ثقافة السرد

عشر حكايات من تاريخ الموت

توفيق بن حنيش*

روى تيريسياس قال: قال لي الشيخ العجوز في الحلم:

لمّا صفّر الموتُ في أذني ابتسمتُ له لأغيظَه، وأشرتُ إلى جيبي بانحناءةٍ من جفني قائلًا: “عندي أمانةٌ لا بدّ لي من أن أوصلَها إلى صاحبها. قبلةٌ صغيرةٌ جدًّا، فاترة، في حجم فراشةٍ خرجتْ لتوّها من الشرنقة. أمهلْني نصفَ يوم لأقومَ بواجب التبليغ.” لكنّه سخر مني برَفع بصره والتحديق في رقبتي. فمُتّ للتوّ، ولم تمُتْ في جيبي القُبلةُ – الفراشة، بل طارت من المستشفى وغادرتْ من النافذة التي نسيَها الطبيبُ مشْرعة.

ألديكَ خبرٌ عن فراشتي؟

*

حدّثتني قدّيسةٌ في الحلم قالت:

لمّا صفّر الموتُ في أذني، ونشر رائحتَه في المعبد، رأيتُ الصليبَ يرتعد، وسمعتُ الأجراسَ تُقرع بإيقاعٍ لم أعهدْه أبدًا. فدُرتُ إلى السيّدة العذراء أرجوها أنْ تستأذنَ الموتَ في نصف يومٍ أصلّي فيه على نفسي صلاةَ الرحيل، صلاةَ الموت. فرأيتُها تنزل ببصرها إلى أرضيّة الكنيسة، ورأيتُها تبكي. فبكيتُ مثلَها لأنّني أحبّها، وقلتُ للموت من دون أن أنظر إليه: “أتحدّاكَ أنْ تقتل صلاتي التي كتبتُها البارحة. قل لي هل سمعتَ مَن يردّد صلاتي في الكنائس والبيوت آناء الليل وأطرافَ النهار؟”

*

حدَّثني عريسٌ في الحلم وقد غلبتْه الفرحةُ، قال:

حينما رأيتُها تُقْبل نحوي تسارعتْ دقّاتُ قلبي، وسمعتُ الموتَ يصفّر حولي ويدور… يدور… كما العرباتُ في “الماناج.” وكان يُلحّ عليّ ويقول لي: “ائتني طوعًا أو كرهًا.” ضحكتُ لها مع أنّني لم أعُد أراها، ولم أعُد أسمع صوتَها، ولم أعد أشمّ رائحةَ الحنّاء في يديها. رفعتُ بصري إلى ذلك الذي يطير حولي في سرعة الصواريخ وقلتُ له: “لا يهمّ إنْ كنتَ تسمعني أو لا تسمعني، أمهلْني نصفَ يومٍ أخبرها بوصيّتي والمكان الذي أريد أنْ أُدفنَ فيه.” لكنّ الموت نظر إلى ربطة عنقي الجميلة ذاتِ الألوان الزاهية، وقطف الزهرةَ.

*

حدّثتني أمٌّ ثكلى قالت:

ليلتَها، انتظرتُ الموتَ حتى جاء وأقعى كالحيوان عند رأس ابني. ولمّا حاولتُ دفعَه، هَرَّ في وجهي، ودفعني حتى كاد يخرجُني من الحجرة. رأيتُ في جرابه طيورَ الخطّاف، وعصافيرَ مهاجرةً أغرقها في البحر لمّا كانت عائدةً إلى أوكارها في الشمال. حاولتُ التقرّبَ إليه، ولكنّه عضّ يدي التي أوشكتُ أنْ أمرِّرها على فروته، فجذبتُها بسرعة، وابتلعتُ صيحتي، وشخصتُ ببصري ليلةً حتّى أظلمتْ أختَها، وسألتُه بشيء في ضراعة: “هل تسمح له برضعة؟” ولا أدري على وجه الدقّة من أين جاءت الصيحاتُ الأولى، ولم أعلم على وجه الدقّة من الذي كان ينوح عليّ.

*

وعثرتُ على ورقةٍ في جيب جنديّ، مكتوب عليها:

أيّها الموتُ الفظيع، لنْ تفلتَ منّي هذه المرّة. يا أيّها الموتُ الجبان، سأسدُّ عليك المنافذَ والطرق. يا أيّها الموتُ الذي لا يحضر إلّا وقتَ انتهاء المعارك، ووقتَ الاستعداد للنوم، ووقتَ العزم على زيارة الأهل، ووقتَ التفكير في الحبيبة؛ يا أيّها الموت الجبان، لماذا لا تأتي إلّا من الطرق الخلفيّة؟ إنّني لا أرجوك أنْ تتركَني أكمل نصّي لأنّي أعلمُ أنّك لا تقدر على ما كتبتُ. وفي ما كتبتُ كفاية.

*

وحدَّثَني في الحلم سكّيرٌ مات وهو يقبّل فاهَ قارورةٍ:

لم أكن أجلسُ لنديمٍ إلّا واستحضرتُ الموت. وكنت في كلّ موعدٍ لي مع الشراب أُجْلِس الموتَ قبالتي وآخذُ في محادثته، والقومُ يظنّون أنّني أحدّثُهم. كان تارةً يُضْحكني، وطورًا يُغْضبني بحدّة طبعه وفظاظته، فأرميه ببقيّة الكأس. هذا الموت سكّيرٌ، وهو لا يقبض روحًا إلّا حينما يسكر. واليوم شرب معي ولم يكلّمْني أو يرفعْ بصرَه إلى عينيّ. وبدا ضعيفًا مُنهكًا ثملًا لا يقوى على النهوض. وبدا تائهًا في فضاء الحانة. ورأيتُه يرغب في رفع الكأس إلى شفتيه، فيُفرغُ الشرابَ على سرواله. وعندما نهضنا وكان الليل يُدْبر، وجدنا أنّ الموت قد أثقل كاهله بأرواحنا ولطّخ يديه بقيْئنا ودمائنا ولغونا.

*

وحدّثني طبيب قال:

لم يصدّقْني زملائي والممرّضون والعمَلَةُ في المستشفى حينما أخبرتُهم، عديدَ المرّات، بأنّني أرى الموتَ عيانًا. وقالوا لي: “صفْهُ لنا إنْ كنتَ صادقًا.” وكنتُ أقول لهم في الساعات التي أرى فيها الموتَ في الأروقة وفي بيوتِ المرضى وفي العيادات المكتظّة: “اجتهدوا قد لا يصيب الموتُ مريضًا،” فينظرون إليّ باستخفاف ويمُرّون متهامسين. وحينما كانوا يتبادلون السخرية منّي، كان الموتُ يقترب منهم، ويشير إليّ بيده سائلًا: “بأيِّهم تريدني أنْ أبدأ؟” فأغمضُ عينيَّ، وأُسرعُ إلى مرضاي، فيسبقني الممرِّضون إلى تلك الغرف. ما أشدّ دناءتَكَ أيّها الموت!

*

واجتمع حولي بحّارةٌ في الحلم، وكانوا من أعمارٍ مختلفة، وقالوا لي:

أغرقَنا الموتُ وقد تواطأ مع السمك. وكان من قبلُ يتواطأ معنا على السمك، فيسوقُه إلينا، فيموتُ على خشب سفننا. كانوا أشبهَ بالطحالب: أجسادُهم رخوة، وعيونُهم ماء، وشعورُهم هواء، وأصابعُهم خيوطٌ من صوف مبلّل، وعلى لحاهم نسَج عنكبوتٌ بيوتًا متفرّقات. تحدّثوا بلغة البحر ليفهمَهم موت البحر، وبصقوا ماءً مالحًا وإسفنجًا وبعضًا من اللعنات التي حبسها الماء لمّا أغرقهم الموتُ المبلّل. قال لي رئيسُ السفينة بعد أنْ أبعد عن شفتيه نسيجَ العنكبوت: “قلتُ للموت أمهلْني نصفَ يومٍ أُدرك فيه الميناء، وأَعْرض على الصيّادين والتجّار والناس السمكةَ الجنّيّةَ التي اصطدتُها في ذلك اليوم. وقلتُ له: هذه أوّل سمكةٍ جنيّةٍ تتحوّل في الثانية إلى ألف كائن، وتظهر في اليوم بمليار صورة وتتكلّم، ولو لم أكن تلميذَ الحكيم تيريسياس ولم أتعلّم منه تلك التعاويذ ما نجحْتُ في صيدها وحبسها في يديّ. لكنّ الموت ملأ كفيّه بماء البحر وسقاني إيّاهما عنوةً فنمت.”

وفي النهاية تهدّمتْ كلُّ تلك الأجساد الرخوة وسالت على رصيف الميناء عائدةُ إلى البحر.

*

حدّثني صيّاد قال:

قلتُ للموت: “أعِنّي على الصيّد.” فغضب، وأصابني بسهمي.

*

مِن نقشٍ في كهف:

نحن السبعة نحتجُّ على الموت؛ نطلبُه فلا يلبّي، وندعوه فلا يأتي. نحن السبعة في هذا الكهف مُتنا بلا موت. متنا قبل أن يصل إلينا الموت.

*

قال تيريسياس الحكيم: هل أُخبركَ عن أبيك والموت؟

قلتُ له: لقد جاوزتَ العشر.

*كاتب من تونس

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق