ثقافة السرد

الموعد

أمل السعيدي*

أتساءل كيف يعرف الناس أشياء كثيرة. من بينهم ذلك النادل الذي يسكب النبيذ في الكؤوس الآن. كلها بنفس درجة الامتلاء، دفعة واحدة كأنك تكتب قصيدة كاملة دون أن تفكر. عندما كنت ذات مرة في أحد مقاهي بلدي، وطلبت كعادتي قهوتي الأميركية بحجم متوسط، فوجئت بأن الماء لم يملأ حتى منتصف الكوب الورقي الذي حصلت عليه، لقد تسبب ذلك في إحساسي بالتهديد، لأن كل شيء في هذه المقاهي التجارية المعروفة حول العالم، مرتبط بالمعايير المنضبطة بشكل صارم، هنالك لا يمكن لأي أحد أن يبتكر شيئا، كما لا يمكن على الإطلاق أن تتوقع شيئا. لهذا أحب هذه الأماكن جدا، لأنها توفر لي ذلك المناخ الثابت، الذي يحتمل اضطراباتي الداخلية، كما لو أنه خلفية مناسبة للقيام بأدوارنا في الحياة.

اتجهت ذلك اليوم إلى طاولة الحانة، وبلهجة أميركية متكسرة، حاولت أن أطلب من النادل فنجان قهوة. كانت الشمس، وعلى غير ما اعتدت عليه، تنتشر على الكراسي الموضوعة هناك، كأنها موزعة عن قصد. وعندما أحضر لي قهوتي، سألته: هل هي مهنة تحتاج إلى ممارسة طويلة، أن تسكب الشراب في الكؤوس الواقفة تلك؟ ضحك طويلا. عيناه تلمعان بشدة. لم أتخيل أبدا أن أشاهد شخصا سعيدا لأنه سمع هذا السؤال! استل كرسيا من خلفه، ووجهه باتجاهي، جلس عليه ثم قال لي، إنه يعاني جدا من هذه المسألة وإنه قضى وقتا طويلا يتأمل فيها، لقد كان يستمر بعد ساعات العمل محاولا أن ينجح في تحقيق ذلك، وصف الأمر بأنه يشبه زيادة الملح في بيتزا البيبروني من بيتزا هت، وهذا غير ممكن، إن شيئا من شرب النبيذ مرتبط بكل شيء آخر، الكأس والمكان، والرفقة. فعندما يكون الواحد يائسا لا يمكن أن يأتي إلى حانة في مقدمة المدينة، بواجهة زجاجية كبيرة عند البار، لكنه يفعل ذلك إن كان متطلعا.

ما الذي يضحك إذن؟ كنت أنتظر أن يجيبني على هذا السؤال لوحده، كانت النبرة التي يتكلم بها أليفة إلى درجة أن من قد يمر من أمامنا في تلك اللحظة سيفكر أننا أصدقاء منذ زمن بعيد. وأننا تقابلنا ليلة البارحة. وهذا ما حدث. أجابني على السؤال. عندما كان يحاول تعلم سر المهنة، لجأ إلى عدد من زملائه في الحانات الأخرى، لكن ذلك بدا مريبا بالنسبة لهم، بل إن بعضهم ظن أنه يحاول استكشاف حاناتهم ليعرف مدى فرصته للانتقال إليها. لقد كان ذلك الشعور بالتناسب غير حاضر في أذهانهم، لكنهم وعلى نحو غريب يتقنونه جدا، وأنه أرجع شخصيته القلقة جدا في العادة إلى هذا الهوس، بل إنه شعر بأن سعيه الحثيث لاستحقاق أن يسكب النبيذ على درجة متساوية ضرب من السخافة. كان ذلك ليلة أمس، أمس فكر أنه سخيف إلى درجة مرضية.

أصابني هذا كله بنوع من الارتباك. لكنني قطعته بمحاولة عدم كسر إيقاع تلك المحادثة، قلت إذن هل تشعر أن ثمة من يشاركك هذه السخافة أم أنك لم تكن سخيفا ببساطة؟ ضحك مجددا ثم سألني: هل تتقنين أي شيء بدورك؟ قلت “لا، حتى القصص التي أحاول كتابتها، تظهر في خاتمتها غير متناسقة، رغم كل شيء قد يسبقها”، ثم دعاني إلى كأس نبيذ، كما دعاني إلى السير في شوارع المدينة عندما ينتهي من عمله.

*قاصة من عمان

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق