ثقافة السرد

حين بلغت النهاية

المصطفى عبدا لدائم*

دفعني من يدعونهم في السجن بالحراس أو ( أصحاب الوقت ) وسط العتمة  ثم أحكموا إغلاق الباب. تسمرت في مكاني فقد كنت كالأعمى تحت تأثير الانتقال المفاجئ من ضوء الشمس الباهر إلى الظل السميك يرخي ستائره الغامضة … وراء الباب كنت اسمع كلمات الحراس النابية  ،ثم وهي تبتعد متوعدة بإنزال عقاب شديد لو سمعت مني همسا أو أصدرت نفسا . لبثت متسمرا في مكاني مكررا فتح عيني وإغلاقهما،في محاولة لجعل المكان يكشف عن تفاصيله .. كان الهواء فاسدا يرشح بروائح آدمية كريهة مشبعة بروائح الازبال وأعقاب السجائر .. خطوت في الظلام إلى الإمام  رغم أني لم أتبين بعد شيئا ، ولست أدري سببا يجعلني دوما أتقدم رغم أني لا أعرف موطأ لقدمي .. في هذه المرة لم أكد أفعل حتى اصطدمت بأجساد بشرية أصدرت أصواتا تحذرني من التقدم أكثر :

( انتبه أين تمضي ؟)

توقفت متسائلا  :   أين أنا ؟

قادني السؤال وهذا الظلام السميك يحضنني للتوقف عند نقطة قصية حيث يتقاطع الحزن المرفرف فوق جبال عاتية يقطع على مهل أوصال ألذات المنتصبة كقوس الفضاء الوهمي تتلألأ ألوانه  ، وهذا الفرح المنساب في العروق جداول سحرية تغري بالاستمرار في تخطي كل الحدود وإجبار الذات على تخطي حواجزها مهما كان اجتيازها لحواجزها موجعا ومؤلما .

كنت وحيدا تغمر ناظري هذه الغشاوة الفظيعة التي تحول بيني وبين أن تتكشف أمامي هذه الغرفة  . أو أستطيع معرفة لمن هذه الأصوات التي تنبع من هذه العتمة المخيفة . وما لي أحس نظراتها الحادة تنهش قامتي كأنها تصدر عن حيوانات متوحشة …؟

أردت أن أنتهك حرمة هذا الصمت المريب القائم بيني وبينهم جدارا منيعا ، لكن الكلام يبس في حلقي متوجسا ربما من جهله التام بهذه الكائنات الدفينة في هذه الغرفة التي يختلط في فضائها الهواء الفاسد بفيض النفور الطاغي على حواسي…

ظللت واقفا تتصاعد في أعماقي أدخنة الغيظ وهذا الشعور المقيت بالحرج والذي يتحول  كسكين صدئ يشق صدري ويتوغل فيه بمهل محدثا ألما بطيئا يتعاظم شيئا فشيئا  .

( ما عساي أفعل ؟ )

فدرس السجن لم نأخذه في المدرسة ، لم يعلمنا أي من معلمينا كيفية التعامل داخل السجن ، ولا حدثونا عن الأوضاع داخلها ، فمثل هذه التجارب تعاش ولا تلقن .

من فرط التعب تهالكت على الأرض ، وتقلصت في مكان سقوطي رافعا ركبتي إلى مستوى ذقني جاعلا منهما وسادة طرحت عليها رأسي ،محوطا  إياهما بيدي لتثبيتهما ، ثم  أغمضت عيني وغافلت اللحظة الخانقة بتذكر لحظات تبدو الآن كأحلام لذيذة استفقت منها على صوت جلبة عند الباب ، ثم قرقرة المفتاح تلاه هجوم ضوء كسرته ظلال فارعة الطول . امتدت أيدي  اقتطعتني من مكاني بقوة لا قبل لي على مقاومتها .

عبر ساحة غارقة بشمس دافئة اقتادوني مكبل اليدين إلى الوراء .. كانوا في واقع الأمر يجروني لاختلال توازني بفعل القيود من جهة ولأنني لم أعد أقوى على الحركة من جهة أخرى .

في غرفة فسيحة تفوح منها رائحة عطرة طرحوني أرضا على بعد أمتار من مكتب يجلس خلفه شخص بدين يركز بصره على السقف ووراءه يقف بضعة أشخاص بزي حراس السجن يتبادلون نظرات ملغمة وإشارات خاطفة تفوح شرا . وفجأة كأنما أفاق من غيبوبة صرخ فيهم الرجل البدين :

( إذا لم تكنسوا بهذا ” عدو الملك ” أرضية الغرفة ، أمسح بكم الأرض )

تدفقت ساعتها أفكار مرهقة ومدوخة أصابتني في كل مكان ونقلتني بسرعة من حالة إلى أخرى ، قبل أن تنتزعني بشكل مباغت نحو هوة سحيقة مرادفها في اللغة البسيطة المتداولة بين العموم  ( النهاية …)

إزاء اليد القوية التي كانت تهزني هزا شعرت بالرغبة الغريبة في قطعها ، لبثت مستلقيا على الأرض أحدجه بنظرة ساخطة  لم يعد بإمكاني كتمانها ، هممت بالنهوض لكني شعرت بالدم يتجمد في عروقي ، وبثقل في جسدي يشدني إلى الأرض .. تمطى الرجل البدين وتثاءب ثم سأل الحراس الناظرين إلي في ذهول :

( لم يمت هذا المجرم ..خذوه للكاشو ” زنزانة انفرادية عقابية ” )

توثبت شفتاي للنطق ولكني لم استطع ، فقد شعرت بشيء ما ينحشر في أعماقي، وبعد هنيهة  بسائل يندلق من فمي وخدر بطيء يدب في جسدي وقلت في نفسي ( لعلها هذه المرة هي النهاية الحقيقية ).

*كاتب صحراوي

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق