ثقافة السرد

“مَا هُوَ آتٍ في الزّمان قَريْبُ”

  إبراهيم يوسف – لبنان

في تعليق لها على ظريف الطول؟
قالت الصديقة العزيزة شهرناس:

هذه لوحة بالألوان
لم يقتصر فيها الحضور على
ظريف الطول الفتى المهيوب..؟
بل رأيت فيها حوافر جواد امريء القيس
تشتعل من تحتها النار.

صادق شكري وإعجابي.. ومحبّتي.

أنت لمّاحة حقا بالإشارة إلى حصان امريء القيس؟ فعندما يعدو الحصان كما في هذه الصورة الشعرية الساحرة؟ تعلو قائمتاه الخلفيتان ثم تتقدمان، بينما تتأخر في اللحظة إيَّاها قائمتاه الأماميتان، وعندما تبدأ رجلاه الأماميتان بالتقدم؟ تتراجع للتو حركة رجليه الخلفيتين للوراء.

وهكذا يُقْبِلُ حصان امريء القيس ويدبر فيكرّ ويفرّ، “كجلمود صخرٍ حطَّهُ السَّيْلُ من علِ”! ولهذه الصورة الشعرية مقاربات علمية في حركة التسارع L’accélération؟ على أهمية عالية في الفيزياء والرياضيات، وقد شكلت منعطفا تاريخيا وحضارة رائدة، يعود الفضل فيها للغرب وحده.

لكن عزّ الخيل أكثر ما تحلَّت به العرب، وتجلّى فيه الشاعر والقصيدة والحصان، كما الخيلُ والليلُ والبَيْداءُ تعرفني * والسّيفُ والرّمحُ والقرطاسُ والقلمُ. ويمكنكِ للمناسبة أن تشيري للتشبيه إلى ظريف الطول. لكن أين منه خيل عرب اليوم “وفرسانهم” الرُكَّع!؟ وأين حصان امريء القيس يسابق الريح فتطحن حوافره حصى الأرض، وتشرقط نارا ووميضا من لهب! أسفي على العرب.

وامرؤ القيس حينما كان على شرابٍ وَسَمَرْ؟ بلغه نبأ مقتل أبيه؛ فقال لنديمه: اسقني.. واشرب. ضيّعني أبي صغيرًا وحمّلني دمه كبيرًا، لا صحوَ اليومَ ولا سُكرَ غدًا.. اليومَ خمرٌ وغدًا أمرْ.

واصل سُكْرَه فلم يتزحزح من مكانه أو يتأثر! لكنه حينما صحا؟ التزم بعهد على نفسه ألاّ يعاشر النساء ويحتسي الخمرة؟ ما لم يثأر لدماء أبيه ويسترجع ملكه المغتصب؟ وظريف الطول البطل صنو امريء القيس والمُخَلِّصْ المُنتظر..؟ والنسبة لا تتعدى ما بين جاهلية وإسلام؛ ليس أكثر.

ليت عرب العصر يتوعدون الصهاينة..؟ وينزعون عن رؤوسهم الكوفية والعقال.. عزُّهم وعنوان كرامتهم، أو أربطة أعناقهم عنوان مدنيتهم؛ أو جلابيبهم الوسخة التي تنضح عرقا وقيحا؛ ومالا.

أجَـارَتَنـا إِنَّ الخُطُـوبَ تَنـوبُ **** وإنِّـي مُقِيـمٌ مَا أَقَـامَ عَسِيـبُ
أجـارَتَنـا إنّـا غَرِيبَـانِ هَـاهُـنَا ****وكُلُّ غَرِيـبٍ للغَريـبِ نَسِيـبُ

أجارَتَنا ما فاتَ لَيْسَ يَؤوبُ **** ومَا هُوَ آتٍ في الزّمان قَريْبُ
وَلَيْسَ غَرِيْباً مَنْ تَناءَت دِيارُهُ * وَلَكِنَّ مَنْ وَارَى التُّرابُ غَرِيْبُ

يا سلام على امريء القيس والجاهلية، وظريف الطول وعليك يا ابنة الناس. شكرا لك مباشرة من أعمق نقطة في الوجدان. أنت عزيزة على قلبي وكريمة عندي؛ أحسنت التعليق. شكرا جزيلا لك.

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

رأي واحد على ““مَا هُوَ آتٍ في الزّمان قَريْبُ””

  1. عندما تعجز روايات وكتب الكون عن إخراجك من حالة اليأس والإحباط، تضطر إلى أن تلجأ لسلاح الأدب الأكثر رفعه والأكثر أصاله والأكثر ذوقاً .!
    ويا سلام عليك ..!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق