الجمعة , أكتوبر 20 2017
الرئيسية | الموقع | إسلاميات | سماحة الإسلام

سماحة الإسلام

أسامة طبش*

موضوعي الذي أود أن أتناوله اليوم يتعلق بحالة ذات أهمية قصوى، خاصة في أيامنا هذه ونحن نعيش جوا مكهربا فيه ما فيه من المشاحنات والتباغض والمناكفات في أمور، يبث الشيطان فيها  سمومه فيوقع أبناء الدين الواحد والنحلة الواحدة في صدام قد يجر إلى ما لا يحمد عقباه. الأكيد أنكم إستشففتم بعضا من ملامح موضوعي الذي سأتناول فيه:  “سجية التسامح الديني”، فما أحوجنا إليه اليوم كي نبني جسورا من المحبة والود والإخاء فيما بيننا، لقد رأينا في أيامنا هذه غلوا وشططا في هذا الجانب، قطعا ذلك لن يرضي رب البرية عنا ولا يسعد حبيبنا المصطفى صلى الله عليه وسلم ، إنه حال  تفتت فيه عرى هذه الأمة، بل حتى داخل المجتمع الواحد ، وربما داخل الأسرة الواحدة أين  سادت الفرقة والتباعد بين الإخوة والأشقاء.

أترون كم هو الأمر خطير؟ أترون كم أن الأمر جلل؟ و سواء إدعى كل طرف أنه على حق، وبغض النظر عن حجية حجج كل جانب، فهذا الأسلوب ليس أبدا من صميم سنة رسولنا صلى الله عليه وسلم.

دعونا نلقي نظرة خفيفة على ما حفل به تاريخنا الإسلامي المشرق من مآثر تجسد المعاني العظيمة الراقية للتسامح والتقارب، إليكم مثال ذلك الأعرابي الذي بال في المسجد -أكرمكم الله-، فزجره الناس فنهاهم الرسول أن يتعرضوه وقال: (إنما بعثتم ميسرين ولم تبعثوا معسرين)، فلما فرغ الأعرابي من بوله، أمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يصب على بوله سجل من ماء، يعني: دلو من ماء، واكتفى بذلك، -وهو ثابت في الصحيحين-.

تأملوا أيضا في تعامل الرسول صلى الله عليه وسلم مع ذلك الرهط من اليهود الذين دخلوا عليه فقالوا السام عليكم، فقالت السيدة عائشة رضي الله عنها عليكم السام واللعنة، فقال الرسول صلى الله عليه وسلم مهلا يا عائشة فإن الله يحب الرفق في الأمر كله، فقالت يا رسول الله أولم تسمع ما قالوا، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد قلت وعليكم،- وهو وارد في الصحيحين أيضا-.

أنظروا إلى حادثة ذلك الشاب الذي قدم إلى النبي صلى الله عليه وسلم كي يأذن له بالزنا -والعياذ بالله-، والحديث صحيح نصه، عن أبي أمامة : (( أن فتى شابا أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، إئذن لي بالزنا –فأقبل عليه القوم فزجروه وقالوا مه مه-  فقال: أدنه. فدنا منه قريبا، قال: أتحبه لأمك، قال: لا والله، جعلني الله فداك، قال: ولا الناس يحبونه لأمهاتهم، قال: افتحبه لابنتك، قال: لا والله يا رسول الله، جعلني الله فداك، قال: ولا الناس يحبونه لبناتهم، قال: أتحبه لأختك، قال: لا والله، جعلني الله فداك، قال: ولا الناس يحبونه لأخواتهم، قال: أتحبه لعمتك، قال: لا والله، جعلني الله فداك، قال: ولا الناس يحبونه لعماتهم، قال: أتحبه لخالتك، قال: لا والله، جعلني الله فداك، قال: ولا الناس يحبونه لخالاتهم، قال: فوضع  يده عليه وقال: -اللهم إغفر ذنبه وطهر قلبه وحصن فرجه-، فلم يكن بعد ذلك الفتى يلتفت إلى شيء)).

الله أكبر، ما هذا الخلق السمح، ما هذه الأريحية الرائعة، ما هذه النفس الزكية،  نحن بشر نعم، قد نصيب وقد نخطيء وكل ابن آدم خطاء وخير الخطائين من تاب وعاد إلى الطريق القويم ، ولكن: أما آن لنا أن نعقل حقيقة هذا الدين؟ ما بالنا اكتفينا بالقشور ونسينا لب إسلامنا؟

قد أكون مخطئا في طرحي فالله أعلى وأعلم، ولكن هناك نفوس جبلت على الفطرة الحسنة، على كل ما هو طيب ومرغوب، جبلت على وجه بشوش وابتسامة مشرقة، على موعظة حسنة وكلام طيب، قال تعالى: { فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِك } (آل عمران:159)، وقال النبي عليه الصلاة والسلام: ( لَيْسَ الْمُؤْمِنُ بِالطَّعَّانِ وَلَا اللَّعَّانِ وَلَا الْفَاحِشِ وَلَا الْبَذِيءِ ) . رواه الترمذي (1977) وقال : حسن غريب . وصححه الألباني في صحيح الترمذي.

إذا هي آيات محكمات وأحاديث قدسية ومآثر عن حقيقة ديننا الذي ننتسب إليه، فما أجمل ذلك المسلم حسن الملبس، ذو رائحة عبقة، يضفي على ذلك خلقا رفيعا يسمو به ويجعله قدوة لبني دينه، فكيف بالذي لا ينتسب أصلا إلى الإسلام؟؟؟  قطعا سيتأثر تأثرا عميقا به.

إن غير المسلم ينظر إلينا بتمعن شديد، ويدقق في جميع تفاصيلنا، فهو تائه حائر يبحث عن الحق والحقيقة، فطرته تدفعه دفعا لأن ينشد دينا كي يصل به إلى الرضا الروحي والسكينة النفسية، الأكيد أنه يرى حالنا اليوم نحن المسلمين، ماذا سيقول عنا؟ أي انطباع سيخلص به؟ و ما  ردة فعله يا ترى؟ أشد ما أتخوف منه  أن يرى هذا الإنسان حالنا من فرقة وشقاق فيولي مدبرا غير معقب.

إنها لمسؤولية كبرى وضخمة، علينا أن نعي أهميتها، سنسأل عنها بكل تأكيد لدى المولى عز وجل: هل أدينا الأمانة؟ هل صنا هذا الدين؟ أأبرزناه في حلته الجميلة البهية؟

أرجو أن ندرك جميعا هذه المعاني العميقة، علينا أن نعود إلى حقيقة إسلامنا، وأن نوطد عرى الأخوة والترابط بيننا ولا ندع أبدا لا شيطانا إنسيا ولا جنيا أن يحاول التلبيس علينا، ويأخذنا إلى مآخذ هي بعيدة كل البعد عن الرسالة السامية، التي جاء بها صفي الله وخير خلق الله محمد عليه أفضل الصلوات وأتم التسليم.

*كاتب جزائري

عن المحرر

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

شاهد أيضاً

رُوحُ العبوديَّة في مُناخات الحريَّة

بقلم: خباب مروان الحمد… لم تدعُ شريعة سماويَّة إلى الحريَّة كما دعت إليها شريعة الإسلام. …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *