ثقافة المقال

عالم توفيق الحكيم المجهول

بقلم: حسين جبار ” ديموزي”

تبدأ مسرحية “العالَم المجهول” لتوفيق الحكيم بحوار سجين مع نفسه (مونولوج) يندب فيه السجين “الحقيقة” التي لا يعرف بها أحد سواه. و التي ستختفي من الوجود بعد أيام قليلة فور تنفيذ حكم الإعدام فيه. و يتحول هذا الخوف من موت الحقيقة إلى رعب أكثر من رعب الإعدام نفسه، مما يدفع بالسجين للبوح بها إلى طبيب السجن الذي يداوم على زيارته للتأكد من سلامته. و سجيننا هذا ليس مجرما متمرسا و ليس شخصا عاديا من عامة المجتمع بل هو طبيب مرموق مشهود له بحنكته و مقدرته الطبية العالية لدرجة أن طبيب السجن نفسه استشاره بخصوص زوجته بعد أن وصف له حالتها. و نحن لا نعرف اسم السجين ولا اسم اي شخصية اخرى في المسرحية مما يوحي بجو من الرمزية يجعلنا نتحرك في طريقين متجاورين يقتربان حينا و يبتعدان حينا اخر.
أما حقيقة السجين التي يرغب في الافصاح عنها فهي أنه لم يقتل إلا بدافع إنساني. فقد صورت له زوجة المريض، الذي قتله فيما بعد، أن زوجها ليس إلا وحشاً كاسراً و أنها لا تستطيع تحمل العيش معه أكثر. و أخذت تتقرب إلى الطبيب حتى استحوذت على عقله و قلبه و دفعته لقتل زوجها و يتزوجها فيما بعد. و لكن الجريمة انكشفت و أمسكت الشرطة بالطبيب و اعترف أمام المحكمة بفعلته دون أن يشك في زوجته و لكنه في لحظات المحاكمة الأخيرة لاحظ النظرات المتبادلة بين زوجته و بين المحامي الشاب ففهم كل شيء؛ فهم أنه كان مجرد آلة بيد هذه المرأة و هذا الرجل
.
هكذا يظل صاحبنا داخل سجنين: سجن الحديد و سجن أعتى منه هو سجن حقيقته الضيقة التي تحجم رؤيته و تقزم هدفه و تختصره في قتل المرأة التي جرجته إلى السجن. و هنا يضعنا الحكيم ببراعة أمام حقائقنا الصغيرة التي تحجب رؤيتنا عن الحقيقة الأكبر، و أمام تعثراتنا الضئيلة التي تمنعنا من مواصلة سيرنا نحو ما ننشده
.
و لكن هذا لا يستمر طويلاً. ذلك أن وكالة الفضالة تعتزم إطلاق صاروخ إلى الفضاء و هذا الصاروخ معد لحمل الإنسان و لكن لأن احتمال العودة من هذه الرحلة ضعيف جداً و لا يتجاوز الواحد في المئة فإن الوكالة لا تستطيع أن تخاطر بحياة رجالها لذلك هي تبحث عن متطوعين من المحكوم عليهم بالإعدام الذين لا أمل لهم بالحياة و هناك أولوية للعلماء المحكوم عليهم طبعا. و هكذا وقع اختيارهم على صديقنا الطبيب الألمعي. و بالطبع فإن صديقنا لا يتردد في قبول هذا العرض الذي سينقذه من حبل المشنقة حتى لو علقه في حبل الفضاء. و هذا هو جوابه:
السجين: أكون مغفلا إذا ترددت في القبول… بعد ساعات ستكون النسبة صفراً في المائة … فالواحد في المائة إذن كسب كبير … أليس كذلك؟…(ص٣٦)
فتتم الترتيبات و ينطلق صاحبنا إلى الفضاء و لكن ليس وحده، فعندما استيقظ بعد ثلاثة أيام من النوم مخدراً وجد معه مرافقاً في رحلته و هو مهندس محكوم عليه بالإعدام مثله. و لكنه ليس مثل صاحبنا الأول فالمهندس متمرس في القتل: فقد قتل أربعة نساء و ذلك بعد أن يتزوجهن ليحضى بعد ذلك بثرواتهن. و لكن الخامسة أفلتت منه و أخبرت عنه الشرطة فكانت نهايته. و كان دافعه هو الحصول على المال من أجل مشروعه العلمي، الذي هو برأيه هدف نبيل مشروع يبرر له قتل تلك النسوة الأربعة، و حتى العشرة لو اقتضى الأمر!
في الفضاء و هما وحدهما يدخل صديقينا في حوار فلسفي وجودي حول كل ما هو انساني. و كان محور حوارهما هو هذا السؤال: ماذا يبقى من الأخلاق (الأخلاق بالمعنى الفلسفي الأشمل) و من الضمير عندما لا يبقى هناك أرض و لا مجتمع؟!.
السجين الأول: ما دامت الأرض لا توجد إذن، فالجريمة لا توجد … نحن إذن لم نعد من القتلة! …
السجين الثاني: نعم … لم نعد من القتلة و لا السفاكين …(ص٦١).
و لكن صاحبنا الأول يرفض أن يترك بسهولة صفة كونه “إنسانا”.
السجين الأول: لا تحاول أن تدخل في نفسي الشكوك … و تجعلني أعتقد أني لم أعد إنسانا !…
السجين الثاني: إنك لم تعد إنسانا … الإنسان فينا قد تركناه في الأرض .. لان الانسان هو ابن الأرض … وأين هي الأرض الان؟…(ص٦٥).
و لكن صاحبنا الأول يرفض هذه النسبية السفسطائية و يرجع كل شيء إلى حقيقة شاملة توجد حيثما وجد الإنسان و هي الشعور:
السجين الأول: بالطبع لن تكون في ذلك جريمة … لأنه ليس هنا قانون … كل هذا أوافقك عليه … و لكنك عندما تقتلني و تراني ممداً أمامك بلا حراك، هل ترى أنك أتيت فعلاً جميلاً أو قبيحا؟ … هذا هو الذي يحدد موقفنا الإنساني … لا وصف الجريمة و لا وجود القانون … شعورك … ماذا سيكون شعورك بعد أن تقتلني؟ … (ص٦٦-٦٧).
و هكذا فإن صاحبنا لا يتردد في وصف مرافقه بأنه قاتل نساء و مجرم قذر، و لا يتردد كذلك في إبداء احتقاره له. فإن البعد عن الأرض و إلغاء الجاذبية لا يلغي إدراكه لما هو صح و ما هو خطأ.
و بعد هذا الفاصل الممتع من الحوار الفلسفي يقترب الصاروخ من كوكب غامض فيجذبهم الكوكب بسرعة جنونية فيسقطون على ظهر الكوكب و قد تعرض الصاروخ لأضرار بالغة و كذلك أجسادهم و لكن بمعجزة لا يموتون فقد اكتشفوا أن هذا الكوكب مملوء بمجال كهربائي يجعلهم قادرين على الاستمرار بحياة أشبه بحياة بطارية كهربائية. بل و قادرون كذلك على نوع من التخاطر الذهني بحيث أن ما يفكر فيه أحدهم سيشاركه معه الآخر و كأنهما ينظران معاً إلى شاشة معلقة في الفضاء
.
اكتشفا أنها في جنة خالدة و لكن ياله من عذاب أن تكون خالدا دون أن تستطيع فعل شيء! و هكذا يفكران في عمل أي شيء فيقترح صاحبنا الأول أنهما يجب أن يتجها إلى الفن؛ ذلك أن الفن هو الشيء الوحيد الذي يفعله الإنسان دون أن يكون محتاجاً إليه. فيقترح على صاحبه أنهما يستطيعان أن يرسما لوحة أو ينحتا تمثالاً من الصخر أو يكتبا قصيدة. و لكن صاحبه المهندس يرفض هذا و يعتبره سخفا! فهو بعقله الهندسي العملي يرفض أن يقوم بعمل لا نتيجة عملية له.
و بعد مدة يقرران أنهما يجب أن يصلحا الصاروخ و يقومان بذلك فعلا دون أن نعرف كيف ذلك. فنحن لا نعرف مدى تضرر الصاروخ و لا كيف استطاعا أن يخرجا من نطاق جاذبية ذلك الكوكب التي سحبتهما بقوة هائلة و لكننا نسامح الحكيم هنا فلا نستطيع مطالبته بأن يكون مخرجاً هوليودياً.
و هكذا يعودان إلى الأرض. و لكن ليست هي الأرض نفسها التي غادراها فهما يعودان إليها بعد أكثر من ثلاث مئة عام هي مدة رحلتهما.
يعودان فيجدان وجه الأرض قد تغير و التطور بلغ درجة لم يكونا يتخيلانها حتى في أحلامهما.
يستيقظ كل منهما فيجد عند رأسه موظفة مسؤولة عن الاهتمام به و الاجابة عن كل تساؤلاته. و هنا كذلك لا توجد أسماء، فصديقنا الأول الطبيب يجد عنده فتاة شقراء، أما المهندس فيجد عنده فتاة سمراء. و بعد أن يجتمع الأربعة يتبين لنا أن الفتاة الشقراء تنتمي للحزب الحاكم الذي يؤمن بتطور العلم دون اهتمام لما يسببه هذا التطور للناس من فراغ عام و كسل يدفع بهم إلى الانتحار بأعداد هائلة. أما السمراء فهي من الحزب المعارض الذي يؤمن بضرورة السيطرة على تطور العلم و التقليل من الاعتماد على الآلة للسماح للإنسان بالعمل و إشغال وقته حتى لا يحس بالفراغ و الشلل.
يوافق الطبيب على آراء مرافقة المهندس السمراء بينما يوافق المهندس على آراء رفيقة الطبيب الشقراء. و يدور بين الأربعة نقاشا حاميا قبل أن يتدخل الأمن متهما صديقنا الطبيب و الفتاة السمراء بأنهما يخططان للثورة على النظام. مع أنهما لم يذكرا كلمة الثورة و لكن الأجهزة كشفت عن نياتهم المبيتة! فيحاول الأمن أخذ الفتاة و لكن الطبيب يتدخل و يقدم نفسه بدلاً منها عارضاً عليهم أن يتحمل عقوبة ما جرى وحده. و يرفض رجل الأمن عرضه فيقول الطبيب:
السجين الأول: يخشون القبض علي حتى لا تنطلق الشائعات… فليسمعوا إذن ما أنا فاعل: عندما يطلب مني مواجهة الدنيا بأحاديثي و تقاريري، سوف أعلن على الملأ رأيي بصراحة في كل هذا الذي حدث!… سوف أقول للدنيا: إني بعد ثلاث مائة عام وجدت كل شيء تغير إلا الخوف من الكلمة و الإنزعاج من الرأي!…
هكذا يتفتح صديقنا الطبيب ليخرج من حقيقته الصغيرة و ينطلق نحو الحقيقة الكبرى، الحقيقة التي تستحق أن يتم التضحية من أجلها. و يذعن رجال الأمن للأمر فيأخذونه بدل رفيقته إلى “مدينة السكون”.
…………………………..
المرجع:
توفيق الحكيم: العالَم المجهول، دار الكتاب اللبناني-بيروت، مكتبة توفيق الحكيم الشعبية، الطبعة الأولى ١٩٧٣.

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، غير ربحية تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق