ثقافة النثر والقصيد

يا هَضَبَةَ الْجُولان …

واصل طة – فلسطين المحتلة

كنتُ وأصدقاءٍ لي في جولةٍ رمضانية في هضبة الجولان ورأيت اليرموك يتدفق بمائه العذب الفرات ويشق الصخور ويهدرُ،كجحافل تنقضُّ نحو عدوّها، تحطم من يعترضها . وهناك في وسط الجولان في” تلة الساقي” إسْتَحْضَرْتُ ملحمة الشجاعة والبطولة التي نسجها أبطال سوريا وفلسطين عام ١٩٧٣ من قلب موقعٍ عسكري للمحتلِ الاسرائيلي، مفتوح للزائرين -غطرَسةً من أجل رفع معنويتهم من خلال تثبيت صور الذين قُتِلوا من جنود الاحتلال في حرب تشرين ٧٣ . فخاطبت الجولان وشمسها ونهرها وشيخها وأصيلها الفتّان وعبقها المنتشر في أرجائها شعرا ، أن اصبروا فإن الصبح قادم.

يا هَضْبَةَ الجُولان ….

تَراكَمَتْ نَسَماتُها حَبَقا

وَاسْتَمْطَرَتْ أجْفانُها وَدَقا (١)

وَتِلالُها حُرّاسُ مَرْبَعِنا

وَرَبيعُها مُتَألقٌ بَسَقا

هِيَ كالمهاةِ وَهْي واردةٌ

نَحْوَ الرَّسيلِ صفاؤُهُا ألَقا

قَمَرٌ وَبُستانٌ وَظلُّهُمَا

قَدْ كَحَّلا عَيَنيَ والْحَدقا

يا هَضْبَةَ الجولان إنْتَظِري

لا تُطْفئي النِّيرانَ والْوجَقا(٢)

إني لمَسْتُ نَسيمَها رَطِبَاً

وَجَبينَها بالطلِّ قَدْ غَرِقا

قَالَ الرَّسيلُ لِشَيْخهِ عَجَبا

هَلْ يَغْرَقُ الْغطَّاسُ إنْ عَمَقا؟

ضَعُفَ الفؤادُ بنَبَضِهِ فَغَفَا

بِتَدَفُّقِ الْبَنْياس قَدْ خَفَقَا

أُنظُرْ إلى الْيَرْموكِ مُنْدَفِعاً

قدْ حَطَّمَ الْمِتْراسَ والْحَلَقَا

بَيْنَ الضلوعِ يَكُونُ مَسْكِنُهُ

لَوْ هَبَّتِ النيرانُ ما احْتَرَقا

يَسْمو ويعلو كلَّما هَبَبَتْ

وتَضْوَّعَتْ أَرْجاؤُهُ عَبَقا

أطْيارُهُ رفَّتْ على فَنَنٍ

فَتَناثَرَتْ أوْراقُهُ حَبَقا

حُرِّيَةُ الْأوْطانِ مِشْعَلَةٌ

هِيَ كالنَّهار تُطارِدُ الْغَسَقا

إنّي عَشِقْتُ الرّيحَ مُثْقَلةً

تَأْتي بخَيْرٍ ماؤُهُ غَدَقَا

لِيُعانِقَ الْحُرْمُونَ… يُكْرِمُهُ

عَيْناً على الْأوْطانِ قَدْ خُلِقَا

ما ظَلَّ للغازي بهِ أَثَرٌ

رَحَلوا وَظَلَّ الشَّيْخُ مُؤتَلِقَا

عَيْنٌ على التّاريخِ قَدْ شَهِدَتْ

مَنْ سَيَّجَ الْأَوْطانَ ؟ أَوْ سَرَقا

وَعلى سُفوح الشَّمسِ قَدْ جَدَلوا

مَجْداً مِنَ”البلّانِ..”٣” مُنْبَثِقَا

والنَّصْرُ بالخيلِ يَكْتُبُ ذاكرتي

فيهِ الكلامُ حِبْرُهُ دَفَقَا

يا عينُ لا تَبكي على طَلَلٍ

إنَّ الطلولَ عَشيرُ مَنْ عَشِقا

الشمسُ لا تَخْفى وإن سُتِرتْ

أوْ غَيَّرَتْ الوانَها شَفَقَا

سَلْمى عروسُ الْكَوْنِ مُشْرقةٌ

عِنْدَ الأصيلِ تُقَبِّلُ الأُفُقَا

الشَّمْسُ قَدْ ألْقَتْ أشِعَّتَها

ذَهَباً على الْغَيْماتِ فاخْتَرَقا

ما كانَتِ الْحَسْناءُ ناعِسَةً

هذا السُّهادُ بِرِمْشِها عَلِقا

الشَّيْخُ قَدْ أَرْخَى عَمامَتَهُ(٤)

وَعْداً سيصْدقُ كالَّذي صَدَقا

وَعَزيمَةُ الأحرارِ بارقَةٌ

لَمَعتْ كَحدِّ السَّيفِ إِذْ بَرَقا

بَطَلٌ٠٠ ظُهُورُ الْخَيْلِ مَسْبَحُهُ

مَسْحاً على الأعْناقِ قَدْ طَفَقَا

وتُطِلُّ عِنْدَ الْفجْرِ عِمَّتُهُ

لِتُزيلَ سودَ الليلِ والْقَلقا

وَالْخيلُ إنْ خَبَبَتْ بِمَوْكِبهِ

صارتْ سنابِكُ خَيْلهِ نُطُقَا

يا هَضْبَةَ الْجولانِ إصْطَبِري

إنَّ الصَّباحَ بِنورِهِ إنْطْلَقا

إشارات

١- ودق: مطر

٢- وِجَقَ : منقل للنار ، موقد في الأصل

أعجمية.

٣- البلّان : منطقة على سفوح الشيخ

وقعت فيها معركة ابّان الثورة السورية ضد الفرنسيين ،وكان ابطالها من مجدل شمس وقرى الجولان ومن مناطق أخرى، مما أدى الى خسائر فرنسية فادحة دفعت لقصف مجدل شمس بالأسلحة الثقيلة فاحترقت بيوتها ، واستشهد العديد من ابنائها ٠

الا ان مجدل شمس قد بقيتْ وبقي الجولان وشيخه يقظاً ، وطوى الاحتلال الفرنسي ذيله ورحل .

.

٤- أرخى عمامتهُ : أمن واطمأن

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق