ثقافة المقال

معنى أن تكون كاتبا؟

علي بدر

قبل أكثر من عقد من الزمان تقريبا اشتريت طابعة أوبتيما تشبه الطابعات التي تظهر في أفلام الحرب العالمية الثانية ، وحملت ملابسي القليلة: بنطلونين …وقميصين…وجاكتة كحلي للمناسبات الرسمية (لا جود لها في ذلك الوقت)…وحذاء واحدا ، وبنطلونا قصيرا وتيشيرتا ، وأقلاما وورقا وكتبا قليلة وسكنت في استوديو صغير في الكرادة…كي أكتب رواية.

كانت الصورة الأسطورية لحياة الكتّاب من روائيين وشعراء وفلاسفة تلهب مخيلتي ، كنت أريد أن أكون كاتبا وبأي ثمن ، ليس هنالك ما يعوض هذه الرغبة على الإطلاق ، لا المناصب ولا المال ولا الحياة السهلة ولا أي شيء على الأرض ، رغبة ماحقة ، شعور بذوبان كامل ومتجسد في فكرة واحدة هي أن أكون كاتبا ، وبالتالي سقطت كل شروط الحياة الأخرى ، كل ما يجذب بها أو يغري ، كنت أكتب من الصباح حتى آخر الليل ، قراءة مستمرة …وبحث دائم عن أي كتاب جديد أو اسم جديد…

وفي تلك الفترة أيضا تعرفت على شخصيات غريبة عجيبة…لا يمكن أن تراها إلا في روايات أبوليموف أو تشارلز بكوفسكي أو جون فينت…وحين كنت أقرأ بعض الروايات العربية أو العراقية أقول في نفسي لماذا تغيب هذه الشخصيات الاستثنائية وتحل محلها شخصيات نمطية مثل: شخصية البطل السياسي ، وشخصية المناضل الحزبي والخ…طيب …الشخصيات التي كنت أواجهها من الشعراء الزائفين والأرستقراطيين المنتحلين ، والكذابين ، والمغامرين ، والنصابين الأنيقين ، وطائفة من النساء والرجال المقنعين بأقنعة لا حد لها ولا عد ، ولكنه المجتمع ، والحياة ، والتداخلات السوسيولوجية والاقتصادية والحضرية هي التي أنتجت هذا الخليط المعقد والمتشابك…هل يمكن تجاوزه ، والذهاب إلى الدور..الفراغ الذي يمكن أن يشغله القامع اليوم والمقموع فيما بعد…وبالتالي يبطل تحليل المجتمع الذي يهيء لدورة لا تنتهي ، لسلسلة مترابطة ومستمرة…

من الشخصيات التي تعرفت عليها ذلك الوقت هو وليد…الذي كتبت عنه في روايتي صخب ونساء وكاتب مغمور ، وهو الذي عرفني على رواية ask the dust اسأل الغبار لجون فينت ، والتي يروي فيها فينت عذاب حياته ليكون كاتبا ، ويروي قصة هروبه من أهله وسكنه في غرف مؤجرة في كاليفورنيا ، وفشله في أكثر من عمل بسبب إيمانه بعمل واحد هو الكتابة ، وشقاء حياته يتركز في محاولاته المتكررة الفاشلة على نشر رواية له أو كتاب ، حتى نجح أخيرا في كتابة روايته الشهيرة اسأل الغبار ، والتي قدم لها تشارلز بوكوفسكي.

أما الشخصية الثانية فهو سعيد…(وليس هو اسمه الحقيقي بطبيعة الأمر) وهو شخصية استثنائية ترشح عذوبة لا تنضب ، تعرفت عليه في الجبهة ، في المواضع ، أول دخولي لموضع حربي في حياتي أثناء الحرب مع إيران ، كان ذلك في شتاء بارد وقارس ، وكنت خائفا ومرتبكا من الحرب ، فلم يمض على تخرجي من الجامعة سوى أشهر ، وبعد دورة سريعة وجدت نفسي في المواضع المتقدمة..حين دخلت كنت أحمل في جيب بنطلوني الجانبي الجزء الثاني من رواية مارسيل بروست البحث عن الزمن المفقود طبعة غاليمار الفرنسية ، وفي ليل الموضع الحالك في الزاوية تقريبا انتبهت لجندي يجلس مقرفصا عند الفانوس ويقرأ كتابا بالإنكليزية ، وكان غارقا فيه كليا ولم يلتفت لوجودي أبدا…وفي الوقت الذي كنت محرجا وقلقا من أن أجلس في موضع في الجبهة وأقرأ بكتاب ، فقد شجعني هذا الموقف كثيرا…واقتربت منه وشاركته الفانوس وكلانا أخذ يقرأ يوميا..وعلى مدى خدمتنا معا ، وفي أحلك الظروف..وبين المعارك الطاحنة ، وتحت القصف الشديد كان عصف الكلمات يأخذ بنا بعيدا ، يأخذ بنا إلى باريس القرن التاسع عشر ، أو إلى بطرسبورغ ، أو إلى فيينا أو إلى أفريقيا…ومن موضع إلى موضع ، ومن جبل إلى رابية ، ومن بحر إلى صحراء ، كنا نحمل كتبنا ونتبادلها ونقرأ…

وسعيد مثلي يقرأ …بالفرنسية وبالإنكليزية وبالألمانية قليلا ، وإن كنت متمدنا أي إني قادم من مدينة ، ودرست في مدارس خاصة ، فقد جاء سعيد من أبعد المناطق عن المدنية ، وعن شروط الحياة الحديثة ، كان من سكان الأهوار ، درس في الجامعة وتعلم اللغات بفضل إصرار داخلي وعصامية شديدة ، وكان سعيد مثل جون فينت يريد أن يكون كاتبا وبأي صورة ، ولكن مشكلته الأساسية تتركز في إعجابه إلى حد الهوس بالحياة الغربية المكتوبة في الروايات ، فهو معجب بالعكازات الأبنوس ، ومعاطف الفيزون ، والقبعات ، والساعات الفضية ، وكلاب البولدوغ..مع أنه لم ير في حياته أي شيء منها حقيقة وواقعا ، إنما كان مسحورا بها ككلمات وصور وفضاءات وأجواء…وحين حاول أن يكتب رواية تدور أحداثها في مدينته العمارة بدأ مشهدها الأول في المترو…وحين استهجنت منه هذا الأمر وقلت له أن لا مترو في العمارة ، تذمر وصرخ بوجهي: ماذا تريدني أكتب عن الجاموس عن الأبقار عن الدجاج عن صويلح الذي قتل سويلم بالمسحاة…والخ الخ كان يعتقد أن هذه المواضيع لا تصلح للكتابة على الإطلاق ، ولا حتى الأسماء العربية تصلح للرواية ، وهكذا فإن كل أسماء أبطاله هم جون وجورج والفونس والنساء هن الزابيث وجويس ومارغريت…والخ وهذا ما يجعلني أضحك حتى أنطرح على الأرض.

لم تحالف الحياة سعيد أبدا…أو بالأحرى لم يتحالف معها ، وبالرغم من إعجابه الشديد بالغرب والحياة الغربية لم يستطع السفر والعيش هناك ، وبعد ظروف عائلية قاسية ، وظروف عراقية قاسية ، انتهى سعيد فلاحا في أهوار الجبايش ، ولكنه لم ينقطع عن القراءة أبدا…وانقطعت أخباره عني..حتى وصلتني منه رسالة قبل أيام..وكان يريد أن يقول أنه قرأ رواياتي كلها وأنه معجب بها…فقال الجملة الآتية” …من بعيد من هنا أرفع لك قبعتي…” فسكرت من الضحك مرة أخرى ، فهو يترجم الجملة الفرنسية chapeau monsieur إلى العربية ، وأنا أتخيله وهو بالدشداشة ويضع الغترة على رأسه ويدفع بالمشحوف ويقول لي شابو مسيو (أرفع لك قبعتي)…

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق