بشري اجتماعي يتمتع بالاستقلال والسيادة والحرية وسلطة اتخاذ القرار.

إنّ العرب والمسلمين في عالم العولمة والنظام الدولي الراهن لا سيادة لهم إلاّ بحفظ هويتهم الثقافية والتاريخية التي يعمل طوفان العولمة على جرفها وطميها وطمسها إلى الأبد، ضرورة استنهاض هوية من غير تعصّب عرقي أو تطرف ديني ومذهبي وطائفي، وضرورة مسايرة الركب الحضاري من خلال الأخذ بأسباب القوّة فكريا وعلميا وماديا وتقنيا، في جوّ يسوده الحوار والتسامح والتعاون والتسامي فوق الصغائر، وبعيدا عن العنف بمختلف أشكاله. فالنهضة في اتجاه المدنية والتحضر والتقدم مرهونة بجميع لوازم الإقلاع الحضاري والتي يعدّ الفكر ونهوضه الرأسمال الأول ليشيع بعد ذلك النهوض عبر كافة أنحاء الكيان الاجتماعي للأمة.

وبالإضافة إلى العلاقة الضرورية بين الفكر والحضارة وحاجة الحضارة إلى الفكر دوما في المنطلق وفي الوسائل والأساليب وفي الغايات، عند تخلّقها وخلال نموها وسيرها نحو الاكتمال، نسجل حاجة الحضارة إلى عدد من السنن والنواميس ترتبط بالفكر وبالإنسان عامة كفرد وكمجتمع، الإنسان كعقل وكنفس وشعور وكتاريخ، فإلى جانب التراث الإنساني المادي واللاّمادي وفي جوانبه المشرقة كضرورة مرجعية مادية وثقافية نظرية وعملية ينطلق منها كل حراك إنساني نحو التحضر، تحتاج كل مبادرة في سبيل تحريك التاريخ في اتجاه البناء الحضاري إلى سنّة التغيير والتجديد والإبداع، علما بأنّ أزمة عالمنا العربي الإسلامي المعاصر في جوهرها أزمة إبداع.

إنّ بداية التحضر بواسطة التراث والتغيير والتجديد والإبداع تبدأ في الذات المستعدة لذلك التي تستثمر طاقاتها وطاقات الكون الفسيح الذي تعيش فيه، كما بيّنه محمد إقبال في فلسفة، وتحتاج الذات إلى رأسمال حضاري يمثل العدّة الأولية للإقلاع الحضاري كما بيّنه مالك بن نبي في كتاباته التي سبق بها عصره بشهادة الكثير من المفكرين العرب والعجم، وتعتمد الحضارة على الثورة وعنصر التثوير مثلما تعتمد على الثروة، بل هي ثورات بأشكال متعددة تشمل جميع ميادين الحياة الفردية والاجتماعية وحياة الأمّة ككل، هو الأمر الذي طبع مشروع “التراث والتجديد” الثوري التثويري في جميع جبهاته، باعتباره مشروعا عربيا إسلاميا حضاريا، جبهة التراث وموقفنا من الماضي وجبهة الواقع وموقفنا من الحاضر وجبهة المستقبل وموقفنا من المستقبل.

ولمّا كان الإسلام يشكل الجانب الأكبر والأكثر تأثيرا في الثقافة العربية الإسلامية وفي هوية العرب والمسلمين ومنهجه يتصف بالكمال والتمام وحيا في القرآن الكريم وفي السنّة النبوية الشريفة، فهو لا يتعارض سننا وفكرا وعلوما وعملا وأخلاقا مع الذات الحضارية الفردية والاجتماعية ومع الحضارة في المنبع والمسار والمصب، فهو أنتج حضارة شكّلت أنموذجا في الإبداع العلمي والفكري والعملي وفي التأثر والتأثير حوارا وتسامحا، وفي لمّ شمل الإنسان وتحقيق الأخوة الإنسانية والدينية، فوق كل الاختلافات بين بني البشر في اللّون والعرق والنسب والدين واللّغة وغيرها، فضرب أروع الأمثلة في الالتزام بالحق والعدل وبسائر القيّم والمثل العليا التي تفتقر إليها حضارة العولمة المعاصرة.

فالحضارة فكر في مبدأها وفي مسارها وفي منتهاها، فكر نيّر ديني وفلسفي وعلمي وأخلاقي وأدبي، فكر نظري وعملي يؤثر في الفرد وفي المجتمع وفي الأمة وفي الكون، يستثمر الطاقة في الإنسان وفي الوجود ويحوّلها بما أودعه الله فيه من قدرة على الإبداع وبما ألهمه من تفرّد إلى عالم جديد بديع رائع في الجمال والبهاء يُضاف إلى الطبيعة. قال عزّ وجلّ:﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا(الإسراء:70).

فالحضارة في أصلها فكر وشعور إنساني، لانّ بداية التحضر أفكار تتغير ومشاعر تتبدل في الذات الإنسانية الفردية والاجتماعية. قال عزّ وجلّ:”إنّ الله لا يغيّر ما بقوم حتى يغيّروا ما بأنفسهم”.الرعد:11. ولأنّ بداية الطريق خطوة يخطوها الإنسان في المكان والزمان، والخطوة الأولى في الحضارة فكرة نيّرة، وأصل البناء حجر ،وحجر الأساس في الحضارة فكرة بديعة، والفكرة كلمة وعمل ورسالة ومسؤولية لا يضطلع بها إلاّ الكبار، رواد النهضة وقادة الفكر وصناع التاريخ، والكلمة الطيّبة الحرّة البديعة المستقلة مسؤولية وأمانة عظيمة، والفكرة السليمة جوهرة ودرّة تستحق التضحية لأجلها، وهي جديرة بأن يتحمّل الإنسان كل الصعاب ويواجه كل التحدّيات لأجلها.

*أستاذ جامعي وباحث أكاديمي جزائري

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق