قراءات ودراسات

الذات تصف نفسها

 المهدي مستقيم*

•ماهي العوائق التي تعترض الذات أثناء محاولتها تقديم وصف لنفسها؟
•هل نحن في حاجة إلى تأمل تجاربنا الذاتية بوصفها واقعة مشتبكة اشتباك تأثير وتأثر مع التجربة الأخلاقية والتاريخية التي نعد شهودا عليها؟
•كيف تتشكل الذات؟ وما علاقة هذا التشكل بالأخلاق وبمفهوم المسؤولية؟
•ما طبيعة العلاقة القائمة بين السرد الذي تصف به الذات نفسها( في موقف الحاكم والمحكوم، والسيرة الذاتية، والتحليل النفسي) وبين سيرة الذات التي تكتنفها عتمة حتمية تتحدى الوصف والسرد؟
•ألا يساهم المكون الأخلاقي في تحفيز الذات على ممارسة النقد على ذاتها؟
•ألا تعد الخلقية عاملا جوهريا في تقرير فاعلية الذات وإمكانية الأمل؟

أسئلة وأخرى تجيب عنها جوديث بيتلر أستاذة البلاغة والدراسات المقارنة في جامعة كاليفورنيا/بيركلي، بلغة فلسفية تأملية عميقة وباستحضار ألمع فلاسفة الفكر الغربي المعاصر (هيجل،أدورنو،فوكو،لابلانش، ليفيناس ،كافاريرو) في كتابها الماتع “الذات تصف فسها”[1]الذي عرف طريقه إلى لغة الضاد عن طريق المترجم فلاح رحيم.
1 /تحفر بيتلر في القسم الأول من الكتاب في الطرق التي تتيح للذات وصف نفسها، مع التركيز على الارتباط الوثيق القائم بين هذا الوصف وبين سؤال الفلسفة الأخلاقية وإطاره الإجتماعي المعاصر، إذ تحيل على تحليل أدورنو للعنف الأخلاقي، الذي يتولد حسبه نتيجة خلل يصيب العلاقة ذات/منظومة قيم، حيث لا تتراجع منظومة القيم الحاضنة للذات عن ممارسة الإكراه والضغط حتى تخضع الذات لتعاليميها،”لا تقف الأنا بمعزل عن قالب مهيمن من المعايير الأخلاقية والأطر الخلقية المتصارعة. ويعد هذا القالب بمعنى هام الشرط لنشوء ال”أنا” أيضا، بالرغم من أن ال “أنا” لا تتكون بسبب هذه المعايير. لا يمكن لنا أن نستنتج أن ال “أنا” نتيجة لروح مسبقة أو أداة لها ببساطة، إنها ميدان لمعايير متصارعة أو متقاطعة. قد تبدأ ال”أنا” وهي تقدم وصفا لنفسها من ذاتها، لكنها ستجد أن هذه الذات موجودة ضمنا في زمنية اجتماعية تتجاوز قدراتها على السرد، في الواقع، عندما تسعى ال”أنا” لتقديم وصف لنفسها، وصف لابد أن يتضمن ظروف نشوئها الخاصة، فإن عليها بالضرورة أن تتخذ دور المنظر الإجتماعي” (ص 45 ).
ترفض بيتلر موقف أدورنو، لأنه يجعل إمكانية تأسيس مفهوم الاعتراف صعب التحقق، نظرا لعدم تعيينه من يحق له أن يصير ذاتا ،” علينا أن نسأل إن كانت ال”أنا” التي يجب أن تقبل المعايير الخلقية قبولا حيا لا تكون هي نفسها محكومة بهذه المعايير، أي المعايير التي تؤسس قابلية الذات على الحياة. القول إن على الذات القدرة على امتلاك المعايير شيء، والقول بضرورة وجود معايير تهيئ مكانا للذات داخل الحقل الأنطولوجي شيء اخر مختلف. في الحالة الأولى تكون المعايير موجودة هناك، على مبعدة في الخارج، والمهمة هي العثور على طريقة لقبولها، التقاطها، وتأسيس علاقة حية معها. يكون الإطار الإبستيمولوجي مفترضا سلفا في هذا اللقاء الذي تواجه به الذات قواعد خلقية ولا بد أن تجد طريقة للتعامل معها. ولكن هل نظر أدورنو في أن المعايير تقرر سلفا أيضا من يمكن له أن يصبح ذاتا ومن لا يمكن له ذلك؟ هل تأمل فاعلية المعايير في تكوين الذات نفسها، وفي تحديد الأسلوب الأنطولوجي الخاص بها وتأسيس موقع شرعي داخل مملكة الأنطولوجيا الاجتماعية؟ (ص47 ).
لكن بفضل كتابات فوكو ستتمكن بيتلر من العثور على ما يتيح للذات وصف نفسها، لأن صاحب تاريخ الجنسانية تمكن من تجاوز فهم نيتشه الضيق لقصة تشكل الذات، بوصفها نتاج عقاب فحسب، إذ ركز فوكو على عملية الإبداع المنبجسة من جراء عملية التأثير والتأثر التي تتميز بها العلاقة ذات/ منظومة قيم أخلاقية.
لا يمكن إلا لجاحد أن ينكر ارتباط الاعتراف بالذات والمعايير القيمية، لكن الذات تساهم في انتاج هذه المعايير وهذه القيم، دون أن يعني ذلك قدرة الذات على توجيه القيم والمعايير الاجتماعية والتحكم فيها، على اعتبار أن السلطة التي تمارسها هذه الأخيرة على الذات هي التي تتسبب في العتمة التي تعوق عملية وصف الذات لنفسها،إن هذه العلاقة إبداع/كبح هي التي تتيح للذات الاستمرار في ممارسة النقد على ذاتها. وهذا ما زكته بيتلر بتأكيدها على أن”تشكل الذات نفسها في علاقة مع مجموعة من الشفرات، والإرشادات، والقواعد وهي تفعل ذلك بطرق لا تكتفي فقط ب (أ) كشف حقيقة أن تأسيس الذات هو نوع من الصيرورة ولكنها (ب) تؤسس خلق الذات بوصفه جزءا من عملية أوسع هي النقد. لقد جادلت في مكان اخر، أن خلق الذات الأخلاقي لدى فوكو ليس خلقا جذريا للذات من العدم لكنه كما يقول تحديد ذلك الجزء من الذات الذي سيشكل موضوع ممارسته الخلقية. إن هذا الاشتغال على الذات، فعل التحديد هذا، يقع داخل سياق مجموعة من القواعد التي تسبق الذات وتتجاوزها. وهذه القواعد تتشبع بالقوة والعناد وتضع التخوم لما سيعد تشكيلا معقولا للذات داخل خطة تاريخية محددة للأشياء. لا يوجد خلق الذات لنفسها خارج نمط نشوء الذات ومن هنا، لا وجود لخلق الذات خارج القواعد التي تنسق الأشكال الممكنة التي يمكن أن تتخذها الذات. وهكذا تكشف ممارسة النقد حدود الخطة التاريخية للأشياء، الأفق الإبستيمولوجي والأنطولوجي الذي تخرج فيه الذوات إلى الوجود على وجه الإطلاق. أن نخلق أنفسنا بهذه الطريقة بحيث أننا نكشف هذه الحدود يعني على وجه الدقة أن ننخرط في جماليات الذات التي تحافظ على علاقة نقدية مع القواعد القائمة.يكتب فوكو عام 1978 في محاضرته ماهو “النقد؟”: النقد يمكن أن يضمن تحرير الذات من خضوعها في سياق ما يمكن أن نسميه، بكلمة واحدة، سياسة الحقيقة.” (ص58 ).
تتخذ بيتلر من كتاب هيجل “فينومينولوجيا الروح” منطلقا لعرض أفكار كتابها، إذ تعتبر هيجل في كتابه هذا سارد يجند كل قواه لتبديد العتمة التي تكتنف الذات، بطلة قصته الرئيسة رفقة باقي الشخصيات التي يطلق عليها أسماء تتخذ لبوسا مفاهيميا مجردا مثل الرغة،القوة،الوعي،الوعي الذاتي، الإنعكاسية، السيد، العبد…، فالذات الهيجلية حسب تعبير بيتلر قصة خيالية ذات قدرات لانهائية، مسافر رومانتيكي لا يتعلم إلا مما يجرب، وهو بحكم قدراته اللانهائية على ترميم نفسه لا يتحطم إلى حد يتعذر معه الإصلاح أبدا.
ميل هيجل إلى توظيف الخيال القصصي راجع إلى رغباته الميتافيزيقية التي تردد على نفسها الأكاذيب لتضمن استمرارها في العييش، إن ما قام به هيجل شبيه بما قام به صاحب “الأوديسة”، وصاحب “الكوميديا الإلهية”، وصاحب “دون كيخوت”، إذ يرسم ذاتا بهوية ميتافيزيقية بدون ملامح ولا اثار، ذات لا تني تركض وراء الواقع لكنها سرعان ما تسقط في الخطأ.
يدشن هيجل سرد قصته في “فينومينولوجيا الروح” بالحديث عن مفهوم الرغبة، ويرى أنها ذات طابع مزدوج، فالرغة غالبا ما تتجه نحو موضوع خارجي، لكنها انعكاسية في الآن نفسه، أي أنها تسعى من خلال هذا الخروج إلى العودة إلى نفسها وتدعيم معرفتها بطبيعتها ووسيلتها في ذلك هي القوة، وهنا بالضبط يتشكل بعدها الميتافيزيقي. ففي البداية تكون الرغبة حيوانية نظرا لالتصاقها الشديد بالطبيعة، لكن ما أن تخرج من جوانيتها حتى تكتسب خواصها الإنسانية نظرا لاحتكاكها بعالم المؤسسات والتنظيمات الاجتماعية كالقانون والأسرة والمجتمع المدني والدولة، هذه العلاقة الجدلية التي تربط الرغبة بالذات وبموضوعات العالم الخارجي، تترتب عنها نتيجتان لا ثالث لهما: إما أن نخسر أنفسنا أثناء سعينا وراء موضوع خارجي، وإما أن نخسر العالم إذا ما اتجهت الرغبة في سعيها إلى الذات نفسها. وبالتالي فالرغبة لا يمكنها إلا أن تفرز المعادلة عبد/سيد، التي تتولد انطلاقا من الصراع بين الوعي الذاتي والوعي الذاتي الآخر ،من أجل نزع الاعتراف وإشباع الجوع الاجتماعي.
إن لمواجهة الآخر حسب هيجل أهمية مزدوجة بالنسبة لتشكيل الوعي الذاتي، فهو أولا يفتقد ذاته لأنه يجدها في كائن آخر، وهو ثانيا يحل محل الآخر إذ لا يرى فيه كائنا جوهريا مختلفا عنه بل يرى ذاته في الآخر، الشيء الذي يتولد عيله صراع لا يمكنه أن ينتهي بموت أحد الطرفين، لأن موت أي طرف يعني أن يفقد الوعي الذاتي فرصته في الحصول على الاعتراف، إنه صراع ينتهي بطرف فائز مستقل وطرف تابع منهزم، الطرف الفائز(السيد) هو الذي يدمر الاعتماد على الحياة، أما الطرف المنهزم(العبد) فهو الذي يفضل الحياة على الموت ويمتنع عن تدميرها. وهذا ما يعبر عنه هيجل بقوله “الدليل الوحيد لتحقيق الاعتراف بالذات هو خطر الموت”. لكن مع ذلك يبقى موضوع الرغبة الحقيقي في نهاية المطاف هو الحياة. ” في الواقع إن شئنا تعقب فينومينولوجيا الروح أكون متحولة على نحو ثابث بفعل اللقاءات التي أمر بها، ويصبح الاعتراف العملية التي أصبح بها آخر مختلفا عما كنت عليه، وبالتالي أفقد القدرة على العودة إلى ما كنت عليه. هناك إذن خسارة تكوينية في عملية الاعتراف لأن ال”أنا” تمر بتحول عبر فعل الاعتراف، ولا يكون كل ماضيها مجموعا ومعروفا في فعل الاعتراف، إن الفعل يغير تنظيم ذلك الماضي ومعناه في الوقت نفسه الذي يحول فيه حاضر الشخص الذي يتلقى الاعتراف. الاعتراف فعل تصبح فيه العودة إلى الذات مستحيلة لسبب آخر أيضا. يحدث اللقاء مع الآخر تحولا في الذات لا عودة عنه. وما يدرك عن الذات في سياق هذا التبادل أن الذات نوع من الوجود يكون بقاءه في داخل ذاته أمرا مستحيلا. إن المرء مجبر على الخضوع لما هو خارج ذاته والتوافق معه، ويجد المرء أن الطريق الوحيد لمعرفة نفسه يكون عبر وساطة تقع بمعزل عن ذاته، في خارجها، بفضل مواضعة أو قاعدة لم يصنعها هو نفسه، وفيها لا يمكن للمرء أن يتعرف على نفسه بوصفه المنشئ أو الفاعل في صناعة ذاته. بهذا المعنى إذن، يكون موضوع الاعتراف الهيجلي لا محالة واقعا في تذبذب بين الخسارة والانتشاء. ويتحقق إمكان ال”أنا”، وإمكان الكلام والمعرفة الخاصة بال”أنا”، في منظور يقتلع منظور ضمير المتكلم الذي يمثل شرطا له.” (ص74 ).
وفي نفس السياق تعرض بيتلر موقف الفيلسوفة الإيطالية “كافاريرو” التي ترى عكس هيجل أن الغير هو من يحفز الأنا على سرد سيرته الذاتية، حيت يصعب على المرء أن يصف أناه في غياب الغير، بل إن قصة الأنا تصبح مستحيلة دون وجود الغير.”في تناقض واضح مع الرأي النيتشوي القائل أن الحياة من حيث الأساس وثيقة الصلة مع الدمار و المعاناة، تجادل كافاريرو أننا مخلوقات مكشوفة بالضرورة بعضنا لبعض في ضعفنا وتفردنا، وأن حالتنا السياسية تتكون جزئيا من تعلم الكيفية التي نتعامل بها بأفضل وجه مع هذا الانكشاف الثابت والضروري ونفيه حقه. بمعنى من المعاني تقوم هذه النظرية عن موقع الفرد بالنسبة لل”خارج” بالنسبة للذات بطرح المنحى الانتشائي في موقع هيجل طرحا جذريا. بالنسبة لها لست في واقع الحال ذاتا داخلية، مغلقة على نفسي، أنانوية، أطرح أسئلة تتعلق بنفسي فقط. أنا موجودة بمعنى مهم بالنسبة لك، وبفضل وجودك. إذا كنت قد خسرت شروط المخاطبة، وإذا لم يكن لدي “أنت” أخاطبه، إذن فقد خسرت “نفسي”. بحسب رأيها لا يمكن للمرء أن يسرد سيرته الذاتية إلا لشخص آخر، ولا يمكن للمرء الإحالة إلى أنا إلا في علاقة مع “أنت”: دونما “أنت” تصبح قصتي مستحيلة” . (ص79 )
2 /تبرز بيتلر في القسم الثاني كيف يعمل العنف الأخلاقي على تشكيل العتمة التي تحول دون أن تقدم الذات وصفا لنفسها، نتيجة احتضانها من طرف منظومة قيمية تفرض عليها الانتماء والخضوع لهوية راكدة تابثة منسجمة تلغي عتمتها وتهمشها وترفض تسليط الأضواء عليها.
يمكن للعنف الأخلاقي أن يمارس على الذات وعلى الآخر من خلال التسرع في اصدار الحكم على الآخر وإدانته، كما أن هذا النوع من العنف يقيم حواجز أمام الأنا تحول دون تشكيلها فهما حقيقيا للآخر، وبالتالي تصبح رغبة الآخر المتمثلة في نزع الاعتراف من الأنا مهمة عسيرة، وذلك راجع لوجود صعوبة في التمييز بين الحكم الذي يعتمد إطارا أخلاقيا متفقا عليه، وحكم لا دافع له إلا التحيز ضد الأشخاص لأنهم من هم عليه.
يعتبر التحليل النفسي حسب بيتلر مصدرا للعنف الأخلاقي، حيت يطالب المريض بتقديم سرد منسجم ومتناسق لتجاربه دون أن يأخذ بعين الاعتبار مسألة فائض السرد، وبالتالي فهو يشارك في تقديم وصف للذات يتناقض مع الأهمية الأخلاقية لتشكل تلك الذات، إذ سيكون من المستحيل الكلام دون الوقوع في الخطأ عن اللاوعي الخاص بي لأنه ليس ملكية، بل هو ذلك الشيء الذي لا يمكن أن أمتلكه.”ما الذي نقصيه حين نفترض، كما يفعل بعضهم، أن السرد يمنحنا حياة هي حياتنا، أو أن لحدوث الحياة طابعا سرديا ؟ إن نسبة حياتي لي لا تمثل بالضرورة شكلها القصصي. ال”أنا” التي تبدأ برواية قصتها لا تستطيع أن تفعل ذلك إلا بحسب قواعد معروفة لسرد الحياة.يمكننا القول إذن: بقدر قبول ال”أنا” منذ البداية بسرد نفسها عبر هذه القواعد، فإنها توافق على توصيل سردها عبر وسيلة خارجية، وبالتالي تربك مسارها في تقديم رواية باستخدام أنماط من الكلام ذات طبيعة لا شخصية. بالطبع كان “لاكان” قد أوضح بجلاء أن أي وصف نقدمه للحظات الاستهلالية الأولى للذات يكون متأخرا ومتوهما، ويقع لا محالة تحت تأثير “الفعل المؤجل”. تكون السرديات التطورية عرضة للوقوع في الخطأ عندما تفترض أن رواية السرد يمكن أن تكون حاضرا بالنسبة لأصول القصة المروية، بينما الأصل لا يصبح متاحا إلا على نحو ارتدادي وعبر شاشة الفنطازيا. إن مقياس الصحة العقلية الذي يدلنا على أن بلوغ وصف متسق للنفس هو جزء من الجهد الأخلاقي للتحليل النفسي يسيء تفسير ما يستطيع التحليل النفسي وما يجب أن يفعله. إنه يشارك في الواقع، في تقديم وصف للذات يتناقض مع الأهمية الأخلاقية لتشكل تلك الذات”.(ص 111 -112 ).
في هذا السياق توجه بيتلر النقاش اتجاه كتابات المحلل النفسي “لابلانش”، الذي عاتب فرويد على اغفاله الآثار التي يخلفها الغير في الذات، وهو ما عمل على تطويره انطلاقا من وقوفه على نظرية الغواية التي مكنته من الوصول إلى نتيجة تتعارض مع استنتاجات فرويد، حين أوضح أن العصاب يتولد عن صدمة جنسية مبكرة يلعب فيها الغير المتمثل في البالغين وفي لاوعيهم دورا حاسما في تشكيل الجهاز النفسي للذات، فمكونات الجهاز النفسي الرئيسية (الأنا/الأنا الأعلى) تأتي متأخرة مقارنة مع النقوش الأولية الملغزة التي يتركها الغير على الذات في المراحل الأولى من تكونها (عالم الطفل).”يجادل جان لابلانش أن القيد المفروض على التعبير اللفظي الكامل لا يأتي بسبب “العقبة” اللاكانية التي تعوق العودة إلى المتعة الأولية، ولكن بسبب الانطباعات المربكة والملغزة التي يتركها عالم البالغين بخصوصياته على الطفل. بالنسبة لجان لابلانش لا يوجد الآخر بالمعنى الرمزي للكلمة، بل هنالك مجموعة الآخرين المتنوعة التي تمثل البالغين من مانحي الرعاية في عالم الطفل حسب. في الواقع لا يرى لابلانش أي سبب يدعوه إلى افتراض أن مانحي الرعاية هؤلاء لابد من تصنيفهم أوديبيا إلى الأب والأم.” (ص 136 )
3 /تثير بيتلر في القسم الثالث اشكالا جوهريا تطرح على اثره السؤال التالي : إذا كانت الذات لا تملك القدرة على السيطرة على نفسها وتحديد مصيرها وتوجيه أفعالها. لماذا نطالبها بتحمل المسؤولية على ما تقوم به من أفعال؟
في إجابتها عن هذا السؤال تركن بيتلر إلى إعادة تعريف مفهوم المسؤولية، فالمسؤولية حسبها تعني الاقرار بالعوائق التي تمنع الذات من التعبير عن نفسها، وهي قيود تكشف عن وجود عتمة تتخلل الذات والجماعة. إنها قيود تضفي على الذات صفة الإنسانية. فالآخر هو مصدر هذه العتمة وهو في نفس الوقت السبيل الوحيد لتحقيق الاعتراف بالذات.
هنا تعرج بيتلر نحو الفيلسوف “ليفيناس” الذي يرفض مشروع الأنطولوجيا الذي تتبناه الفلسفة الغربية، والذي تهدف من خلاله إلى اختزال الآخر إلى شبيه واختزال الاختلافات بين الأفراد في مفهوم محايد أخلاقيا لا ينصف الغيرية، من هنا فهو يدعو إلى إعادة الاعتبار للفرد الذي أهدرت كرامته من طرف قوى مجهولة أصبحت مثار تأمل الفلسفة الغربية.
يقابل عداء ليفيناس للأنطولوجيا ولاءه للميتافيزيقا بما هي تسعى إلى ما وراء ذاتها وتتجه إلى الآخر المغاير، اضافة إلى اشتغالها على الأسئلة الأخلاقية.تتأسس نظرة “ليفيناس” حول العلاقة ذات/غير على مفهومين جوهريين:
• الأول: يسميه مفهوم “العلاقة وجها لوجه” وهو مفهوم يشد على وظيفة نظرة الغير ويشيد بطابعها الدرائعي الأخلاقي، على العكس مما ذهب إليه سارتر من كون نظرة الغير تسلب تمركز الأنا حول ذاته، وتقلص من حريته وتضطهدها وتقمعها. إن انتماء الذات حسب ليفيناس إلى لغة ما، ودخولها في علاقات بينية مع الغير ،يفرض عليها التحكم في خطابها ولغتها واستحضار ما يسميه فوكو بآليات الحجب والمنع. وهذه السلطة التي تمارس على الذات من قبل المنظومة الاجتماعية التي تنتمي إليها تجعل الذات تلجأ إلى الاعتذار والدفاع عن النفس انطلاقا من تفاعلها وجها لوجه مع الغير. فحضور الغير متمثلا في نظرة عينيه يدفع الذات إلى التبرير وإلى استحضار قيم العدالة والإنصاف.
•الثاني: يطلق عليه “ليفيناس” اسم الإستبدال ويقصد به تلك العملية التي تستبدل من خلالها الذات ذاتها لتحل محل ذات أخرى، كي تتخذ منها أرضية تنطلق منها كل أفعال التضامن والاجتماع وهكذا تحقق الذات ذاتيتها من خلال شعورها بالمسؤولية اتجاه ذات الآخر.”كيف يدخل الاستبدال الصورة؟ يبدو أن ما يضطهدني يأتي ليحل محل ال”أنا”. ذلك الذي يضطهدني يأتي بي إلى الوجود، يترك أثره علي، وبالتالي يحثني، يبث في الحيوية باتجاه الأنطولوجيا في لحظة الإضطهاد. لا يوحي هذا بأني أقع تحت تأثير الفعل على نحو أحادي من الخارج، ولكن أن هذا الوقوع تحت التأثير يدشن احساسا بي يكون منذ البداية احساسا بالآخر. أقع تحت تأثير الفعل بوصفي الموضوع المفعول به لفعل آخر، وذاتي تتشكل ابتداءا داخل تلك المفعولية. إن الشكل الذي يتخذه الاضطهاد هو الاستبدال ذاته : شيء ما يضع نفسه في مكاني، وتنشأ “أنا” لا تستطيع فهم مكانها إلا بوصفه هذا المكان الذي يشغله شخص آخر بالفعل. لا أكون إذا في البداية مضطهدا بل محاصرا محتل.إن كان تمة شيء يحل محلي أو يشغل مكاني، فإن ذلك لا يعني أن يأتي إلى الوجود حيث كنت ذات مرة من قبل، ولا أنني لم أعد موجودة، ولا أنني قد دبت في العدم بفضل استبدالي بطريقة ما. الأحرى، أن الاستبدال ينطوي على حدوث حالة متعدية لا تقبل الرد، حدوث الاستبدال هو أكثر من فعل مفرد، إنه حدوث متواصل طوال الوقت. بينما يوحي الإضطهاد أن شيئا ما يؤثر في من الخارج، يوحي الاستبدال أن شيئا ما يحل محلي، أو الأفضل القول إنه منخرط في عملية الاستحواذ على مكاني دائما. ويعني أن أكون رهينة أن شيئا ما يطوقني، يمسني بطريقة لا تسمح لي بالتحرر. بل هو يثير احتمال أن تكون تمة فدية عني لابد أن يدفعها شخص ما في مكان ما (ولكن لسوء الحظ، بحسب المزاج الكافكوي، لم يعد ذلك الشخص موجودا أو أن ما لديه من عملة قد فات أوانها)”.( ص166-167 )
4 /يجتمع كل هؤلاء الفلاسفة التي استدعتهم بيتلر بروح نقدية حول فكرة جوهرية مفادها أنه حتى تصف الذات ذاتها لا بد أن تدفع الثمن،فقول الحقيقة عن النفس يورطنا بكل بساطة في معارك موضوعها تشكل الذات والمكانة الاجتماعية للحقيقة.
تتعذر عملية انخراط الذات في تشكيل سرد حول نفسها عندما تعجز عن ايجاد شروط تكفل لها قول الحقيقة كموضوع صياغة تامة، لأن ما نقوله يعتمد على طريق تكويني، وعلى اجتماعية، وملموسية لايمكن بسهولة، إن أمكن على الإطلاق، أن يعاد تكوينها في السرد. وعلى نحو متناقض، أنا أفقد ملكيتي عند القول،و في فقدان الملكية هذا يتولى القياد ادعاء أخلاقي، إذ لا وجود ل”أنا” تنتمي إلى ذاتها.”إنها تخرج إلى الوجود، منذ البداية، عبر مخاطبة لا أستطيع تذكرها أو استعادتها، وعندما أقوم بالفعل، فأنا أقوم بفعلي في عالم لا يكون تركيب جزءه الأكبر من صناعتي وفعلي. هنالك بالتأكيد شيء كهذا. إنه يعني فقط أن ال”أنا”، معاناتها وفعلها، إخبارها وإظهارها، تقع داخل بوتقة من علاقات اجتماعية، متأسسة وقابلة للتكرار على نحو متنوع، بعضها يتعذر استعادته، وبعضها يمس معقوليتنا داخل الحاضر ويكيفها ويحد منها. وعندما نقوم بفعلنا ونتكلم، فإننا لا نكشف أنفسنا حسب، لكننا نتعامل مع تخطيطات المعقولية التي تقرر من يمثل كينونة ناطقة، نخضعها للمقاطعة والمراجعة، ندعم قواعدها أو نعترض على هيمنتها.”(ص 223 )

*المهدي مستقيم: أستاذ/باحث من المغرب
_________________________
[1] جوديث بيتلر، الذات تصف نفسها،ترجمة فلاح رحيم،دار التنوير للنشر والتوزيع بالإشتراك مع جامعة الكوفة،بيروث، الطبعة الأولى سنة 2014

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق