قراءات ودراسات

شرق الغربيين: الصورة الذهنية في وصف الآخر

إبراهيم بوخالفة*

الصورة التمثيلية باعتبارها إحدى طرائق التعبير والتمثيل في السرديّات الحديثة تستمدّ بلاغتها من قدرتها الفائقة على استحضار صورة الآخر، بكل تضاريسها السيكولوجيّة والجسديّة، وكل محمولاتها الثقافيّة والأيديولوجيّة، فتغدو دليلا على الذّات التي تبحث عن هويّة جوهرانيّة لا تقبل الهجنة والخدش، هويّة تدّعي الكمال العقلي والطبيعي وتسوّغ للهيمنة على آخرها الموسوم بالنقص والقصور. لقد نشط مبحث الصورة الذّهنيّة كدرس نظري في الأدب المقارن عن طريق مؤسسي هذا العلم، ونخص بالذّكر جون ماري كاري وهنري باجو وكلود بيشوا. وقد استند هذا الدرس النظري إلى تراث سردي ضخم من الرواية الكولونياليّة إلى أدب الرحلة الغربية إلى المستعمرات، إلى سرديات الاستشراق، وكلها نصوص تستخدم الصورة التمثيليّة في أدبيّاتها من أجل تمثيل الآخر الذي عجز عن تمثيل نفسه. يطمح هذا المقال إلى التعرف على الصورة التمثيليّة بشقيها النظري والتطبيقي في ثنايا النصوص السرديّة، ومدى قدرتها على تمثيل المختلف والبعيد والغريب المدهش.

اتخذ التواصل بين البشر بمختلف أعراقهم وثقافاتهم أشكالا متعدّدة منذ القدم. ولقد أحسّت الجماعات البشريّة بحاجة ماسّة إلى آخريها، وعبّرتْ عن هذه الحاجة بطرائق متعدّدة، وأشبعتها ضمن خطابات متنوّعة.

ثم إنّ التواصل بين الجماعات الإثنيّة مبنيّ على أساس مبدأ الاختلاف الثقافي، فهو دافعه والباعث إليه، فأنا أميل لكل ما هو مختلفٌ عني لأنه يغريني ويغنيني، أو هو يغيضني ويستفزّني، ومن هنا تأتي الرغبة المندفعة في التوجه نحوه، من أجل التواصل معه، أو لإزعاج سكينته وتبديد شمله، ومن ثمّ إلغائه وقتله رمزيّا، باعتبار المختلف معاد.

يولد الإنسان ناقصا، وإنه يحمل نقصانه طيلة ترحاله الوجودي، سعيا لاستكماله من آخريه. إن الآخر يكمّلني، ويشبع حاجتي لما يعوزني، كما أنه يشكِّلُ صورتي بأبعادها الأماميّة والخلفيّة. إنّ الالتحام بين الجماعات الإثنيّة المختلفة سواء كان قهريّا أو إراديّا، فإنه مدعاة للمقارنة. ولا بدّ أن نلقي بأنفسنا إزاء ثقافة ناظرة، وأخرى منظور إليها. ورغم حاجة الثقافات إلى بعضها البعض من أجل الحياة المشتركة والتعايش الطبيعي وتبادل الخبرات والأفكار والصور والأحاسيس،-فالعزلة تقتل الثقافة- إلا أن الثقافة الناظرة كثيرا ما تختزل الآخر إلى صور تبخيسيّة ونماذج كاريكاتوريّة تُرصَدُ من أجل تغذية المخيال الاجتماعي عن الأجنبي. إن المقارنة بين الجماعات والظاهرات الثقافيّة أثيرة لدى البشر، ومن أهدافها المثاقفة والتواصل بين المجتمعات والحضارات، أو من أجل إثبات الأفضليّة على الآخر، كما يمكن أن تهدف إلى تجاوز الذّات وترميم تصدّعاتها. وهي مشروطة بمبدأ الاختلاف الثقافي. إنه بمجرّد تَشَكُّل جماعات ثقافيّة مختلفة في طرائق عيشها وأساليب تفكّرها في العالم، وأحاسيسها تخطر بالبال أسئلة متعدّدة تطرحها الذّات التّوّاقة إلى عرض نفسها على الآخر، ومن هنا تأتي المقارنة بوصفها حاجة سيكولوجيّة تلبّي رغبة دفينة لدى الإنسان في المعرفة من أجل الهيمنة.

يطمح هذا المقال إلى التعرّف على مفاهيم الصورة التمثيليّة باعتبارها طريقة من طرق تمثيل الآخر في السرد، من خلال مساءلة أهم النصوص النظرية للمقارنين الفرنسيين طيلة القرن العشرين. ثم نستعرض أهم أنواع الصور الذهنيّة ونمثّلُ لذلك ببعض تطبيقاتها في مقاطع سرديّة دالّة من نصوص روائيّة أو رحليّة.

مفهوم الصورة التمثيلية
إن التوق إلى صورة الأجنبي وليد العصور الغابرة. وقد تجلى ذلك في كتابات القدماء المتعلقة بتراث الأمم وثقافاتها، تلك الكتابات التي تهتم بمعرفة عادات الشعوب التي تناصبها العداء وتقاليدها، أو التي ترغب في غزوها، أو التعامل معها بشكل ودّي.

في فرنسا، كان الاشتغال على صورة الأجنبي من الموضوعات المفضّلة للمدرسة الفرنسية في الأدب المقارن. ابتدأت هذه الدراسات مع جان ماري كاري، ومن بعده فرانسوا غويار ضمن سلسلة “ماذا أعرف” (Que sais-je) سنة 1951 تحت عنوان “الأجنبي مثلما نراه”. وكتبتْ الناقدة الفرنسيّة مادام دو ستايل في مطلع القرن التاسع عشر كتابها الشهير “عن ألمانيا” وفيه قدّمت إلى القارئ الفرنسي صورة الثقافة الألمانية وعرّفت ببعض فلاسفتها. ويُعدّ كتابها ذلك انفتاحا على ثقافة الأجنبي ودعوة إلى التعايش معه وقبوله في شكله المختلف. وكان المقارن الفرنسي جان ماري كاري من رواد هذه الدراسات في الخمسينات من القرن الماضي في مؤلفه “الكتّاب الفرنسيون والوهم الألماني 1800-1940، (Les ecrivains Français et le mirage Allemand )، وكان بصدد استعراض الصور التي تكونها الشعوب عن بعضها البعض، وعن الكيفيّة التي تتكون بها الأساطير الوطنيّة الكبرى وتعيش في الذّاكرة الفرديّة والجمعيّة، وانطلاقا منها تؤسس العلاقات بين الشعوب والدول وطرائق التواصل وأهدافه.

يجادل هنري باجو أن الصورة التمثيليّة هي مجموعة من الأفكار حول الأجنبي، وقد شُكِّلتْ أدبيا وكذلك اجتماعيا وثقافيا من خلال الميديا أو السينما والمسرح ووسائل التواصل الاجتماعي بمختلف أشكالها. ومن شأن هذا أن يمثّل إعادة توجيه للدراسات الصوريّة بحيثُ تأخذ بعين الاعتبار ليس النصوص الأدبية وشروط إنتاجها وتوزيعها فحسب، بل كذلك كل المخزون الثقافي الذي تمت في إطاره وبه عملية الكتابة والتفكير والعيش.

من بين معاني الصورة التمثيليّة كما يذهب في ذلك هنري باجو هي “كل صورة تنبثق عن إحساس مهما كان ضئيلا بالأنا بالمقارنة مع الآخر وبهُنَا بالمقارنة مع مكان آخر. الصورة هي إذا تعبير أدبي أو غير أدبي عن انزياح ذي مغزى بين منظومتين من الواقع الثقافي” [هنري باجو، الأدب العام والمقارن، ترجمة غسان السيد، منشورات اتحاد العرب، دمشق 1997، ص 91.]. إنها قبضة سرديّة يُستَحضَرُ فيها الآخر في مقابل الأنا المستعلي، كما يستحضر المكان الآخر باعتباره الأقل شأنا من الهنا القابع في مخيال الأديب صانع الصورة. فإذا قالت الشخصيّة الروائيّة على سبيل المثال “أنا لا أكذب” فهي استحضار مخيالي لصورة الآخر الكاذب.

من ناحية أخرى، يمكن لصورة الأجنبي أن تعبّر عن وضع الثقافة المحليّة، أي ثقافة الأنا (الثقافة الناظرة). كما يمكن لصورة الأجنبي (الثقافة المنظور إليها) أن تنقُل على مستوى مجازي حقائق وطنية. ومن هنا فإن دراسة الصورة لا تنحصر في الكشف عن درجة زيف الصور المشكلة عن واقع معين، باعتبار وأن التمثيل هو إفسادٌ لتمثيلات سابقة، واختزالها في كلمات. بل إن دراسة الصورة تقوم أحيانا على تقديم الأجنبي وعلى خطوط القوّة في بنائه الاجتماعي والثقافي وخياله الاجتماعي.

وضعيات التمثيل
تتخذ الصورة النمطية ثلاث وضعيات إنتاجيّة مختلفة، وذلك تبعا للتشكيلات الأيديولوجية التي ينطلق منها الأديب، وبالنظر إلى طبيعة المتلقي. أول هذه الوضعيات هي:

وضعيّة الهوس: (Manie)

الهوس هو الولع الشديد بكل ما هو أجنبي؛ وهو ناتج عن إحباط شديد للوضعيّة التي تتواجد عليها ثقافة الأنا ووضعها الثقافي البائس. ففي موازاة التفضيل الإيجابي للأجنبي هناك رؤية سلبيّة انتقاصيّة للثقافة الأصليّة. إننا نجد مثل هذه الصور بكثرة في أدبيات النخبة المثقفة التي أعقبت حركة انسحاب الاستعمار من الدول العربية. فأغلبية مثقفي تلك الحقبة العربية المظلمة فقدوا الثقة في الثقافة المحلية التي تعود بهم إلى أصولهم العربية والإسلامية. وقد كانوا يرون أن خلاص الدول العربية هو التماهي مع الحداثة الغربية ونبذ كل ما له علاقة بالدين أو بالتراث العربي. الهوس بالآخر في هذه الحالة هو وسيلة من وسائل نقد الواقع المحلي. إن مثل هذه الفئات العربية المستَلَبة أنتجت الكثير من الصور الهوسية التي تعبّر فيها عن انبهارها بالثقافة الغربية ونمط العيش في الغرب. ومن بين هؤلاء طه حسين وهيكل والطاهر حداد، وغيرهم من الليبراليين والعلمانيين العرب. إن التقييم الإيجابي لثقافة الآخر إذا كان مفرطا ومبالغا فيه ستقابله نظرة ازدراء لثقافة الذّات. فالهوس لدى فلاسفة الأنوار الفرنسيين بالتفوق بتقليد الإنكليزيين يفسّر في خطوطه العامّة بوعي حادّ بالتفوق الإنكليزي، وهو يستبطن وعيا بدونيّة فرنسية لا يخطئها الإدراك [إبراهيم بوخالفة، صناعة الشرق، تشكل صورة الآخر في الرواية الفرانكفونيّة، دار الفكر العربي، ط أولى 2018. ص53]. غير أن هذا الهوس ما فتئ أن خفت ليتحول إلى مركزيّة فرنسية طافحة، تعمل على هيمنة لغتها خارج حدودها، وفرض ثقافتها على مستعمراتها خارج أوروبا وداخلها. ليتحول الموقف إلى نقيضه لما تمكنت فرنسا من تطوير لغتها السوقيّة إلى لغة حضارية وجعلها اللغة الرسمية الأولى بدل اللغة اللاتينيّة. وقد دأب رجال البلاط في دول أوروبية كثيرة على التكلم باللغة الفرنسية باعتبارها لغة الحضارة والتطور.

وضعية الرهاب: (phobie)

الرهاب هو عكس الهوس ونقيضه، ويُنظر بموجبه إلى الثقافة الأجنبية على أنها ناقصة ودونيّة بالمقارنة مع ثقافة الأنا. من تداعيات الرهاب أيضا الإعجاب المفرط والمرضي بالثقافة القوميّة واعتبار الذّات مركز الكون والبؤرة التي تتجمع فيها حقائق العالم. ومع الصور الرهابيّة يغدو الآخر شيطانا وعدائيا وبغيضا وحاملا لجميع شرور العالم. يولِّد الرّهاب خوفا مرضيّا من الآخر وتشاؤما من الاحتكاك به. إنه خوفٌ لا يستندُ إلى حقائق موضوعيّة ولا إلى أسس عقلانيّة، بل ينطلق من أفكار مسبقة تعود إلى ترسبات لاواعية وغير متحكمٌ فيها. يهدفُ الكاتب الذي ينطلقُ من وضعية رهابية لإنتاج الصور التمثيليّة إلى الإعلاء من شأن الثقافة القوميّة وإقصاء الآخر. وهي مرحلة من مراحل الهيمنة عليه وقتله رمزيا.

تكثر الصور الرهابية في أدبيات المستشرقين الغربيين والرحالة الأوروبيين إلى الشرق العربي بدءا من القرن الثامن عشر، عندما كان العداء مستفحلا بين الغرب والعالم الإسلامي ممثّلا في الإمبراطورية العثمانية. ولقد كان الرحالة الأدباء المنتشرون في مصر وتركيا على سبيل المثال، يصنعون أكثر الصور قتامة عن العرب والمسلمين. كما دأب الإعلام الأميركي بعد الحربين العالميّتين على شيطنة العرب، وتقديمهم في صورة الإرهابي والبربري والمتخلف والرافض للحداثة الغربية. “فالعرب مثلا يُتَصَوَّرون راكبي جمال، إرهابيين، معقوفي الأنوف، شهوانيين شرهين، تمثّل ثروتهم غير المستحقَّة إهانة للحضارة الحقيقيّة” [سعيد إدوارد، الاستشراق، ترجمة كمال أبو ديب، دار الآداب، بيروت، ط أولى، ص131.]، والحضارة الحقيقية لا يمكن أن تكون إلا حضارة الرجل الأبيض.

من بين الروائيين الّذين وظفوا الصور التمثيليّة في رواياتهم، الكاتب اللبناني المعاصر أمين معلوف في رواياته التي تتّخذ من الفضاء العثماني فضاء للسرد والتّمثيل. تعبّر صوره الرهابية الكثيرة في رواية “رحلة بالداسار” عن كراهيّة دفينة للعثمانيين الّذين كانوا يضطهدون الأقليّات الدّينيّة ويُحقِّرون من شأنها. بالإضافة إلى الفساد الإداري الذي عرفته الإمبراطورية العثمانية في آخر سنواتها قبل السّقوط. ورد في هذه الرواية موقف لأحد هؤلاء العثمانيين، وهو يستهزئ برعيّة مسيحيّة يرغب في حضور قداس مسيحي في إحدى كنائس الشام “لا نملك وقتا نضيّعه في الكنائس، ولو شاء معاينة قطعة من الخشب فما عليه سوى أن يتناول هذه القطعة، وأشار إلى قطعة عفنة من جذع شجرة مرميّة على الأرض” [أمين معلوف، رحلة بالداسار، ترجمة نهلة بيضون، Anep-دار الفارابي، ط الثانية 2001. ص 66.]. هذه صورة تمثيليّة رهابيّة تصور العثماني في هيئة المتعصب والمتزمّت الذي يحقّر الديانة المسيحيّة ويمثلها تمثيلا كاريكاتوريا، بالإشارة إلى قطعة خشب مرمية في مستنقع ماء قذر. إنها صورة تعبر عن كراهية الآخر والتشنيع بعقله المتحجّر وبسلوكه العدائي تجاه الأقليّات الثقافيّة.

الوضعية التآلفية: (Philie)

التّآلف هو وضعيّة وسطى بين الرّهاب والهوس. وبموجبه تنظر الذّات إلى الثقافة الأجنبيّة نظرة إيجابية وهي تشيد بها بالقدر نفسه الذي تحترم فيه ثقافة الذّات وتحتفي بها. إنها الوضعيّة الأكثر ملاءمة للمثاقفة وحوار الحضارات. تكون الثقافة الأجنبية والثقافة المحليّة على قدم المساواة من حيثُ القيمة الحضاريّة. فالاعتراف المتبادل بينهما يضعهما على تخوم الكونيّة للدّلالة على إمكانيّة التعايش بين النصوص المختلفة في حواريّة عالية الاشتغال. “فإذا كانت وضعيّة الرّهاب تفترض الموت الرمزي للآخر، فإنّ وضعيّة التآلف تحاول اختراق الخطّ الأصعب الذي يمرّ عبر الاعتراف بالآخر الذي يعيش بجوار الأنا ومقابلا له، لا هو أفضل منه ولا هو دونه منزلة”. إن التسامح أو التآلف هو الحالة الوحيدة للتبادل الحقيقي والثنائي للمعرفة. فهو يقتضي مثاقفة الندّ للند، ذلك أن المثاقفة المترتبة عن حالة الهوس بالآخر والارتماء في أحضانه هي مثاقفة آلية وتؤدي إلى انسحاق ثقافة الأنا وتراجعها وانكفائها على نفسها.

يمكننا أن نضرب لهذا النوع من الصور التآلفيّة ما كان من مادام دو ستايل في مؤلّفها “عن ألمانيا (De L’Allemagne) فهي تحترم ثقافة هذا البلد، وتدعو مواطنيها إلى تعلم اللغة والثقافة الألمانيتين، فهذا البلد الأوروبي هو الذي أنتج أكبر فلاسفة القرن العشرين، من أمثال هيجل وكارل ماركس وهايدغار والقائمة أبعد من أن يحصيها عدٌّ. إن مادام دو ستايل تحترم ثقافة هذا البلد، وتدعو إلى قراءة روائع أدبائه، دون أن تخفي اعتزازها بقوميّتها واحترامها الجليل لثقافة بلدها. إن هذا الموقف الإيجابي من الآخر يمكنه أن يفضي إلى عمليّة مثاقفة وتفاعل إيجابي بين ثقافة الذّات وثقافة الآخر.

تلك هي أهمّ وضعيّات إنتاج الصّورة، ضمن ما اصطُلِحَ عليه بالصورولوجيا (Imagologie) وفق تعبير سعيد علوش، أو علم الصورة.

القالب الجاهز: (Le stéréotype)

استعار الصحفي والمفكر الأميركي والتر ليبمان مصطلح “القوالب الجامدة” من عالم الطّباعة حيثُ يشير إلى القالب الذي تُصَبُّ على نسقه حروف الطباعة لكي يستخدمه في مجال آخر بعيدا تماما، هو مجال الاتّجاهات والأفكار، إذ “اتّسمتْ العمليّات الذّهنيّة -التي تشكِّلُ مادّة الخبرة في نماذج ثابتة- بطابع جامد متصلّب”. ويتابع ليبمان تحليله قائلا “إنّنا إذا فكرنا من خلال القوالب الجامدة فنحن لا نرى الأشياء ثمّ نعرفها، وتكون المعرفة حينئذ مبنيّة على المعاينة والتجريب والتحقّق المحايد، ولكن نحن نعرفها عن طريق الرأي العام السائد والتمثيل المخيالي، ثم نراها، بمعنى آخر، نحن نكتسبُ خبرة ما، عن موضوع معرفة، ثمّ نشكّلُ له رسما ونمطا، ثم نراه، فقط لتعزيز مكتسباتنا القبليّة عنه. إنّنا نعيش العالم من خلال ما سبق لثقافتنا التي نعيش في كنفها أن عرّفته لنا، ونميل إلى التّمسّك بهذه الآراء التي يحدثُ كثيرا أن تكون مصاغة في شكل قوالب جامدة. إنّ لهذه الطريقة في إدراك العالم محاذيرها، لأنها قد تضلّلنا وتسمم علاقتنا بالآخرين”.

يعجّ تاريخ أوروبا الحديث بأمثلة عن عواقب التفكير في الآخر من خلال القوالب الجاهزة. وتوجد على سبيل المثال مناقشات وأحكام تدور حول الفروق بين الألمان والإيطاليين أو بين البلجيكيين والهولنديين، وكل جماعة قوميّة تطوِّر عبر فترة من الزّمن بعض القوالب الجامدة عن أعضاء القوميات الأخرى، فالإنكليز مثلا يتّسمون بالبرود الشّديد، والإسبان بدوٌ ومتخلفون ودماؤهم مسممة بدماء العرب، والعرب بدو رحّلٌ لا يحسنون إلا ركوب الجمال.

لقد كانت الحرب العالمية الثانية البداية الفعليّة والحاسمة لمثل هذه الأبحاث المقارنية. فقد كوّن عدد من الأنثروبولوجيين –خلال فترة الحرب- فكرة مؤدّاها أنّ فهم المحدّدات الثقافيّة للاختلاف بين الشخصيات القوميّة له أهميّة قصوى في فهم المجتمعات الغربيّة ذاتها.

يبدو القالب الجاهز تمثيلا منتجا لمعان، وإشارة تحيلُ مباشرة وآليّا إلى معنى واحد، أو تحيل على الأصحّ إلى رسالة أساسيّة واحدة. وعندما نتحدّثُ عن إنتاج القالب الجاهز فإننا نجد أنفسنا أمام عملية إنتاج بسيطة تتمثّل في الخلط بين الخاصيّة والماهية. ويسمح ذلك للمقارن بالانتقال من الخاص إلى العام، من الفرد إلى الجماعة. فإذا ضُبِطَ عربيّ متلبّسا بسلوك عنيف، فكل العرب برابرة ومتوحشون وإرهابيون، وإذا مُثِّلَتْ كشك هانم من قِبَلِ فلوبير على أنها شبقيّة وموهوبة وراقصة فكل نساء العرب على شاكلتها. وهكذا تتحول الصّفات العرضيّة التي تنقلها الثقافة الناظرة التي تقوم بعمليّة التمثيل من خلال إنتاج الصور والأنماط، عن الجماعة الواقعة تحت المجهر، وتصبح هذا الصفات ماهيات وجواهر. “ففي حين أنّ الاتّصال الإيجابي يفترض الترميز المنتج للمعاني المتعددة، يتمثّل الاتصال بواسطة القوالب الجاهزة في عمليّة تقديم النّعوت القاطعة”. فالعرب قوم كسالى، الأفارقة شبقيون، الفرنسيّون متحضّرون… إلخ.

إن القالب الجاهز هو التعبير البليغ عن الزمن المتوقف وعن الماهيات المنجزة والمتحقّقة. ومن هنا سهولة شيوع كل تعبير ثقافي منتج وفق نموذج السلاسل المتماثلة (السلاسل التلفزيونية، الإعلانات الدعائيّة). إن وظيفة القالب حاسمة ومؤثرة، فهو يقدم أقل قدر من المعلومات من أجل تأثير أقصى: إن صورة العربي الذي يقود ناقة في الصحراء ويكوّر عمامة، شبيهة بالعمامة الفلسطينيّة لهي صورة بالغة الدلالة، عن عربي لا يزال يعيش حالة البداوة، ولا يزال في مرحلة الطبيعة؛ ولذلك لن يتمكن من فهم الحداثة الغربيّة، دع عنك أن يتقبّلها ويتمثلها ضمن ثقافته البسيطة. وهو إضافة إلى ذلك يتربّع على ثروة غير مستحقّة، ومن حق الغرب أن يقتلعها منه بأيّ ثمن، مقابل إمداده بوسائل الرفاهيّة الماديّة، ومقابل تمثيله وحمايته. ألم يقل ماركس –حليف المعذَّبين في الأرض- إنهم غير قادرين على تمثيل أنفسهم، ويجبُ أن يمثَّلوا؟

تلعبُ الأنماط دورا حيويّا في المحافظة على انسجام الجماعة الإثنيّة ولحمتها. إنها تحميها من كل تهديد بالتغير والتّحّلل. ويكفي هنا أن نذكّر بالأقليّات التي تنافح عن هويّتها بكل شراسة، خوفا من الذّوبان في الثقافة المهيمنة، ويتعاظم حينئذ دور الأنماط في شدّ الجماعات الأقلّويّة إلى أصولها الدينيّة والعرقيّة، ويكثر الحديث عن إرث الأسلاف والأمجاد القابلة للانبعاث. لقد كان دور “بالداسار” -المواطن المسيحي سليل عائلة أمبرياتشي المسيحيّة في رواية “رحلة بالداسار” لأمين معلوف-، المحافظة على التقاليد والأعراف المسيحيّة، وإعادة إحياء أمجاد الأسرة مخافة الذّوبان في المجتمع العثماني المتخلّف.

إن ترديد النمط وترويجه في مجتمع ما، هو في المحصّلة تأكيدٌ لانتماء اجتماعي وثقافي متخيَّل، وهو حطٌّ من شأن الآخر. وتخطر بالبال في هذا السياق عمليات التنميط التي يخضعُ لها المغاربة المقيمون في فرنسا. إنّ الجرائم التي تُرتَكَبُ في حقّ هؤلاء، والسلوك العنصري والعدواني الذي يواجهونه يوميّا إن هو إلاّ نتيجة طبيعيّة لأنماط تحقيريّة تغذّتْ من سنوات العداء الطويلة بدءا من الحروب الصليبيّة ومرورا بحرب الخليج الثانية، وانتهاء إلى الحرب العالميّة ضدّ ما يسمّونه “الإرهاب”، وهي حرب كونيّة لا يحدّها زمان ولا مكانٌ. إنّ “هويّة الذّات والآخر وهي البعيدة عن أن تكون شيئا ساكنا، هي سيرورة تاريخيّة واجتماعيّة وفكريّة وسياسيّة عالية الاشتغال، تجري على هيئة نزاع يتضمّن الأفراد والمؤسسات في كل المجتمعات” [ سعيد إدوارد، تعقيبات على الاستشراق، ترجمة صبحي حديدي، المركز العربي للدراسات والنشر والتوزيع، بيروت-لبنان، ط أولى 1996. ص103]. إن كلّ حروب الهويّات الثقافيّة والقوميّة تلتمس من ادّعاء الجوهريّة والنقاء مسوّغا لعمليّاتها العدائيّة تجاه آخريها. فحروب القرن العشرين بما فيها تلك التي صادمت شعوبا عربيّة فيما بينها، هي في الأساس صراع أفكار وثقافات وهويّات.

إنّ التعلّق الفكري والروحي برأي عام مقنّن، أو بصورة تمثيليّة رائجة -(كقولنا مثلا: مصر أمّ الدّنيا)، أو بقالب جاهز (كقولنا: اليهود أمّة مرابية)، أو (فرنسا عاصمة الفنون، والعنصر الجرماني أرقى الأعراق البشريّة)-، إن ذلك يعبر بشكل رمزيّ عن تعاطفنا مع الجماعة التي نرغبُ في الانتماء إليها ونتبنّى رؤيتها للعالم. من هذه الناحية يدعم النمط الاندماج الاجتماعي للفرد، وفي نفس الوقت يضمن تماسك الجماعة التي يتبنّى أعضاؤها حزمة من الأنماط الثقافيّة والاجتماعيّة مهيمنة على وعي الناس.

سيميائية المقارنة وإشكالية التمثيل

كان القرن التاسع عشر في أوروبا وفي فرنسا بشكل خاص، قد شهد تفجرا غير مسبوق للعلوم الإنسانيّة وعلوم الكون عموما، نتيجة لتجذّر مشروع التنوير، وتحوُّل دعوات فلاسفة الأنوار إلى عقيدة العصر التي تبوّأتْ مكانة المسيحيّة. كان الأوروبيون يستندون إليها من أجل تشكيل رؤيتهم للعالم وللآخرين الذين من حولهم. لقد تفشت ظاهرة المقارنة بين الظواهر والمجتمعات والثقافات بشكل لافت. فظهر علم التشريح المقارن ومن رحمه انبثقتْ نظرية النشوء والارتقاء، كما سطع نجم الفيلولوجيا على أيدي دو ساسي ورينان. ظهر أيضا علم الأديان المقارن والقانون المقارن، كما ظهر الأدب المقارن. لقد أضحت كل العلوم خاضعة للتنوير ومهووسة بالمقارنة “رغبة في استخلاص القوانين العامّة والقواعد الكليّة” [ سعيد علوش، مدارس الأدب المقارن، المركز الثقافي العربي، ط الأولى 1987. ص 7.]. من أجل ذلك ارتبط وعي المقارنة بالقرن التاسع عشر، وأضحى منهجا إجرائيا في العلوم الإنسانيّة والطبيعية على حدّ سواء. والذي يهمّنا في هذا السياق هو مسألة المقارنة في الأدب المقارن وقضية التمثيل (la representation)، وهو ضربٌ من العمليّات التي تدور حول طريقتنا في النظر إلى أنفسنا والآخرين (….) كما تصورهم الثقافة التي تمارس التمثيل.

يلجأ الإنسان إلى تمثيل الآخرين لدى الاحتكاك بهم عن بعد أو عن قرب، ويعمل على إنتاج صور متخيّلة وتمثيلات دون أن يهتمّ بمدى مطابقة هذه التمثيلات لحقيقة الوضع الممثّل. فالأهمّ هو مطابقتها للمتخيَّل المتشكّل تاريخيّا في اللاوعي الثقافي للجماعة التي تنتج التمثيلات عن آخريها. فالأهم أن تستجيب الصور المنتجة لاستيهامات الثقافة الناظرة وأحلام الجماعة التي تمثّلها.

توجد المقارنة كلما وُجِد الاختلاف، فهي شرطه الأساسي. ويبدو العالم بغيره موحشا، ومملاّ وفاقدا للمعنى. “فالمقارنة من هنا هي حالة أنطولوجيّة ملازمة لسيكولوجيّة الأفراد والجماعات، ولا تخصّ مجال الأدب وحده”. إننا نقارن لنزداد معرفة ونحن نعرف ونتعلم بقدر ما نقارن وننتج تمثيلات عن آخرينا، ففي رحمها تثوي صورة الذّات. “المقارنة عمل هرمينوطيقي يتساءل باستمرار عن العلاقات كمصدر وجودي، كينونة الكائن بما هو كائن وبما عليه أن يكون”.

يتحدّثُ روبير إسكاربيت في هذا السياق عن المقارنة باعتبارها علما للاختلاف. لقد كان يدعو المقارنين إلى التذوق والمقارنة. توجد مادّة للتأمّل فيما يُعرَض علينا من خارج حدودنا القوميّة واللغويّة، وفي اتّجاه متناقض مع ذلك الذي بحوزتنا، ومن المهمّ مقارنتهما. فالتقدّم في العلوم الإنسانيّة لا يتولّد عن الانسجام والاتّفاق والوحدة بل يتأتّى من الاختلاف والتناقض والتباين والصّراع وما تفرزه هذه العوامل من جدل وديناميكيّة.

عرض غوته فكرة عالميّة الأدب من خلال غوصه عميقا في الآداب الأجنبيّة، ودراسة موضوعة الاختلاف الثقافي. تأمّل غوته في الشعر الذي تحول إلى تراث عام للإنسانيّة. ويقول في هذا السياق “ولكن إذا لم نرنُ نحن الألمان بأبصارنا إلى ما وراء محيطنا الحالي فإننا سنقع بسهولة ضمن الزهو المتعجرف؛ أحبّ أيضا أن أستخبرَ عن الأمم الأجنبيّة وأنصحُ كلّ شخص أن يفعل مثل ذلك”. لقد كان غوته مفكرا كوسموبوليتيّا يطمح إلى بلوغ مراتب الكمال البشري من خلال تشكيل وعي أدبي كوني، يقرّ مبدأ الاختلاف الثقافي، ويعتبره إغناء للثقافات الوطنيّة وإثراء للرصيد القيمي للإنسان باعتباره إنسانا. إننا نولد بشرا قبل أن نولد فرنسيين أو جزائريين أو أميركيين. ونهاجر إلى الأماكن الأكثر نأيا والأشدّ غرابة بحثا عن المختلف والمدهش والعجيب الذي يغني رؤيتنا للعالم ويُعدّل مواقفنا من الآخر، ويصحح نظرتنا إلى ذواتنا التي أفسدتها النرجسيّة والحب المفرط للذّات، والاعتداد بالنفس الذي تحوّل إلى تعالٍ على المهمّشين.

لقد ارتبط الوعي بالمقارنة بالقرن التاسع عشر نظرا للوضع الدولي الذي مسّ كل أركان اليابسة. فقد انتشرت القوى الاستعمارية عبر كامل أنحاء الأرض بحثا عن مساحات جديدة يستمدّ منها الغرب مقومات قوّته لإعادة بناء القارة التي دمّرتها الحروب. ومن أجل تعضيد هذه الحركة ظهر إلى السطح علم الإناسة، وكان يهدف إلى معرفة معمّقة بالشعوب غير الغريبة، من أجل تسهيل الهيمنة عليها وشلّ قدرتها على المقاومة. “إن الأنثروبولوجيا المعاصرة كما عرفناها بداية من أواخر القرن التاسع عشر برزتْ إلى الوجود فعلا منذ اليوم الذي تبنّتْ فيه ممارسة ميدانيّة خصوصيّة مركزة على العلاقات الاجتماعية التي حدّدتها الوضعيّة الاستعماريّة. كان الاهتمام بهذه المجتمعات البعيدة بوصفها موضوعا للمعرفة التجريبية مرتبطا مباشرة بتكون هذه المجتمعات كفضاءات مهيمن عليها ينبغي معرفتها ومراقبتها” [ منذر كيلاني، اختلاق الآخر، ترجمة نور الدين العلوي، دار دريش سيناترا، ط الأولى 2015. ص 129-130.].

كما أفرز القرن التاسع عشر جنسا أدبيا حديثا هو أدب الرحلة. وكان ذلك نتيجة طبيعيّة لانتشار الأوروبيين خارج حدودهم بشكل جماعي، بحثا عن المستعمرات، والفضاء الجيوستراتيجي الذي يمكّنهم من الاستقواء على الآخرين. ولقد طور الرحالة الأوروبيون المتأخرون نظرة تتسم بكثير من التحيز، نتيجة تماهيها مع بنية الفكر الاستشرافي الذي انخرط بشكل مبكر في الشرط الإمبريالي. وسنحاول لاحقا استحضار بعض الصور التمثيليّة المنتجة في بعض المتون الرحليّة، ونحاول تفكيكها وتحليل دلالاتها وأبعادها الأنثروبولوجيّة. يجب التأكيد أولا أن المستشرقين الفرنسيين والبريطانيين والإسبانيين عملوا خلال سنوات عديدة من الجهد الأكاديمي على شيطنة العرب والأفارقة، وتجريدهم من مهابتهم التاريخيّة وأمجادهم الحضارية العظيمة، في مرحلة أولى، ثم عمدوا إلى اختزالهم إلى كيانات كاريكاتوريّة تبعثُ على الدعابة والتسلية، وصوروهم أحيانا باعتبارهم كائنات عجائبيّة تستجيب لعالم “ألف ليلة وليلة” الذي يشبع المخيال الغربي ويستجيب لاستيهاماته وأحلامه الرومنسيّة. كان الغرب في حاجة ماسّة لمثل هذه الأدبيات التي تنسيه صلف المادية الغربية والعقلانيّة المقرفة. بالإضافة إلى ذلك، لا بدّ من التّذكير أن الغرب وفي عز عصر الأنوار كان لا يزال تحت وطأة سلطة الكنيسة؛ فرغم الروح الفلسفيّة التي غمرت الفضاء الغربي، ورغم موجة الإلحاد وروح الشكّ التي هزّت كل القناعات الميتافيزيقيّة إلاّ أن الغرب كان لا يزال يصارع كثيرا من التابوهات كالجنس والدّين ووضع المرأة في المجتمع. ولذلك يجد الرحالة أنفسهم في الشرق متخلصين من كل تلك التبعات التي ترهقهم في بلدهم.

الصورة التمثيليّة والرحلة
الرحلة في مفهومها العام هي الانتقال من مكان الألفة إلى مكان أجنبي لأهداف متعدّدة ومتنوّعة. ومهما كانت تلك الأهداف، فإنّ المرتحل يُلفي نفسه في فضاء ثقافي وآخر اجتماعي غريبين عنه. وقد يحوّله بطريقة آليّة إلى مقارن بين نظامه الثقافي والنظام الذي هو بصدد اقتحامه، وبصدد تحويل كل مجهول فيه إلى معلوم، وكلّ غريب إلى مألوف. وقد شاع هذا النوع من النشاط في عصر الأنوار، حيثُ كانت الدعوة إلى الرّحلة محمومة من أجل اكتشاف العوالم المجهولة والغريبة، وعرض الروح على تجارب الآخرين وخبراتهم؛ وإنّ ذلك من شأنه أن يفضيَ إلى إدراك كلِّي لنسبيّة القيم الحضاريّة، ولظاهرة الاختلاف الثقافي الذي دونه يتحوّل كوكبنا إلى فضاء ضحل وموحش ودون روح. وإنّ “للرّوح في السفر تمرّنٌ مستمرّ على ملاحظة الأشياء المجهولة والجديدة، ولا أعرف إطلاقا مدرسة أفضل لتشكيل الحياد كما قلت كثيرا من العرض المستمر للروح لعدد من تنوّع الحيوات الأخرى، الابتداعات والممارسات وجعل الروح تتذوّق مثل هذا التنوع من أشكال طبيعتنا” [ تيزفيتان تودوروف، نحن والآخرون، ترجمة ربى حمود، دار المدى، دمشق-سوريا، ط أولى 1999. ص55]. إن معرفة الذّات المعزولة عن محيطها الخارجي هي معرفة منقوصة، بل إنها أحيانا سطحيّة إلى حدّ الضحالة. ونحن في عالم متنوّع ومتعدّد الهويات والثقافات، ولا بدّ أن تعكس الدراسة الأنثروبولوجيّة هذا التنوّع، ولا بدّ أن يجعلنا الأدب نتذوّق هذا التنوع ونغتني به.

“الارتحال ليس فقط النّظر فيما حولنا، ولكن أيضا استعراض تتابع العصور وتركيب فرضيّات ولوحات تسمح بالدراسة المقارنة لكلّ ما هو عظيمٌ ومنحطٌّ. إنه إعادة تصنيف وتنظيم وترتيب وتركيب. يبحث الرحالة عن فكر الحضارة الذي يجب أن يدرسه ويحلّله ويحكم عليه”. لقد كان الرحالة الغربيون، والفرنسيّون منهم على الخصوص، مقتنعين بتفوق حضارتهم وهم يجوبون شرق “ألف ليلة وليلة”، كانوا متيقّنين من تفوق لغتهم وعالميتها؛ لقد ارتبطت المقارنة في فرنسا تحديدا بوظيفة قوميّة في المقام الأول، منها وظيفة تمجيد الذّات وتأبيد النفوذ اللغوي والهيمنة الثقافيّة خارج فرنسا.

الرحلة إذن، ومن منظور التاريخ الثقافي، هي مجموعة من المعلومات والشهادات حول العصر والفضاء المكاني. إنها إعادة كتابة لفضاء الآخر وثقافته من أجل تحديد صورته وتمثيله في حالة سكون وتاريخ هامد؛ إنه اقتحام للفضاء الأجنبي والبحث المحموم عن فكره من خلال التجول في مكتباته ومدنه، ليس على طريقة متجول يطرق أبواب الأجنبي من أجل البحث عن الزاد أو التسويغ، ولكن من أجل اقتراح مسارات وخطوط جديدة في جمهوريّة الآداب. المقارن رحّالة لا ينسى طريق العودة وهو يتقدّم داخل أراض جديدة. إنه وفيٌّ لبلده ولقومه، ويؤمن بأفضليّته على بلاد البرابرة. ويعتقد نارفال –صاحب رحلة إلى الشرق- بأنّ الفهم التام للآخر لا يتحقّق إلاّ بالانغماس فيه وعبر التّجربة الواسعة التي تُفوّضُ الذّات بالحديث عن الإنسان الشرقي. وكتمثيل لهذا الانغماس نستعرضُ تجربة فلوبير في مصر، وما هي التمثيلات التي أنتجها من خلال ترحاله هنالك، في بلد قد مثل دوما مركز الثقل في الوطن العربي.

لم يكن هذا الأديب الرحّالة من نمط المستكشف الكلاسيكي، منتج خطابات استشراقيّة كالتي عهدناها في مخزون الاستشراق الغربي في القرون الوسطى وعصور النهضة الأولى، لما كان العرب والمسلمون يتمتعون بمهابة شكّلتْ تهديدا وجوديّا للغرب. “كان “الشرق المتوسّطي بالنسبة إلى أوروبا، منذ أمد بعيد، الغير الأكثر قربا واحترابا، هو الآخر بامتياز لأنه مجاور لها في الجغرافيا كما في المخيال، فهو على التوالي غامض، مهدّد، غاو أو نابذ، وفي آن واحد مقفر وزاخر، متوحّش ومتحضّرٌ” [ هنتش تييري، الشرق المتخيل، ترجمة غازي برو ، خليل أحمد خليل، دار الفارابي بيروت/ المجلس الأعلى للثقافة –القاهرة، ط أولى 2004. ص]. أخذ فلوبير الرحلة إلى مصر بروحيّة الفرار إلى نمط من التمثيل لا يعتريه العقم والسّذاجة اللّذان ميّزا الخطابات السّائدة في فرنسا أوائل القرن التاسع عشر، والتي كانت تشيطن الشرق وتسقط عليه كل تمثيلات الحقارة والوضاعة، تلك المعاني المستوحاة من سجلات أرنست رينان وغوبينو وشاتوبريان وجب وغيرهم من الذين تورّطوا إلى حدّ التخمة في الشرط الاستعماري. لقد أراد فلوبير من هذه الرحلة أن تكون “ترياقا لما يقاسيه من سأم فكري تماما كما ينتظر من المناخ الدّافئ أن يعالج اضطرابه العصبي” علي بهداد، الرحالة المتأخرون: الاستشراق في عصر التفكك الاستعماري، ترجمة مصطفى أبو الهيجاء، مشروع كلمة هيئة أبوظبي للسياحة والثقافة، 2013، ص 125 ]. تطوَّف فلوبير وحيدا لساعات طويلة في صحراء السلوم متأمّلا سكونها الصامت، متجليا في عظمة قارة. ولعلّه المشهد الأثير لديه، بحيث أنه اتخذ من الشرق ملاذا صامتا من صخب مدن أوروبا التي بدأ التصنيع يغزوها، وبدأت القيم الرومانسيّة تتهاوى وتختفي من الذّائقة الغربية.

تشخّصُ الصّحراء بالنسبة إلى فلوبير مُنْصِتا مراوغا يثيرُ أزمة في علاقة المستشرق بالتمثيل. فلم يكن بمقدور فلوبير أن يردّد كلمة صمت إلاّ في الصحراء؛ فالصحراء هي شفير الواقع الشرقي، وما أن يبلغها المستشرق حتّى تقذف به في خواء خطابي وصمتٌ هو الموت. لم يكن بوسع الصحراء أن تبوح لفلوبير بسرها؛ فليس من ورائها إلا الخواء القاتل والفراغ الموحش والموت الأبدي؛ إنها الاختزال البليغ لخواء الحضارة العربية، والفكر الإسلامي المعادي للحداثة وللعلوم الغربيّة؛ الإسلام من منظور الاستشراق الحديث هو احتقار العلم، وإلغاء المجتمع المدني، إنه البساطة المروّعة للعقل السّامي.

يقول فلوبير “لقد ضربتُ في أرض القاهرة وحيدا تحت أشعة الشمس الجميلة (……) وتعمّقت في الأزقّة لأبلغ طرقا مسدودة. وكنت أجد من وقت إلى آخر ميدانا مكونا من بيوت دثرتْ، ومنازلُ هُجِرتْ، حيثُ تلتقط الدواجنُ أكلها وتتسلّق القطط الجدران بما يمثل حياة رائقة ودافئة ومعزولة”.

تكمن بلاغة هذه الصورة التمثيليّة لمدينة مثل القاهرة في قدرتها على اختزال بدائيّة حياة الشرق، وموتها الرمزي. إنها أقرب إلى الطبيعة منها إلى الثقافة. فبيوتها داثرة ومنازلها مهجورة، في إشارة إلى البداوة والترحال بحثا عن الطبيعة المسالمة. والقطط والدواجن التي تخلّى عنها أصحابها تقتات من بقايا البيوت ومن الحشرات. إنها مشاهد الخواء والقحط التي تميّز حياة الشرقيين؛ ومع ذلك فهي مصدرا للدّعابة والتسلية بالنسبة إلى رحّالة مثل فلوبير. فقد كان مستسلما للخدر الذي يسببه له وجوده في الشرق، وكان يمتع بصره بالمشاهدة، دون أن يكلف نفسه جهد الحركة والانخراط في تجربة عمليّة على غرار بيار لوتي أثناء وجوده في تركيا.

كان فلوبير يتملّى الشرق في ذاته عبر المنظر. يقول في هذا السياق “كنت أتخم نفسي بالألوان مثل حمار يتخم نفسه بالشوفان”، لقد كان مراقبا نهما، تبحث عيناه عن المشاهد البانوراميّة، التي تمكّنه من احتواء المشاهد في كليّتها وفي عمومها، ويسجلها بعدسته المقارنة، ويحيلها إلى الذّاكرة الرّحليّة. كان يريد أن يقبض على الشرق في لمحة واحدة وعاجلة. تزجّ هذه الرؤية بالرّحّالة المتأخّر فلوبير داخل استيهامه الإمبريالي المتعلق بالرؤية الكليّة كطريقة تحيط بالآخر داخل شموليّتها في زمن طبعه التبعثر وغياب التساوق والانسجام. لم يألف فلوبير تسويق الخطابات الرحليّة التي تحيل القارئ إلى المماحكات الاستشراقية المستفزّة، ولكنه ينتج مشاهد من خلال التسجيلات البصريّة، من شأنها أن تساهم في تشكيل شرق عجائبي، مثير للرغبات الدفينة التي كانت تتغذى من التجارب الكتبيّة للرحّالة منذ الطفولة. فقد انتشرت كتب المستشرقين والرحالة الغربيين في المكتبات الأوروبية وفي المدارس والجامعات وكانت تدعو إلى زيارة الشرق، والاستمتاع بدفئه وبنسائه الموهوبات والمتاحات للرجل الأبيض.

يستعرض فلوبير أحد المشاهد المألوفة في أدبيات الرحالة، المتعلقة بروح الشرق الذي دخلته أنفاس الغرب وحوّلته إلى ملهاة بائسة. “توفي ناسكٌ منذ فترة –أبله- كان قد اعتُبِر لزمن طويل قدّيسا، وقد اختاره الله. لقد جاءت إليه جميع النساء المسلمات يحلبن عضوه، وأخيرا مات إعياء” [ سعيد إدوارد، الاستشراق، ترجمة كمال أبو ديب، دار الآداب بيروت-لبنان، ط الثالثة 2004. ص 79.]. تتكرر مشاهد الشذوذ الجنسي في رحلة فلوبير، ويتعمّد هذا الرحالة الإمعان في الوصف المادّي الذي يخدش الحياء، وينزع المهابة عن شرق القرون الوسطى. ذلك الشرق الذي كان رمزا للأخلاقيّة والقوّة والسّلطة المعرفيّة، وظلّ مصدر تهديد لأغياره طيلة القرون الوسطى؛ وفي مواطن أخرى يصف لنا تجاربه الجنسية مع الراقصة كشك هانم ويسبغ عليها كل أوصاف الشبقيّة والحسيّة، ليترك انطباعا بأن نساء الشرق كلهن شبقيات ومتاحات على شاكلة كشك الراقصة العربيّة. وكشك إذا عوينتْ من زاوية أخرى رمزٌ مقلقٌ للخصوبة والأنوثة الصاخبة بصورة غريبة في جنسيّتها الرخيّة المترفة التي تبدو دون حدود. تُقرَأ كشك هانم من خلال سرديات فلوبير باعتبارها امرأة شرقيّة نمطيّة، فهي رمزٌ مقلقٌ للخصوبة، وهي بذلك نقيضٌ للمرأة الغربيّة القيمة بالمعنى المجازي للكلمة، فهي ليستْ متاحة، ولا هي مباحة؛ وتعني الخصوبة في هذا الفضاء السردي خصوبة الإيحاءات والظلال والاستيهامات التي توحيها المرأة باعتبار جنسها وجنسيّتها؛ وهي إلى ذلك (أي كشك) شبقيّة شهوانيّة ومثيرة إلى حدّ الجنون، ملهبة للمشاعر وللحسيّة بشكل صادم وشديد العنف. يربط فلوبير هذه الصورة التمثيليّة بحضور ميتافيزيقي كثيف. فقد “احتلّ منزلها قرب مصبّ النيل مكانا مماثلا بنيويا للمكان الذي يُخبّأ فيه حجاب تانيت الآلهة التي توصفُ بأنها حاضرة الخصوبة دائمتها في سالامبو”.

لقد حوِّلتْ كشك هانم إلى رمز للمرأة الشرقيّة ذات الخصوبة الجنسيّة العالية. وقد كان الشرق كلّه خلال تجارب فلوبير مثيرا حقا، موحيا بالعطاء والوعد الجنسي؛ ما من رحّالة يرغبُ في زيارة الشرق إلا وهو يتوق لمثل هذه التجارب. “إنه ليحسن بنا أن نقر أن الجنس بالنسبة إلى أوروبا القرن التاسع عشر بتبرجزها المتزايد، كان قد تحوّل إلى عنصر مؤسساتي إلى درجة بعيدة؛ فمن جهة لم يكن ثمّة شيء اسمه الجنس (الحر المباح) ومن جهة ثانية استتبع الجنس في المجتمع شبكة من الالتزامات القانونية والأخلاقيّة، بل وحتى السياسية والاقتصاديّة من نمط تفصيلي ومرهق دون شكّ” بفعل الثقافة الدينيّة التي كانت لا تزال تلقي بظلالها على المجتمعات الغربيّة.

كان فلوبير يريد أن يعرّي الشرق من كل جوانبه ويزيح سريّته، من أجل ذلك عمل بنصيحة كبار المستشرقين الذين سبقوه، فاستبدل ثيابه بلباس شرقيّ حتى يذوب وسط الأصلانيين، ويتمكن من زيارة الأماكن المقدّسة التي حُرِم منها الأوروبيون. خاطب والدته قائلا “لقد لبست إزارا قطنيّا وقميصا قطنيّا وسروالا قطنيا، وبنطالا من القماش، ومئزرا عريضا وربطة عنق كبيرة وسترة صوفيّة أرتديها فوق ثوبي في الليل وفي الصباح؛ ولقد حلقت رأسي واعتمرتُ طربوشا ووضعتُ تحته طاقمين صغيرين بيضاوين”. إنّنا نعلم أن اللباس هو رمز من رموز الثقافة، وهو من دواليل الهويّة والانتماء الطبقي والجنسي، ويبدو فلوبير من هذا التمثّل وكأنه قد سئم رتابة الحياة الغربيّة، ويريد أن ينغمس في عالم الغرابة والجدّة. تضع مسألة الزيّ مشكلة الهويّة موضع السّؤال: فأن تلبس ثيابا شرقيّة يعني معًا طريقة في إنكار هويّة المرء وشكلا من التحوّل إلى عالم الآخر الخيالي. إنها الرغبة في تحرير الذّات من الرتابة الأوروبيّة المُجَسَّدة في المعطف الأوروبي البئيس. ولعل هذا يحيلنا إلى بؤس الحضارة الغربيّة التي لم ترتقي بعد إلى مراتب النضج المادي والثقافي الذي أدركته أواخر القرن العشرين. ولذلك نجد شعراء أوروبا وأدباءها يتوقون إلى زيارة الشرق من أجل أهداف متعدّدة، وأولها الاستمتاع بدفئه وبغرائبيته. فكل شيء فيه مختلف وغريب وساحر إلى حدّ الإدهاش، وكل نصوص الاستشراق الأولى تلهب الحماس للحجّ هنالك. إن “حكايات ألف ليلة وليلة” قد أحدثت أثرا بالغ العمق في الوعي الأدبي والجمالي لدى الغربيين. إن الشرق الذي أنتج هذه النصوص، لحريّ أن يُزار ويُحتفى به، إن شهرزاد هي الأنثى التي بإمكانها أن تبعث الحياة في كل أوروبا بخصوبتها وبحساسيّتها المفرطة، وجنسيّتها الملهبة للخيال الرومانسي. لقد كان لهذه الحكايات التي ترجمها أنطوان جالون مفعولا سحريا مع مطلع القرن الثامن عشر في فرنسا، وعرفتْ إقبالا لا نظير له، نظرا لجودة الترجمة ونصاعة لغتها من جهة، ونظرا لكون القارئ الغربي كان قد سئم القوالب الجامدة للأدب الكلاسيكي، كما سئم الحياة الثقافيّة التي كانت لا تزال تتململ تحت عباءة تعاليم الكنيسة؛ “كانت كتابة الرحلات وسيلة مهمّة لإنتاج مفاهيم أوروبيّة مختلفة حول ذاتها من خلال علاقتها مع شيء أصبح بالإمكان تسميته بقيّة العالم” [ لومبا آنيا، في نظرية الاستعمار وما بعد الاستعمار الأدبيّة، ترجمة محمد عبد الغني غنوم، دار الحوار، سوريا، ط الأولى 2007. ص 67]. وهكذا يتحول الآخر -رغم أهميّة حجمه- إلى بقيّة العالم. والمفارقة العجيبة في هذا السياق المقارني، هو صغر حجم القارة الأوروبية مقارنة بالعالم العربي والإسلامي، وضخامة عمليّات الهيمنة الثقافيّة التي مارستها على هؤلاء من خلال التمثيل والأيديولوجيا.

لقد كانت الدعوة إلى التنوير لا تزال تكابد صلف رجال الكنيسة والحكومات الدينيّة التي تحكم قبضتها على حريّة الإبداع. وكان لا بدّ لأوروبا من الخروج من مأزقها الداخلي من خلال الانتشار خارج الحدود، واكتساب رصيد ثقافي إضافي يدخل مزيدا من القوّة على تمثيلاتها.

الاستشراق والصورة التمثيليّة
في نهاية القرن التاسع عشر يتراءى لنا رحّالة فرنسي آخر لا يقلّ شهرة عن سابقيه ولا عن لاحقيه، هو بيار لوتي، البحارة الفرنسي المغرم بالأماكن النائية، والإقامة فيها، والكتابة عنها. كتب رواية “أزياديه” و”راراهو” و”مادام كريزنتيزم”؛ والرواية التي تحكي مغامرات الرحّالة الفرنسي الجنسيّة في تركيا هي رواية “أزياديه”؛ انخرط هذا الرحّالة في الحياة اليوميّة للشرقيين، وتماهى مع أنماط عيشهم وعاداتهم، وتعلّم لغتهم، وهو في ذلك يخالفُ شاتوبريان الذي ينأى بنفسه عن تعلم لغات الشعوب التي يزورها في الشرق العربي. غير أن بيار لوتي اتّخذ لنفسه امرأة شرقيّة رافقته في إقامته، وعايشته أجواء غرائبية سحرية توحي بافتتانه بتجاربه. لقد أعطى لهذه التجربة طعمها المدهش حتّى غدتْ “تركيبة خرافية لمستشرق مهلوس”.

يدفع لوتي حركة التماهي مع الآخرين إلى حدودها القصوى، وسيكتب ذات يوم، وهو في إنكلترا إلى أحد أصدقائه في تركيا “يبدو لي أحيانا أن لباسي هو لباسكم وأنني الآن متنكّرٌ”. غير أن هذه الحالة من الذّوبان في الآخر ستنقشعُ كأنها الوهم في نهاية رحلته إلى اليابان، بفعل التمركز حول الإثنيّة وحول العرق الذي نشأ عليه الغربيّون بفعل الوضع الحضاري المتفوق للغرب. إن رؤية لوتي للتواصل بين العروق تتماهى وتنسجم مع مقولة جوستاف لوبون التي ترى أنّ هناك بين عرق وآخر مسافة تعادل تلك التي تفصلنا عن الحيوانات؛ وليس هناك إذن من وحدة للجنس البشري. إن لوبون ينفي وحدة الجنس البشري لأنه لم يكن قادرا على فهم ثقافة الآخر المختلف عنه، وليس لأن ثقافة ما، هي أفضل من الأخرى، أو أكثر تطوّرا منها. إنّ كل إنسان “يفهمُ نواة ثقافته الخاصّة وآفاقها التي لا تزال خفيّة بوصفه عضوا في المجتمع الذي أنشأ هذه الثقافة خلال التاريخ، ولكن كلّ إنسان يكون قادرا على فهم الثقافات الأخرى، وهكذا يكون هناك طريقٌ لوحدة البشر واتّحادهم” [ إدموند هوسرل، تأملات ديكارتيّة، التأمل الخامس، ص 91-92]. لم يكن الرحّالة الغربي قادرا ولا كان مستعدّا لفهم آخره والتواصل معه بنيّة المثاقفة وتبادل الخبرات والحقائق. لقد جاء الرحالة إلى الشرق بحثا عن الصور وليس عن الحقائق، وعن الغريب بدل البحث عن القريب. “كان الآسيوي مرادفا رائعا للغريب المدهش والمجهول السرّي والعميق والإخصابي”.

وإن شاعرا رحّالة مثل شاتوبريان، رغم افتتانه بطبيعة الشرق التي كانت لا تزال تحافظ على بعض عذريّتها، كان ينظر نظرة ازدراء للشرقيين، ويعتبرهم من تركيبة بشريّة منقوصة. إنهم عن الحريّة لا يعرفون شيئا، عن الاحتشام ليس لديهم شيء، القوّة هي ربّهم. وحين تمر بهم فترات طويلة لا يرون فيها فاتحين يطبقون عدالة السماء فإنهم يبدون مثل جنود دون قائد، مواطنين دون مشرّعين، مثل عائلة دون أب. إنهم غير قادرين على تمثيل أنفسهم ويتعيّن على الرّجل الأبيض أن ينهض لتمثيلهم ولإخراجهم من حالة الطبيعة إلى طور الثقافة. إنه الخطاب التحضيري الذي يتذرّع به الاستعمار لغزو الشعوب الأقل تطورا، من غير الأوروبيين. وقد شاعت الصور التحقيريّة للذّات العربيّة في الإعلام الغربي من أجل تبرير استعمارهم لدى شعوبهم.

“في الأفلام والتلفاز يرتبط العربي بالفسق أو بالغدر والخديعة المتعطشة للدّم، ويظهر منحلاّ، ذا طاقة جنسيّة مفرطة، قديرا دون شكّ على المكيدة البارعة والمراوغة؛ ولكنّه جوهريّا ساديّ خؤون، منحطٌّ، تاجر رقيق، راكب جمال، صرّاف، وغد متعدّد الظّلال”. تجمّعتْ كل صفات الوضاعة والنقصان والدونيّة في الإنسان العربي؛ إنه خطابٌ عدائي إلى أبعد الحدود، ولا نجدُ له مسوّغا أخلاقيّا ولا تاريخيّا مطلقا. فالغربي هو الذي أزعج سكينة العربي من خلال احتلال أرضه واضطهاده، ورغم ذلك سعى إلى شيطنته وتشييئه، وأحيانا إلى ردّه إلى أصل حيواني. “ولأنّ اختلاف الآخر مطلق فإنّ من الممكن قلبه رأسا على عقب في لحظة ثانية كأساس للذّات. بعبارة أخرى تصبح صفات الشرّ والبربريّة والفسق والفجور العائدة للآخر المستعمَر هي التي تجعل صفات الخير والطيبة والتحضّر والاحتشام لدى الذّات الأوروبيّة ممكنة”. إن النزعة الفرديّة أو الجماعيّة في احتقار أو سوء تقدير الثقافات الأخرى والأعراق غير الأوروبيّة أمر قد لازم جلّ المستشرقين والرحّالة الأوروبيين بدءا من الحروب الصليبية وإلى يومنا هذا. إن تلك النزعة هي التي نطلق عليها “المركزيّة الاثنيّة”، وتتلخّص بموقف من يعتقد أنّ نمط حياته أفضل من الأنماط الأخرى كلّها. وهكذا فإن رينان يذهبُ إلى أن الساميين وحدانيون متعجلون، لم ينتجوا تراثا أسطوريّا أو فنّا أو تجارة أو حضارة ووعيهم ضيّقٌ وحادّ الصّلابة؛ وبشكل عامّ فإنهم يمثّلون تركيبا دونيّا للطّبيعة الإنسانيّة. لقد دأب الغرب على اعتبار كل ما لا يتلاءم مع عوائده بربريّا.

إنه التفكير من خلال الأنماط الجاهزة التي تعبر عن الماهيات الجوهرانيّة والسكونيّة التي لا تخضع إلى أيّ تاريخية ولا تاريخانيّة. إنها أحكام تستند إلى عقل ميتافيزيقي، يفكر من خلال معطيات مجردة ولا علاقة لها بالوقائع أو الحقائق. إنّ قيم الثقافات المختلفة ومثلها هي غير معقولة وغير يقينيّة من ثقافة إلى ثقافة أخرى؛ وذلك هو السبب في أنّه لا يمكن أن يوجد شيء بوصفه مجتمعا مثاليّا أو ثقافة مثاليّة. على الثقافة الناظرة أن تتخلى عن تحيزاتها إذا أرادت أن تقترب من الثقافات الأخرى من أجل عمليّة مثاقفة حقيقيّة. ذلك هو السبيل الوحيد لمعرفة الآخر بوصفه مختلفا. لا يمكن ردّ الآخر لمقاييس الذّات الناظرة، أو تقدير ثقافة الغير انطلاقا من مفاهيم ثقافة الأنا. وهذه هي المحاذير التي وقع فيها الرحّالة الغربيّون في الشرق. لقد كانت حكوماتهم وجمهورهم في حاجة ماسّة إلى كتاباتهم، من أجل التعريف بشعوبهم؛ فمعرفة الآخر هي الطريق إلى الهيمنة عليه وتأبيد ضعفه وتخلّفه، ومن ثم خلق المبرّرات التاريخية والوجوديّة لاحتلاله وشلّ قدرته على النهوض واستئناف عمليّة اللحاق بركب الحضارة الذي لا يتوقف.

إن الذي يحصل اليوم بين الشرق والغرب هو امتدادٌ لعلاقات السيّد بالعبد، والمستعمِر بالمستعمَر، وعلاقة الرجل الأبيض بالرجل الملوّن. ولقد وضع الغرب آليّات طرد واستبعاد تمنع الشرق من المقاومة وتحقيق النهضة وتمنع انبعاث أمجاد الحضارة العربية والإسلاميّة. وإن نهضة الغرب ورفاهيّته مشروطة بهذا الاختلال الذي يحكم العالم. لا تزال التمثيلات الرهابية التي أشاعها الرحالة الغربيون والمستشرقون والأنثروبولوجيون شائعة في وسائل الإعلام الغربية وفي مذكرات السياسيين الغربيين والجواسيس والمبشرين السريين، ووكلاء الاستعمار. لا يزال العرب ضحيّة تمثيلات مشينة وعدائيّة، يكرّسها العمل الاختلاقي والميديا والسينما والمسرح والرسوم الكاريكاتوريّة.

الخاتمة
في ختام هذا البحث نكون قد وضحنا معنى الصورة التمثيلية وأنواعها، والنمط، وآليّات اشتغالهما في النصوص الرحلية والروائية والخطابات الاستشراقية. كما أنه تبين لنا العوامل التي دفعت بمنتجي تلك النصوص إلى توظيف الصور التمثيليّة والأنماط من أجل تمثيل من هم غير قادرين على تمثيل أنفسهم. وكان من شأن هذا التمثيل عن طريق النصوص أن يحدث تصنيفات اعتباطية للشعوب الأوروبية وغير الأوروبية، وأن يعيد توزيع قيم الخيريّة والشريّة بما يخدم مصالح الغرب ويبرر استعماره للآخرين.

إن الاعتداء على الآخرين له أشكال متعدّدة، ولقد مارسه الغرب ضدّ آخريه بطرق متنوّعة. ولا يزال هذا الاعتداء مستمرّا ودون ردّ. مازال العرب يخضعون لنفس التنميطات المحقّرة، فقط لأنهم مختلفون؛ ولأنهم يستندون إلى أيديولوجيا محافظة، لا تقبل التنازل عن مقولاتها. كما أنّ الغرب لا يقبل التنازل عن قيمه الحضاريّة التي يعتبرها جوهريّة، كما لا يقبل التدخّل في طرائق عيشه وأساليب تفكيره تحت أيّ طائلة. كما أنه لا يقبل التنازل عن امتيازاته ومواقعه المتقدّمة مطلقا. من أجل ذلك لا تزال بنية الفكر الاستشراقي مهيمنة على العقل الغربي، ورجاله لا يزالون يخضعوننا لتنميطاته ولتمثيلاته المسيئة. لقد برع هذا الغرب المستبدّ في صناعة الكليشيهات والترويج لها عبر العالم، وفرضها على الرأي العام الدّولي. فالإرهاب صناعة إسلاميّة، والدكتاتوريّة إنتاج عربي، والأنظمة الشموليّة ثقافة عالمثالثيّة. ومع انفتاح الحدود السياسيّة ووسائل الاتصال المعاصرة شاعت هذه الصور التصنيفية والاعتباطية وغدت تحظى بالقبول لدى فئات واسعة من شعوب اليابسة؛ بل إنها كثيرا ما برّرتْ حروبا مدمرة ومآسي وجراحات في أوساط الشعوب المضطهدة.

 
*باحث وأكاديمي جزائري

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق