قراءات ودراسات

البساطة والعمق في صورة المرأة عند حسن الجوخ

قراءة في مجموعته القصصة "ناس من الماس"

د. احمد الباسوسي
 
اذا اردت ان تتعرف على معنى ” السهل الممتنع ” في الابداع فعليك بقراءة أعمال الكاتب حسن الجوخ، فهو يجيد السباحة في بحر السهل الممتنع بحرفية فائقة، يتركك بعد ان تفرغ من قراءة ما كتبه وقد تملكتك دهشة عظيمة وحيرة وتسأل نفسك كيف تسلل داخل قلبك وعقلك بكل هذه البساطة والسلاسة من دون تعقيدات أو تحويرات أو رمزيات أو ادعاءات الحكمة والفلسفة؟. بساطة مفرطة في الحكي، بساطة مفرطة في استخدام اللغة التي هو استاذ لها ويدرسها لتلاميذه. هكذا يكون حسن الجوخ في علاقته بالابداع، ويمكن اختصاره في كلمتين (بساطة مطلقة/عمق مفرط). الكاتب حسن الجوخ ولد باحدى قرى السنبلاوين بمحافظة الدقهلية قبل ان يتنتقل مع اسرته في عمر الثانية عشر الى حي الشرابية الشعبي شمال القاهرة، الذي يعتبر حلقة الوصل بين شبرا مصر وشبرا الخيمة حيث التجمعات الصناعية وورش صيانة قطارات السكة الحديد، وكذلك وسط البلد، وحدائق القبة، ومصر الجديدة، ومدينة نصر، وهناك يتتابع نموه وتطوره البدني/النفسي/الفكري حتى المرحلة الجامعية وحتى عمله بتدريس مادة اللغة العربية لاحقا، خلال هذا الزخم العمراني الأكثر ضوضاءا وانفتاحا وتمايزا، تحولت قريحته التواقة للفضول واستطلاع العالم المحيط، والانشغال بأدق تفاصيل الواقع وبشئون الآخرين وهمومهم من البراح الأخضر حيث الغيطان والحياة البسيطة، وحواديت وأساطير فلاحي القرية الفقراء الى فضاء أعظم، صاخب، معقد، مزدحم بالناس والأحداث والأفكار، والطموحات والتطلعات والتوقعات. مؤكد حدث تغير دراماتيكي في مخيلة الكاتب التعبيرية التي تجذبه دوما الى الكشف عما يراه أو يسمعه أو يستشعره. ان هذا التمازج الحاصل نتيجة الانتقال الجغرافي من ريف السنبلاوين في باكورة مراهقته وفوران الجسد والمشاعر والخيال الى عاصمة ام الدنيا القاهرة الصاخبة وما يزال الفوران مستعرا، ربما يكون قد خلف تأثيرا دراماتيكيا على المخيلة التعبيرية للكاتب وعلى درجة حساسيته لمشكلات واقعه باعتباره مبدع من طراز فريد. ظهر ذلك بجلاء في اعماله الابداعية في مجال القصة القصيرة خاصة ممجموعته الأولى ” السيف والوردة” التي صدرت عن الهيئة المصرية العامة للكتاب عام 1988، ومجموعته القصصية الثانية المهمة أيضا ” الجدة حميدة” التي صدرت عن نادي القصة بالقاهرة عام 2001. وتواصل الانتاج الابداعي الأصل للكاتب فاصدر مجموعته القصصية الثالثة ” زائر النهار” عام 2005 عن سلسلة اصوات ادبية بالهيئة العامة لقصور الثقافة، ثم مجموعته القصصية الرابعة ” الطافش” بعدها باربعة أعوام 2009، وقد صدرت عن مؤسسة السندباد للنشر والاعلام بالقاهرة. وفي استراحة محارب من الابداع على الطريقة التقليدية قرر في مرحلة مبكرة من انشغاله بالقصة القصيرة ونشرها في الصحف والمجلات الادبية، والحضور في المنتديات الابداعية ان يترجم عمل ابداعي مهم عن اللغة الانجليزية عبارة عن كتاب يحوي مختارات من القصص القصيرة لكتاب بريطانيين وكتاب امريكان، هذا الكتاب راجعه وقدم له المفكر الكبير الدكتور ماهر شفيق فريد واصدرته الهيئة المصرية العامة للكتاب عام 1994 تحت عنوان السمر ذوو العيون الذهبية. ولأن الابداع الأدبي لايمكن حسابه على ماتنتجه القريحة الانسانية من افكار وكتابات في فنون القصة والحكي والشعر، فقد انجذبت قريحة الكاتب بتلقائية وبقوة نحو ممارسة الابداع في النقد الادبي ولم لا وقد اجمع النقاد على ان الكتابة في النقد الأدبي بمثابة ابداع موازي تماما للنص الادبي موضوع البحث والتقييم. مارس الكاتب الابداع بهذه الطريقة في كتابه أوراق ومسافات، دراسات وقراءات في الاقصوصة المصرية المعاصرة، الذي صدر عام 2002 عن سلسلة كتابات نقدية التي تصدرها الهيئة العامة لقصور الثقافة. وتواصل ابداعه في هذا السياق واصدر كتابه الثاني جماليات التفاعل في القصة والرواية عام 2016 عن المجلس الأعلى للثقافة بالقاهرة. ثم أخير كتابه الهام نظرات في القصة والرواية والنقد الأدبي عام 2017 عن مؤسسة يسطرون للطباعة والنشر والتوزيع. ومؤخرا تصدر الهيئة المصرية العامة للكتاب مجموعته القصصية الخامسة ناس من الماس، هذا العام 2019. قصص المجموعة تعكس عصارة التمازج الذي حدث داخل القريحة الابداعية للكاتب وانعكاساتها في مخيلته الابداعية نتيجة خروجه جغرافيا ونفسيا من رحم القرية الصغيرة محدودة العالم والمعالم، الى عالم آخر فسيح يسيطر عليه الضوضاء ، والانفلات، والتناقضات، وتصبح تقلبات البشر سلوكيا وتقلبات مشاعرهم وأفكارهم نمط حياة سائد في شوارعه وحاراته. يهدي الكاتب المجموعة الى احفاده أدم وعلي، متمنيا ان تكون ايامهم أفضل من ايامه، هكذا يكون الكاتب الملتزم القلق على المستقبل والاجيال التالية.

عتبة النص أو العنوان “ناس من الماس” لاتتصدر عنوانا لقصة بعينها من قصص المجموعة، بل يمكن اعتباره انعكاسا لجماع من تفاعلات شخوص ابطال قصصه بعضها من الماس بالفعل كما في قصة “نور” مثلا التي أوحت لرسام الغلاف ان يصبغه باللون الأخضر، لون الحياة والنماء مع ظلال لأوراق وسيقان الزرع، وفي المنتصف دائرة باللون الذهبي تشبه القمر تحتوي وجه فتاة تبدو حالمة. القصة في حد ذاتها تبدوا انعكاسا لحركية الوعي وتغيراته لدى الكاتب على مدار مساره الابداعي، وتعكس أيضا مقدار النضج والثقة التي قرر من خلالها مواجهة قراءه. الحكاية بسيطة للغاية، خارجة توا من رحم الثقافة المصرية التقليدية، المفارقة تقريبا غائبة، الدهشة تدهم قارئ النص من خلال السطور البسيطة، والطقوس البسيطة أيضا. بطلة النص نور تحتال على التقاليد القديمة، تجرح فخذها وتلطخ منديل الشرف بالدم، بعد عجز الزوج عن تلطيخ المنديل بصورة طبيعية بسبب العجز الجنسي وخذلان القضيب. تنتصر نور للعلم مقابل الشعوذة. الزوج البائس المكروب بسبب الأهوال التي صادفها في سيناء مع الارهابيين اثناء فترة تجنيده فقد قدرة الحياة ونشوتها، لكن نور استعادت له الحياة بالتحدي والأصالة والعلم. النص انساني بسيط، ينساب داخل القارئ بمنتهى الهدوء، يحمل قيما عظيمة، أحسب انها ذات قيم الكاتب الذي فارت مراهقته في حضن الهدوء والرزع وخضار الحياة وبساطة الواقع، والانتصار للمرأة /الحياة/ الوطن التي لاتستسلم ولا تيأس، المؤمنة بقيمة العلم على الرغم من الغلاف المحيط بالشعوذة والدجل. مفارقة النص لا ترتقي لدرجة الدهشة، لكنها تتسلل داخلك وتجد نفسك وقد هدأ كيانك للانتصار لقيم المرأة/ الوطن الأصيلة، وللعلم ولانجاز خريطة لواقع أجمل. ويتوالى احتفاء الكاتب بصور المرأة على طريقته في نصوصه التالية، في حين اعتبرها وطنا أصيلا في نص نور كما ذكرنا، نجدها “حالة مستحيلة” في نص آخر لحظة، جلبت الحياة للمسكين الذي نضب معينه وبلغ اليأس، ثم اختفت كما السراب في الصحراء القاحلة. ثم صورة الانثى التي رضخت للعاطفة والشهوة رغم حرصها الشديد بسبب حرفية صياد ماهر في نص “صياد”. وصورة المرأة العابثة في نص مفتاح آخر، وصورة المرأة التي تتفهم عمل هرمون الذكورة التيستستيرون وقوة تأثيره لدى زوجها، وتحاول احتواءه رغم نزقه الشديد وولعه بالنساء، قبل ان يضيع في البحر في نص “الحركة في عمق السكون”، هذا النص يعزف فيه الكاتب على اوتار الفلسفة، ويقنعك كيف يمكن ان يتعايش النقيضين معا يقول “الا تعلم ان نظراتك المحبة ولغتك الفاتنة يترجمها عقلي الى هذا الحب الصامت؟!. ” انت الحب وان شابه الجفاء، انت روحي ولا روح سواك، احب قلبك المضمخ بهوى النساء”!. وفي نص “هاتف الغروب” المميز نستكشف صورة أخرى للمرأة وعوالم أخرى اتسعت لها قريحة الكاتب التي تنسكب على تفاصيل الأمكنة بالتوازي مع ذكريات “حالة الحب” المجهض الذي تسامى على اطلال الواقع واضحى نسيجا روحانيا مدهشا تدثر فيه القلبين (كازينو هابي لاند، نادي اسكو بشبرا، كورنيش الساحل)، هذه الصورة الاستثنائية عميقة الرومانسية خرجت من الوعي البكر للكاتب لتصنع لوحه رسمت ببراعة مبدع لدرجة ان المتلقي اضطر لكتم انفاسه مع حركة العاشق في الشارع ملهوفا على وداع محبوبته، وحركة انفاسها المتحشرجة المتناقصة التي تنتظر طلته عليها قبل الخفوت التام. لكن العاشق لم يصل لان سيارة في الشارع دهسته، وانفاسها لم تسعفها لانها ماتت بعدما رأته مصروعا في الشارع وكان متلهفا على رؤيتها. ويتسع فضاء قريحة الكاتب لنكتشف ان الونس لايتطلب بالضرورة الحضور الفيزيقي الجسدي لآخر، بل يمكن ان يأتي الونس من داخلك ويستغرقك تماما كما في نص “من”، الذي يمثل رؤية فلسفية شديدة العمق لدى الكاتب. ثم يعود في نص “قبل الميدان” ليكشف عن صورة أخرى للمرأة الأم العرافة المحتوية التي ترغب في العطاء، لكن التجربة تفشل فخاتمها لايتسع لأصبعه، أو ان أوانه لم يحن بعد!. غموض مقصود لكن رائحة السطور دائما تشي بقيم نبيلة وجميلة يخرجها دائما لا وعي الكاتب. وفي نص “الشرابية ياهندسة” تعود صورة المرأة المأزومة اجتماعيا وماديا ورغم ذلك متمسكة بقيمها التقليدية والتزامها وعفتها مهما كانت الاغراءات، وتظل المرأة/الطبقة الوسطى راسخة على الارض لم تنهار بعد رغم تقلب الواقع. وفي نص “خلود” يدخل الكاتب في سجال فلسفي تقليدي حول الموت والحياة، وتظهر صورة أخرى للمرأة المريضة بمرض الموت، “الايدز على مايبدو”. تحفظ الكاتب عن اعلان اسم المرض له دلالته في النص ربما بسبب خوف شخصي، أو احتراما لمشاعر قارئ مجهول بسبب السمعة السيئة لهذا المرض ومرضاه. في هذا النص يؤكد الكاتب على استحالة الخلود، وان الزمن هو الشيء الوحيد الحقيقي في الواقع كما تضاءلت المسافة تماما بين الراوي العليم وكاتب النص. ونصوص “يوم في مدرسة بنات، وجاسر ورمضان” يعرضان صورا كاشفة لما جرى في عقل المرأة من تشوهات واضطرابات نتيجة لبزوغ قيم دينية مضطربة وغامضة، ويكشف الكاتب عن وعيه بالتغيرات القيمية التي ظهرت تأثيراتها بجلاء في سلوكيات تلاميذ المدارس بعد ثورة يناير في صور اللامبالاة والعنف والتمرد على حساب قيم الالتزام واحترام المعلم والرغبة في التعلم كما في نص “عبر المسافة بين البيت والمدرسة”. وفي ركن خاص يضع الكاتب خمسة نصوص قصيرة أيضا معزولة لكن تحمل سمات وروائح ونكهة الكاتب على مدار الكتاب، تنتصر مثل المعتاد لقيم رفض الفضول وعدم التعجل بوضع الأحكام على الآخرين، وكيف يكون الضبط الاجتماعي قامعا لفورة مراهقة عادية، وسمة الخجل عندما تكون معطلة وتمنع استطاعته من ان يسأل سؤالا حيويا قد يغير مجرى حياته. كأن الكاتب يكشف نفسه في هذه النصوص التي تتسق تماما مع خصال شخصيته وتكوينه الاجتماعي/المعرفي والعقلي.
 

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق