ثقافة السرد

نسي كيف يبتسم

أسامة جلالي*

أكمل سليم بقيّة السهرة منزعجًا، لا يُبعد المطربةَ عن ناظريْه، وأصدقاؤه يتهامسون. أمّا عقله فكان يَعْبر به خيالاتٍ أخرى وهو يتساءل: “ماذا حلّ بفمي؟ هل فقد هذا الرّأسُ قدرةً على التحكّم في الأعضاء؟”

قبيل نهاية العرض، خرج متذرّعًا بأنّه لن يجد بعد قليل ما يُقلّه إلى البيت، وغادر غيرَ آبهٍ بنداءات أصدقائه. مشى طويلًا في الشّارع قبل أْن يصل إلى المنزل. كان يحرّك فمَه، يفتحه، يتلمّسه، يمرّر أصابعَه على شفتيه، محاولًا أنْ يُقنع نفسه بأنّه يبتسم.

جميع من في المنزل قد نام. دخل غرفتَه وتمدّد على سريره وأغمض عينيه. هنا يستمتع بوقته بعيدًا عن كلّ المخلوقات الغريبة في الخارج. يمكث ساعاتٍ طويلةً بين أكوامٍ من الكتب. يبني لنفسه واقعًا يعلم أنّه لن يبلغه. كلّما ضاق نفَسُه، كان ينقطع عن العالم أيّامًا يعيد فيها ترتيبَ أوراقه. دائمًا ما تراوده أفكارٌ سوداويّة يجهل خلفيّاتها، ولكنّها تروقه. تصيبه نوبةُ كآبةٍ يفقد في أثنائها كلَّ رغبة في البقاء. سيكون سعيدًا لو امتلك بندقيّةَ إرنست همنغواي، أو مسدّسَ فان كوخ.

سليم يعرف أنّ أحدًا لن يفهمه على هذا الكوكب. حتّى ليلى، الّتي كان يُطْلعها على بعض مخالجاته، لم تكن تفهمه، ولم يكن لديها أيُّ فضول للتّعرف إلى يوتوبياه. وعلى معرفته الطويلة بها، فإنّها لم تكن تختلف كثيرًا عن الآخرين، وترى أنّه دائمًا جادّ حتّى في الهزل. تعتبره صديقًا مقرّبًا، تفصح له عن أسرارها، وتطلب نصيحته في حلّ المشاكل. أمّا هو فيحبّها. لا أصدقاء له، ولا مصطلح “الأصدقاء المقرّبين” موجود في قاموسه. ولكنّه بدأ الآن يشمئزّ منها.

إنّها الثانية بعد منتصف اللّيل وهو لا يزال متيقّظَ الذّهن يحاول فهم عجزه عن الابتسامة. حتّى إذا طال به الأمرُ، ارتخت شفتاه، وكشفتْ تقاسيمُ وجهه عن منظر حزين. كثيرًا ما يصل إلى فكرة أنّه “ثنائيُّ القطب،” لكنّه يجهل أسبابَ هذا العطب العقليّ: أينبع منه أمْ من المحيطين به؟ يسأل نفسَه مرارًا: ماذا حلّ بك يا سليم؟ أتريد أن تعيش في الروايات؟

يضيع في خفايا نفسه. يعبُر فكرَه حادثٌ من طفولته. يتذكّر رحلةً نظّمتْها المدرسة إلى إحدى المخيّمات الصيفيّة. كان المسؤول عن تلاميذ صفّه: ينظّمهم، يعرّفهم إلى أماكن السباحة، ويُحذّرهم من التوغّل عميقًا في الماء. لكنّ بعض الفتية المشاكسين نغّصوا عليه يومه الجميل حين بدأوا بمضايقته، وبالتنمّر عليه، وباغته أحدُهم وسحب تبّانَه إلى الأسفل. بات عاريًا، مجرّدًا من القوّة، أمام هذا الكمّ الهائل من القهقهات والسّخرية والعيون الثاقبة. صار الغرقً في تلك اللّحظات أفضل ألفَ مرّةٍ من السعي إلى استرجاع ملابسه. ولم يسعْه حينها إلّا أنْ يبكي وينتحب.

عاد وأرخى رأسه، علّ هذه الأفكار البشعة تتلاشى.

***

قبل بضع أشهر، استدعتْه إحدى زميلاته في الصفّ للمذاكرة معًا. لم تكن نتائج زهرة تبشّر بنجاح باهر. كانت فتاة مرحة. لم تكن تروقه لِما كان يراه فيها من فظاظة وثرثرة. ومع ذلك قبِل بدعوتها لأنّ أحدَ الأساتذة حثّه على مساعدتها.

دخل منزلها قائلًا: “فلألقِ التحيّةَ على والديكِ أوّلًا.” أجابت بمكر: “لا أحد هنا، هيّا اتبعْني!” صعدا درجًا ملتويًا نحو غرفتها. أخذتْ حقيبتَه قائلة: “أتركْ هذه عنك وانتظرْني قليلًا.” بقي يتفحّص كتبًا ومجلّدات كان يعرف أنّها لم تقرأ منها حرفًا. استدار حين سمع صوتَ خطواتها يقترب، وفزع لِما رأى. كانت عاريةً تمامًا، وقد كشف صدرُها عن إجّاصتيْن كبيرتيْن، تتوسطهما حلمتان ورديّتان، وانتهت ساقاها الرقيقتان إلى مجرًى طويل، يَعْبره دهليزٌ مظلم. كان جسمُها الأبيض، بفخذيْها المكتنزتين، ينقّط شهوةً. أمّا هو فلم يتحرّك فيه شيء، بل صفعتْه الذاكرة بمنظرٍ بشع: لقد كان قبل سنين عاريًا مثلها، أو أسوأ منها لأنّه كان محلَّ سخرية أترابه. سرى في بدنه تيّارٌ غريب. كانت ركبتاه ترتجفان، وبدأ العرق يتصبّب منه.

حمل حقيبته ودفعها من أمام الباب وخرج مسرعًا.

***

كان في حفل موسيقيّ حين بادر أحدُ أصدقاءه إلى التقاط صورة شخصيّة لهم. لم تتحرّكْ عضلاتُ فكّه كاشفةً عن ثغرٍ باسم حتّى أرسلتْ ليلى ضحكاتٍ كتلك الّتي أطلقتها زهرة في ذلك اليوم. وبمجرّد تذكّره إيّاها، ارتخى وجهُه. حملتْ ليلى الهاتف وتفقّدت الصورةَ قائلةً: “ابتسمْ قليلًا سليم، وكأنّك في عزاء!” ردّد غيرَ مبالٍ: “لقد نسيتُ كيف أبتسم.”

ب

*تونس

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق