ثقافة السرد

الحَلّ عند الطبيب

عصام حسن*

يستيقظ وديع عند الفجر على صراخِ امرأة، وهديرِ صوتٍ رجّاليّ، وبكاءِ طفل. يُغادر سريرَه وينظر من النافذة مُحاوِلًا معرفةَ مصدر هذه الجَلبة، لكنّه يفشل. يختفي بعد لحظاتٍ صوتُ الرجل، ويخفتُ تدريجيًّا صوتُ المرأة والطفل. يتلفّت وديع يمنةً ويسرةً، فيجد بعضَ الجيران يُطلّون من نوافذِ بيوتهم مثلَه. يسأل أقربَهم إليه همسًا، وبلغة الإشارة:

– ما الذي يحصل؟

– لا أدري ! يرد الجارُ بالأسلوب نفسِه.

***

يسكن وديع في هذا الحيّ منذ ولادته (قبل أربعين عامًا)، ولم يحصلْ أنْ سمع مثل تلك الأصوات التي أعادته رغمًا عنه إلى لحظات خسارته الكُبرى: حين فقد زوجتَه، وابنتَه ذاتَ الأعوام الستّة، في حادث سيرٍ، ونجا هو بأعجوبة، ليعاني مرارةَ النجاة. حصل هذا قبل أربعة أشهر. ومن يومها وهو يعيش عيشةَ الزهّاد، متقشّفًا في الكلام ذاته.

“لقد وقع في فخِّ الاكتئاب”: هكذا وَصف حالتَه أحدُ معارفِه مِمّن حاولوا إخراجَه من عزلته وصمتِه، وفشل مثلَ كثيرين حاولوا ذلك قبلَه. ومن المرّات النادرة التي تكلّم فيها وديع بإسهاب كانت أثناء سهرةٍ مع صديقه مُعين بعد تناولهما عدّةَ كؤوسٍ من العرق البلديّ. حتّى إنّه فاجأ مُعينًا حين بدأ الحديثَ، من دون مقدّمات، كمن يقدّم تقريرًا رسميًّا عمّا حصل معه:

– “… كنّا في طريقنا إلى القرية نمنّي النفسَ بقضاء عطلة نهاية الأسبوع مع الأهل والأقرباء. فجأةً، تخرج سيّارةٌ سوداءُ من طريقٍ فرعيّ، يقودها صاحبُها بسرعةٍ جنونيّة، فلم يستطع الانعطافَ بشكلٍ سليم، وانزلق بسيّارته نحونا مباشرةً. انحرفتُ جانبًا محاولًا تفاديَه، فأصطدمتُ بالحاجز الإسمنتي المنصّف للطريق السريع، وانقلبتْ بنا السيّارةُ عدّة مرّات، قبل أن تستقرَّ على ظهرها، ونحن في داخلها قد تكوّمنا بعضنا فوق بعض…”

يتوقّف وديع وقفاتٍ قصيرةً يعود خلالها إلى كأسه، فيأخذ رشفةً منها، ثمّ يُكمل الحديثَ، ليخوضَ في أصغر التفاصيل: ماذا كان يقول المذيعُ في نشرة الأخبار قبيْل وقوع الكارثة؛ ماذا قالت الصغيرةُ حين رأتْ أمَّها تمدّ يدَها من نافذة السيّارة؛ كيف كان الطقس في تلك الليلة؛ ماذا قال لطفلته حين سألتْه عن سبب هطول الأمطار؛ وهكذا. إلى أن وصل إلى نهاية القصّة:

– “بعد انقلاب السيّارة بنا، غبتُ عن الوعي. وآخرُ ما تحتفظ به ذاكرتي هو وميضُ الأضواء الخلفيّة الحمراء لتلك السيّارة وهي تلوذُ بالفرار. وعندما استفقتُ، وجدتُ نفسي في المشفى، لأكتشفَ أنّني قضيتُ أسبوعًا في غيبوبة، وأنّ طفلتي وزوجتي قد توفّيتا.”

يتوقّف وديع عن الكلام لبرهة من الزمن، ثم يختم حديثه وهو يختنق بالدموع:

– “ألوم نفسي ألفَ مرّة في اليوم، لأنّني فكّرتُ في الخروج من البيت تلك الليلة.”

في نهاية السهرة، ينصحه مُعين بمراجعة دكتورٍ مختصّ في الطبّ النفسيّ، ويخْبره عن واحدٍ افتتح عيادةً منذ فترةٍ قصيرةٍ في مكانٍ قريب. ثمّ يؤكّد له بجدّيّة أنّ “الحلّ عند الطبيب،” واضعًا أمامه على المنضدة بطاقةً صغيرةً فيها اسمُ الدكتور، وعنوانُه، ورقما الهاتف الجوّال والأرضيّ.

لكنّ وديعًا لم يكلّفْ نفسَه عناءَ النظر إلى البطاقة، وبقيتْ في مكانها لعدّة أيام، ثم اختفتْ مع أشياء أُخرى أهمَّ منها بكثير.

***

لم يكن ينقص وديعًا سوى هذا الصراخ والضرب والشتائم وبكاءِ الطفل الذي صار يتكرّر تقريبًا كلّ يوم. صحيحٌ أنّ الصوتَ كان يأتي من آخر الحيّ، لكنّ هدوءَ الليل كان يحمله إليه ويرميه في مسامعِه. كان الصوتُ يُدمي فؤادَه، ويؤرِّقُه، فيقضي وقتًا طويلًا بعد كلّ مُشاحنةٍ في الرواح والمجيء بين نافذة غرفة النوم وبابها، وهو يشتمُ بصوتٍ غاضبٍ مكتوم، قبل أن يجلسَ مُنهَكًا قبالة الصورة المعلّقة على الجدار، وقد جمعتْه بزوجته وابنتِه، فيبكي بحرقةٍ وهو يتأمّل الابتسامةَ المرتسمةَ على شفاهِهم كأنّها حِرْزٌ مُقدّسٌ يلوذون به من شرٍّ مُسْتطير.

***

بعد شهرين من المعاناة، قرّر وديع أنّ عدوَّه الوحيد في هذا العالم هو ذلك الرجلُ الذي لا يستحقّ – في رأيه – أن يكون لديه بيتٌ وزوجةٌ وأطفال. كانت تعذِّبُه استغاثاتُ المرأة، ويقطع نياطَ قلبه صراخُ الطفل، الذي يذكّره بصوت ابنته وهي تصرخ باسمِه إلى أن غاب عن الوعي في ذلك اليوم المشؤوم. وكان يسأل نفسَه دائمًا: “لماذا حصل هذا؟ لماذا؟” فلا يجد جوابًا سوى صدى صوته الحزين.

“إنّ مَنْ يُعاني مثلَ هذه المعاناة لا عجبَ أن يَحْقدَ على مَن ينكأ جراحَه كلَّ يوم”: هذا ما كان يفكّر معين فيه وهو يستمعُ إلى وديع الغاضبِ، المتوتّرِ، والمُستفَزّ دومًا. وكان يُحْزن مُعينًا أنّه لم يستطع إخراجَ صديقه من محنته. ويزداد حزنُه حين يسمعه يقول “أنا في حاجة إلى هذا الألم،” فيُسقط في يده، ويكتفي بتكرار تلك الجملة التي باتت تجلب المغصَ إلى وديعٍ كلّما سمعها: “الحلّ عند الطبيب.”

***

في صبيحة أحد الأيّام، ذهب وديع إلى دكّان السّمانة القريب. وبينما هو مشغولٌ في اختيارِ ما يريد من الخُضَر والفاكهة، سمع السَّمّانَ يشكو إلى أحد زبائنه جارًا يقضّ مضاجعَ سكّان البناء بمشاجراته مع زوجته. وسمع الزبونَ يعبِّر عن احتقاره لهذا الرّجل، مبديًا تعاطفًا كبيرًا مع الزوجة، ومع الطفل المسكين الذي يشاهد أمَّه تُهان أمام عينيْه. وفهم منهما أيضًا أنّ الغموض يلفّ حياةَ هذا الرجل. لم يستطع وديع مقاومةَ فضوله، فقاطع حديثَ الرجليْن:

– أسمعُ هذه الأصوات؛ فهي تصل إلى بيتي.

– وَمَنْ لا يسمعها؟! يردّ السّمان ملتفتًا إلى وديع، ثم يسأله:

– هل تعرف عنه شيئًا؟

يبتسم وديع، ويكاد يضحك وهو يتكلّم في سرّه:

– أنا غائبٌ عن هذا العالم منذ عدّة أشهر، فمِن أين لي أن أعرف شيئًا عن رجلٍ سَكنَ حديثًا في طرف الحيّ البعيد؟

ويجدها فرصةً لمعرفة المزيد، فيقول:

– حتى إنني لا أعرف اسمَه.

– ينادونه “أبو مراد،” يقول السّمان.

وقبل أن يكمل كلامَه يصل ثلاثةُ زبائن دفعةً واحدةً، فيضيع الحديث، ويتحوّل إلى كلام مجاملات واطمئنان على الصحّة والأولاد، ثم إلى أَخذٍ وردٍّ ومساومةٍ على الأسعار. وكي لا يلفتَ وديعٌ انتباهَ أحد إلى اهتمامه بهذا الموضوع، يكتفي بما سمعَه ويغادر بهدوء بعد أن يدفعَ ثمنَ ما أخذه.

***

كان قد عرف أنّ بيتَ السَّمّان يقع فوق الدكّان مباشرةً؛ فلا بدّ من أنّ الرجل المقصود يسكن في البناء ذاتِه أو في بناءٍ قريب. لذا صار يأتي كلَّ مساء ويقف على الرصيف المقابل بانتظار أن يسمع الشجارَ المعهود.

ولم يطُلِ انتظارُه. فبعد ثلاثة أيّام، في الواحدة بعد منتصف الليل، سمع الصوتَ الذي كان ينتظره، فاجتاز الشارعَ ركضًا، وبدأ يصعد سلّمَ البناء الملاصق لدكّان السمانة. إلى أنْ بلغ شقّةً في الدور الثالث، وتأكّد أنّ الصوت صادرٌ منها. فراح يسترق السمعَ، إلى أن توقّف الصراخ. لحسن الحظ أنّ الشجار كان بسيطًا هذه المرّة، فاقتصر الأمرُ على بعض الشتائم والتوبيخ، من دون ضرب. وهكذا عاد وديع إلى بيته بعد أن عرف ما يريد معرفتَه.

في الطريق، بدأ في وضع خطّةٍ للتخلّص من هذا الرجل المجنون. وعلى الرغم من خطورة الأفكار التي راودته، فقد شعر بالراحةِ والسكينة. ولأوّل مرة منذ عدّة أشهر، نام باستغراق، وبلا كوابيس. حتّى إنّه رأى نفسَه في الحلم يطير فوق أحياء المدينة، ويشاهد السّاحاتِ والشّوارعَ والنّاس، ويرافق طيورَ الحَمام في جولةٍ قصيرة، ثم يتركها وينساب كالسنونوة باتجاه نافذة غرفته، التي يراها من بعيدٍ مضاءةً ومفتوحةً، خلافًا لنوافذ الحيّ الأخرى، فيدخلها، ويحطّ على سريره بأمان. وقبل اختفاء الابتسامة المرتسمة على شفتيه، سمع جرسَ الباب: ها هو مُعين محمَّلًا بالأكياس المليئة بالطيّبات، وقد دعا نفسَه إلى الأفطار.

***

بعد تناول الطعام يروي وديع لصديقه كيف اهتدى إلى بيت “الرجل المجنون.” ويضيف بحماس:

– سأجعلُه يدفع ثمنَ أفعاله.

– كيف؟ يسأل مُعين.

– سأقتلُه، يردّ وديع بكلّ بساطة، وهو يملأ كأسيْهما بالشاي.

لم يصدّقْ مُعين أذنيْه، فسأله من جديد:

– ماذا ستفعل؟!

– سأقتلُه، يقولها هذه المرّة وهو يحزُّ رقبتَه بإبهامِه، مقلّدًا حركةَ الذبح.

يصاب مُعين بالصدمة، ولا يعرف بمَ يجيب! ثم يفكّر: إنّه يمزح بالتأكيد؛ فوديع غيرُ قادر على إيذاء نملة. ثم يفكّر ثانيةً: قد لا يمزح! ربّما أصابه مسٌّ من الجنون؛ فالمجانين يتصرّفون بطرقٍ لا تخطر في بال أحد.

– سأخلّص المجتمعَ منه، يتابع وديع.

ثمّ يسترسل في الثرثرة، بينما مُعين غارقٌ في أفكاره: يجب أن آخذَه إلى الطبيب بالقوّة. يجب ألّا أتركه. ولكنْ… لا يمكن أن يُقْدم وديع على هذا الفعل؛ أنا أعرفه جيدًا!

– سأخلّص زوجتَه من عذابها، يتابع وديع، وسأمنح ابنَه فرصةً لكي يعيش حياةً طبيعيّة، بعيدًا عن العنف والظلم. وسيشكرني عندما يكبر على صنيعي إنْ عرف أنني الفاعل.

يرتفع هنا صوتُ وديع، فيقطع شرودَ صديقه الذي صار يتساءل جدّيًّا إن كان عليه التبليغُ عنه إلى قسم الشرطة قبل أن يرتكبَ جريمةً ويقضيَ بقيّةَ حياته في السجن. ووجد نفسَه يعود بذاكرته إلى بعض الأفلام الأمريكيّة التي تعالج قضايا من هذا النوع، ثم يفكّر: ولكنّنا لسنا هنا في فيلم، ولا في أمريكا، ووديع لا يَصْلح لدور البطل المخلِّص، بل قد يَصْلح – في أحسن الأحوال – لدور مُحاسبٍ بسيطٍ في بنكٍ يتعرّض للسرقة، فينبطحُ أرضًا ويبقى يرتجف، إلى أنْ يغادرَ اللصوصُ محمَّلين بما سرقوه!

كانت الساعة قد تجاوزت الرابعةَ من بعد الظهر حين غادر مُعين بيتَ صديقه والأفكارُ تتصارع في رأسه. وكي يتخلّصَ من حالة القلق التي أربكته، أخذ يُقْنع نفسَه بأنّ وديعًا يهذي بأمورٍ لا يعرف عنها شيئًا، وأنّه سيرجع إلى عقله بالتأكيد بعد قليل.

في هذا الوقت، كان وديع يشحذ سكّينَ المطبخ الكبيرة، ويمرِّر نصلَها كلَّ عدّة ثوانٍ على ظفر إبهامه ليتأكّد أنّها صارتْ كما يريدُها: حادّةً، ومدبَّبةً، وقادرةً على قطع رقبةِ ثور.

***

في الثالثة فجرًا، يتسلّل وديع من بيته، ويقصد البناءَ الذي تقع فيه شقّةُ الرجل المجنون. يقف للحظات في زاويةٍ مظلمةٍ ليراقب المكان. وعندما يتأكّد أنْ لا أحدَ يراه، يمشي مُلاصقًا لحائط المبنى، حتى يصل المدخل. ومن هناك، يقفز درجاتِ السلّم قفزًا، إلى أن يبلغَ بابَ الشقّة.

يُخْرج مفكَّ البراغي من جيبه، ويبدأ بمعالجة الخشب فوق لسان القفل. خلال دقائق قليلة يصنع فجوةً صغيرةً تكفي لإدخال رأسِ المفكّ بين لسان القفل ومكانِ تثبيته. وبحركةٍ خاطفةٍ وقويّةٍ، يَدفع اللسانَ إلى الخلف، فيتراجع الباب أمام أداته البسيطة. يُفاجأ من نجاحِه بهذه السّهولة، وهو يرى أنّ الباب لم يكد يصاب بأيّ ضرر. يبقى جالسًا في مكانه بضعَ دقائق، محاولًا السيطرةَ على أنفاسه المتقطّعة، وعلى نبضاتِ قلبه الذي شعر أنّه سينفجر من شدّة الانفعال. ثمّ يستجمع قواه ويجتاز عتبةَ الباب بهدوءٍ وحذرٍ شديديْن.

***

ساعدته أضواءُ الشارع المتسلّلة من النوافذ على معرفةِ موطَأ قدميْه، ومشاهدةِ ما يحيط به. لم يكن البيتُ فقيرًا، لكنّ آثارَ “المعارك” بدت واضحةً في كلّ مكان: فأحدُ الأبواب كان مخلوعًا؛ وطاولةُ الطعام بَدَتْ مائلةً لسببٍ ما؛ وزجاجُ إحدى النوافذ مكسورٌ ومدعَّمٌ باللاصق الشفّاف؛ وثيابٌ كثيرةٌ مبعثرةٌ هنا وهناك؛ بالإضافة إلى رائحة كحولٍ تملأ الفضاء.

يدفع بابَ غرفة النوم بحذر. وكما توقّع، يجد الأمَّ وطفلَها نائميْن وحدهما. يقترب بهدوءٍ، ويتمعّن في وجه الطفل. يشعر بقلبه يتقلّص، ليصبحَ في حجم حبّة السمسم. وبصعوبةٍ، يمنع نفسَه من ملامسة رأس الصغير أو تقبيلِه.

يترك الأمَّ وصغيرَها، ويتوجّه إلى الغرفة المجاورة والسكّينُ في يمينه. يدفع البابَ بيُسراه، فينفتح محدثًا صريرًا حادًّا. يجمد في مكانه إلى أنْ يتأكّد أنّ الرجلَ المجنون لا يزال في غفوته. وبخطواتٍ مرتبكةٍ يتقدّم نحو السرير. وفي اللحظة التي يرى فيها وجهَ الرجل، تخور قواه، ويشعر أنّ ساقيْه قد تحوّلتا إلى خيطيْن نحيليْن، ويكاد يسقط على الأرض لولا تمسُّكُه بطرف السرير.

يتماسك بصعوبة، وهو يقلّب السكّينَ بين أصابعه المتعرّقة، غيرَ قادرٍ على رفعها والطعنِ بها، كما تخيّل نفسَه يفعل عشرات المرّات.

بعد تلك اللحظات القليلة التي تعطّلتْ فيها حواسُّه، يلاحظ أنّ الرجل بقي ساكنًا. يقترب وديع من وجه الرجل، ويحاول التأكّدَ إنْ كان يتنفّس. لكنْ لا شيء! أهو ميّت؟ يتساءل. يكاد يصرخ من شدّة الرعب، لكنّه يتمالك نفسَه ويقرِّب نصلَ السكّين من عنق الرجل ويخزُه بشكلٍ خفيف. إلّا أنّ الرجل يبقى على حاله.

يقترب وديع مجدّدًا، ويلمس هذه المرّة وجهَ الرجل برؤوس أصابعه، ليجدَه باردًا كالثلج.

يصاب بالذعر، ويستدير ليبدأ الركضَ خارجًا وهو يتعثّر بكلّ ما يعترض طريقَه. وخلال ثوانٍ يجد نفسَه في الشارع يسابق ظلّه. ويبقى على هذه الحال إلى أنْ يصلَ البيت.

***

في الصباح الباكر يستفيق الجيرانُ على صوت سيّارة إسعاف، وعلى خبر وفاة الدكتور معروف الغازي، الذي وُجد ميتًا في سريره جرّاء تعرّضه لسكتةٍ قلبيّة (بحسب تقرير الطبيب الشرعيّ). لكنّ ذلك لم يمنع الشرطةَ من التحقيق. المشكلة الوحيدة كانت في أثر الخلع في الباب الخارجيّ. لكنّ الزوجة حلّت هذه المشكلة بنفسها حين كذبتْ على المحقِّق قائلةً:

– حصل هذا قبل يومين عندما عاد زوجي إلى البيت واكتشف أنه نسي المفتاحَ في الداخل، فقام هو نفسُه بإحداث هذا الضرر عند فتحه البابَ عنوةً.

وأخفتْ على المحقّق رؤيتَها الباب مفتوحًا عندما استفاقت صباحًا قبل أن ترى زوجها ميتًا في السرير. وعندما لم يعلّق المحقّق أضافت:

– لقد وعدني بإصلاحه ولكنْ كما ترى…

قالت ذلك بكلّ راحة ضمير لأنها ببساطة كانت تريد الخلاص. وهاهو الخلاص قد جاءها على طبقٍ من الفضّة!

أمّا صديقه مُعين، فقد صعقه الخبر، ولم يصّدقْ أنّ الرجل مات ميتةَ ربّه، وبقي يسأل وديعًا ويحقّق معه بكلّ ما في هذه الكلمة من معنًى. إلى أنْ أقسم وديع بذكرى زوجته وابنته أنّه لم يكن يعلم أنّ “الرجل المجنون” هو ذاتُه الطبيبُ النفسيُّ الذي نصحه به. كما أقسم بأغلظ الأيمان أنّه لم يمسّه، وأنّ الذي حصل هو ما رواه له حرفيًّا، من دون زيادةٍ أو نقصان.

بعد هذا الحديث، يشعر مُعين بالارتياح. لكنّه لا يعرف: أيبكي، أمْ يضحك؟ فيكتفي بأن يتنهّدَ بعمق، ثمّ يعقد يديْه فوق صدره، ويستند بكامل جسده إلى ظهر الكنبة التي يجلس عليها وهو يراقب صديقَه الذي كانت ترتسم على شفتيه ابتسامةٌ غريبة. لكنّه ما يلبث أن ينفجر ضاحكًا حين يتذكّر عدد المرّات التي قال فيها لوديع إنّ “الحلّ عند الطبيب.” وها هو وديع “يزور” الطبيبَ ويحطّم قوقعتَه ويبتسم أخيرًا. بل ها هو يضحك ملءَ شدقيه.

ولكنّ السؤال الذي باغت معينًا كان: أضحكةُ عاقلٍ هذه، أمْ ضحكةُ مجنون؟

*كاتب سوري

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق