ثقافة المقال

مسخرة واسمها المجمع اللغوي العربي في اسرائيل

بقلم: محمود أبو رجب*

الدولة والوزارة تعرفان البيضة والتقشيره، لكن الجمهور – للأسف الشديد – لا يعرف..  لمن لا يعرف فانه يوجد في اسرائيل مجمع للغة العربية يترأسه الدكتور محمود غنايم من باقة الغربية. وكان هذا المجمع أقيم بمبادرة وزير التربية والعلوم والرياضة السابق غالب مجادلة، والمرحوم موفق خوري رئيس دائرة الثافة العربية في حينه…. وهذا المجمع الكريم، لمن لا يعرف، يصدر مفكرة سنوية، ويعقد مؤتمرًا سنويًا يعرض فيه انجازاته.

وتظهر هذه الحفنة من “العلماء” و “الخبراء” باللغة وشؤونها، وكأنهم ينافحون عن العرب والعربية، لكنهم في حقيقة الأمر لا يتعدون كونهم ثلة من المتاجرين بالشعارات الكذابة، المنتفعين بالمتاجرة بأعز ما تملكه هذه الأمة او بما تبقى لها من لغة، وتراث، وثقافة بعد ما لحقها من هزائم عسكرية وحضارية!! ولعله من الأفضل لهم ان يتاجروا بما يشاؤون على ان يبتعدوا عن المتاجرة بهذه اللغة الخالدة!

كانت اللغة العبرية لغة ميتة حتى أوائل القرن العشرين، فنهض بها ابناؤها حتى أصبحت لغة حية بفضل ابنائها والناطقين بها، وهكذا هي جميع الأمم.. اذا قويت تقوى لغتها، ويقوى أدبها، وتقوى صناعتها، ويقوى جيشها… وعندما تنحط ينحط كل ما لديها. اما العربية، ورغم انحطاط اهلها فقد ظلت لغة حية لا تموت، لكن المؤسف، ان بعض مدعي الثقافة من ابنائها يصرون على وأدها، واعلان موتها بحذلقاتهم ومجامعهم المزعومة التي تولد ميتة سواء في مصر، او سوريا، او اسرائيل…

لقد كانت لبنان أصدق دولة عربية اذ اغلقت مجمعها اللغوي بعد سنتين من تأسيسه، وذلك من أجل توفير المال واستعماله للصالح العام… اما دولة اسرائيل “المهتوكة” فقد وفرت المال لهذا المجمع المزعوم بشكل لم يحلموا به لا هم ولا آباؤهم الأولون، هذا بالرغم مما يزعمونه بانهم يعملون تبرعًا!! ام تراهم يسعون لحب الظـهور، وليتبوؤا المناصب… وجميعهم -كما قال عادل امام- سيتبؤون.

هؤلاء النفر يعقدون المؤتمرات الشكلية التي لا يحضرها سوى نفر معدودين على الأصابع، فيغدّون الحضور لينفقوا حفنة مما ينعمون به… وغرضهم التباهي بمعرفة وثقافة مزعومة موهومة بالعربية لا تتعدى في الحقيقة ثقافة خريجي الاعداديات والثانويات. ومع ذلك تراهم يتنفخون وينتفخون كالديوك الرومية امام بسطاء الناس وعوامهم، وكأن عندهم علوم الأوّلين والآخرين… فتراهم يرفعون أصواتهم في محاضراتهم البائسة… ناسين حكمة الثعلب في كليلة ودمنة “لعل أنحس الأشياء اجهرها صوتًا”…

واليكم بعض الأمثلة المضحكة، والمثيرة للسخرية والاستهزاء مما جاء به هذه المجمع من ألفاظ يقرها بدلاً من الألفاظ التي يستعملها الناس. وعرضه بكل صلف، ودون ذرة حياء…

גרביים – قال المجمع: اللفظ الذي اتفق عليه: جوارب/كلسات ويضيف: “تبنت اللجنة صيغة تجورب، وتعني لبس الكلسات.

ويا سلام على هكذا فتح!! فما الجديد؟! وهذا “سغيف” سبقهم في قاموسه بـ٤١ سنة اذ ترجم في سنة ١٩٧١ الكلمة بـ “جوارب، كلسات”، ويذكر صيغة الفعل تجورب (صفحة ٢٧١)… وهي بالمناسبة صيغة معروفة وموجودة حرفيًا في المعجم العربي الأساسي الصادر عن دار لاروس في باريس سنة ١٩٨٩. هذا بالاضافة الى ان ابن شوشان يذكر ان كلمة גרביים مستحدثة من جورب العربية وقد جُعلت زوجية تمييزًا لها عن العربية!!

ويذكر المجمع المحترم كلمة מגפיים فيقول ان اللفظ الذي اتفق عليه:  “جزمة، والجمع جزمات، وجزم. وهذا هو الموجود عند سغيف (ص٨٥٧) وفي منجد العربية المعاصرة.. فما الجديد؟! ومن الذي اتفق على اللفظ المذكور، اهو المجمع ام  غيره؟!

ولكي لا نرهق القارىء نكتفي بالاشارة الى ان ما اتفق عليه (عند المجمع كما يفهم) بالنسبة لكلمات: מעיל، و סעיף ورد عند سغيف بشكل ادق ومع اضافات.

يقترح المجمع استعمال جبنة الحلوم بدلاً من كوتج… فمن هذا حلوم وما معناه؟! ويقترح جبنة الدانييلا بدلاً من دانييلا، وشوكو، او شراب الشوكولاتا بدلاًَ من  שוקו … وخبز مجدول بدلاً من חלה ونقانق بدلاً من נקניק … وباجيت بدلاً من בגיט ورقاقات بطاطا مقلية بدلاً من ציפס … ومتلوجة حليب بدلاً من ארטיק…

وغير ذلك من السخافات والترهات التي لا جديد فيها، والجديد منها ممجوح مرفوض عقلاً وذوقًا، ومنطقًا…

والسؤال الذي يطرح نفسه ما هو الخطر في استعمال هذه الكلمات مثل كوتج، ودانييلا، وارتيك، ونقنيق، وغيرها كما يستعملها الجميع من يهود وعرب؟ هل في ذلك خطر على اللغة العربية؟ التي حافظ عليها القرآن مئات السنين رغم محاولات تتركيها مدة ٤٠٠ سنة؟!

الا يعرف رئيس المجمع واعضاؤه ان جميع اللغات في العالم تتلاقح وتأخذ من بعضها، وان هناك مئات وآلاف الكلمات التي دخلت العربية من غيرها، ومئات الكلمات العربية التي دخلت اللغات الأجنبية؟ فما هذا التمحل؟ ما هذا التطريز، ما هذا الهذيان؟! وما فائدته؟! وهل سيكون بمقدور مجمع اسرائيل ان يمنع سنّة النمو والارتقاء والتطور، سنّة ان اللغة بنت الاستعمال؟!

وبعد أقول لا أعرف حقيقة من هم أعضاء ما يسمى بالمجمع اللغوي العربي في اسرائيل باستثناء رئيسه المذكور الذي كان يوقع مع المرحوم الاستاذ موفق خوري وبعد اسمه على مقدمات منشورات دائرة الثقافة العربية، ومع ذلك فقد استهجنت ما يأتينا به هذا المجمع من بهلوانيات لغوية ما انزل الله بها من سلطان، لا يحتاجها اي انسان، وتتنافى تمامًا مع نشوء اللغات ونموها وتطورها، باعتبارها كائنًا حيًا ينمو ويتطور، كما يقول العلامة المرحوم جورجي زيدان… فما الحاجة، والحال هذه الى هكذا مجمع؟! وما الحاجة لصرف مبالغ طائلة من ميزانية الدولة على ما لا طائل من ورائه؟! نقول هذا علناً على رؤوس الاشهاد وعلى مرأى مسمع من الجميع، دون ان نحاول الدس والوشاية كما فعل في حينه كبار القوم.

وبعد ان اوردنا طرفًا من ترهات هذا المجمع وسخافاته واستخفافه بعقول الناس البسطاء نورد الملاحظـات التالية ذات العلاقة بالموضوع.

الملاحظة الأولى: ان اللغة، اية لغة كانت، كائن حي ينمو ويتطور، كما ان اللغات، جميع اللغات تتلاقح وتؤثر في بعضها، وهناك مئات، ان لم يكن آلاف الألفاظ، في العربية من أصل غير عربي… كما ان هناك آلاف الألفاظ في الانجليزية، والفرنسية، والايطالية، والعبرية من اصول اجنبية وهكذا بالنسبة للعربية… يكفي ان نشير هنا الى ان كلمة ميناء بالعربية اصلها يوناني من “ليمين” وفي العبرية “نمال”.. من نفس الأصل، بعد ان احدثوا فيها القلب من التقديم والتأخير. وكلمات “المنبر، النفاق، الحواري، البرهان، الصحف، وحتى كلمة عنبسة (بمعنى الأسد) اصلها فارسي..

هذا بالاضافة الى ان كثيرًا من الكلمات التي دخلت العربية من الفارسية، او الهندية، او السنسكريتية، او اللاتينية منها الدولاب، السرداب، الطنبور، الفرسخ….

ومثلها كلمة شطرنج، و “قبس” (الواردة في القرآن الكريم – واصلها فرعوني) ، ونبي. ولمن شاء المزيد فليراجع كتب “تاريخ اللغة العربية”.

الملاحظة الثانية ان مجامع اللغة العربية في الدول العربية كانت مجرد مؤسسات عطالة بطالة، الهدف منها اشغال بعض المثقفين بما لا طائل من ورائه… وكانت لبنان اصدق دولة عربية بالنسبة لهذه المجامع اذ قررت الدولة اللبنانية سنة (١٩٢٠) باغلاق المجمع بعد سنتين من اقامته وذلك من أجل توفير المال واستعماله للصالح العام بدلاً من صرفه على ما لا طائل من ورائه أفلا تعرف دولة اسرائيل وحكومتها هذه الحقيقة؟! أم ان الغاية لديها تبرر الوسيلة.

الملاحـظة الثالثة- هذه الحفنة، الذين يسمون انفسهم اعضاء المجمع اللغوي يبدون وكأنهم ينافحون عن العرب، وعن العربية، لكنهم في حقيقة الأمر ليسوا سوى ثلة من المنتفعين (وليس بالضرورة ماديًا) همهم المتاجرة بأعز ما تملك هذه الامة، بالرغم من هزائمها الحضارية والعسكرية، ونعني بذلك لغتها، وتراثها، وثقافتها، وانفتاحها على اللغات والثقافة الأخرى.

الملاحظة الرابعة والأخيرة – ان اللغة العربية كانت لغة ميتة… لكنها بفضل ابنائها ونهضتهم تحولت في القرن العشرين الى لغة حية نابضة بفضل ما تقبله وتستوعبه من اللغات الأخرى، فلماذا يريدون تقييد العربية بحذلقات وفذلكات اشخاص لا هم في العير ولا في النفير.

*كاتب فلسطيني من الناصرة

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق