ثقافة المقال

ترك وصيته الى زوجته تسعة اشهر قبل وفاته، عمار بلحسن: أسافر راحلا نحو ليل

كتب: محمد عاطف بريكي

عندما أتذكر عمار بلحسن تنبلج الفجيعة في أسوأ تجلياتها، ربما هو طيف من الحزن مسني و أنا استذكر غيابه (19) من خلال رسالة الوداع التي بعث بها الى زوجته … قبيل سفره للعلاج بفرنسا في شهر ديسمبر من سنة 1992، كتب عمار تلك الكلمات و الحرقة تأكل دواخله  فاختار البوح متنفسا و الإعتراف خصلة، بعدما جال و صال في الحياة سواء من موقعه كزوج و أب أو من مكانه ككاتب و مثقف متنور. في آخر أيامه إختار عمار أن يعرج إلى خلاصة حياته فلخّصها في شكل رسالة و وصية تنبأت نفسه من خلالها عما قريب أنها لا محال ذائقة الموت. ما عاناه عمار لم يدرك كنهه إلا عمار. و ما أحس به في أواخر أيامه في صراعه مع الداء اللعين جدد من كيانه المتهالك و بعث فيه آخر شعلة للبوح كزوج و ككاتب كل ذلك و اكثر نطق به قلم عمار الذي تمنطق بوحي خفي من السماء جعله يتأرجح بين الفرح و الحزن، بين الأمل و اليأس… و فيض من الأحاسيس ضمّنها رسالته التي بعثها الى زوجته و هي في المستشفى،هي كلمات من متألم الى متألم من شفيع أمل الى زوجة مكلومة بمرضها من جهة و بمصاب أصاب نصفها الآخر من جهة ثانية … كتب عمار ما كتب  و هو يعيش صدمة الفجيعة بكل تفاصيلها كتب ما كتب  و الدموع ترقرق من مآق شاكية باكية لما آل إليه الحال لكن زاده  الخوف مما قاله الأطباء جعله يسارع الى الرحيل حاملا حقيبة الهم نحو فرنسا باحثا عن الشفاء و العلاج  لتمتزج لحظة الوداع قبل فراق الزوجة و الأولاد مع أويقات التوجع و الآهات المتقطعة لتتقاطع مع عرض حال لما عاشه و أحس به مع رفيقة دربه في حياة يرى أنها ظلمته أكثر مما أنصفته أو هكذا أحس بقلب أعياه المرض و البحث المضني عن الصحة و العافية مخاطبا زوجته فاطنة قائلا:”حاولت أن أكافح و أناضل و ابني عشي معك، ولكن الزمن لم يكن لطيفا معنا،تعذبنا كثيرا و لم نكن سعداء كما يجب، كانت حياتنا بحثا و سؤالا عن الهناء و راحة البال و الفرح…”

لم يكن عمار يحلم أن الحياة يمكن أن تنقلب على المرء في إغماضة عين و تتحول الى كابوس مرعب. لم يكن عمار يحس بألم الروح و بفجيعة المحنة بعدما أن غدرت به الأيام … هكذا كتب عمار و الفجاءة تغمر قلبه و روحه مما أصابه من قروح. لكن مع ذلك يبرق أمل في أفق أعماقه النقية يخبره بما مفاده …أن في نهايات النفق المظلم هناك أمل…أمل في عودة الأمل،كما وصفه … إنتصار الحب و الحياة. لكنه ما يفتأ ينكص على عقبيه من تأثير المرض … فنزر الأمل يسير بل و غير كاف الى الحد الذي يشمله بالراحة و السكينة مع هذا المرض المخيف، “الأفق أسود و حالك هو قدري” ثم ما يلبث و تنتابه خيالات إبنه أنيس  و هو يخاطبه :”لا تبكي بابا … فيروح يضمه و يملئ به صدره للحظات ! ثم يلتفت الى رفيقة دربه مخاطبا إياها :”يا أيتها المرأة التي لم تفهمني كثيرا … يتيمة و أعطتني ثلاث وجوه محفورة في ذاكرتي.. و حتى لو رحلت لن يستطيع الموت محو ضحكتها و لغتها و صراخها.”

ثم يودعها أمانة رعاية الأولاد في شكل وصية يحثها من خلالها أن تعتني بهم و تلقنهم حبهم لوالدهم الذي كان شديد التعلق بهم و يحبهم و يناضل من أجل أن يعيشوا سعداء ثم يسلم لها شعلة الحياة التي بدأت تخفو بداخله قائلا لها:” كافحي لكي يستمر جسدي و روحي في أبنائي لكي يستمر كفاحي من أجل العيش و الحياة و الثقافة و الإنسان.”

خرج عمار فقيرا من هذه الحياة الفانية ولم يكن له مدخول مادي بسد به رمق الحياة – كما جاء في الرسالة – سوى مرتبه الشهري من الجامعة  و منحة والدته … “لكم الله و منحة أمي و شهريتي” كانت هذه تركته التي تركها لمن بعده لكنه بالمقابل ترك أكثر من ذلك و حرص على أن يحفظ ميراثه من الزوال. نعم ، كان عمار غني  فقد  كانت خزائن  الرجل  مملوءة على الآخر و لذلك حرص على أن توزع أملاكه بالعدل كل و نصيبه طبقا لشريعة القلم و قانون الصداقة الحميمة و فريضة الثقافة والإبداع. تضمنت رسالة عمار الى زوجته فاطنة كل تفاصيل الميراث فأوصاها بما ترك قائلا:” أما كتاباتي و كتبي و أوراقي، فهي أمانة في يدك سلميها الى الطاهر وطار حتى يشرف على نشرها أو الإحتفاظ بها و تحضيرها للنشر و المحافظة عليها.”

أوصيك.. العمر حياة و موت. حافظي على كتبي و مجلداتي ( ووضع عليها خط) أتركيها لأبنائي أما الكثير فأختاري منها البعض و تصرفي في البعض الآخر بمشورة أخيك.

لك أيضا أصدقائي و معارفي: الزاوي حمزة بكل ما يتعلق بأمور مهنتي و أجرتي في الجامعة … الطاهر وطار في كل ما يتعلق بكتاباتي و تراثي و كتبي شاوريه و سلمي له الملفات و الكراسات التي تشمل كتاباتي.

بهكذا تركة خرج عمار بلحسن من تلافيف عالم لم يكن عادلا كما وصفه وحياة كلها نضال في جزائر لم تعطه سوى قرحة و وورم.كتب عمار ما كتب و هو يبكي، يد تعصر العبرات من جفون أذواها المرض و يد أخرى ترتب حقيبة الهم إيذانا بالسفر.”سأسافر غدا و بي أمل في العودة، كوني شجاعة،أمّا صامدة في وجه الزمن الغدّار، أحضني أطفالك و سيري شامخة .تذكري زوجا  أحبك و أعزّك و كان حزينا جل الوقت. لكن هناك أمل في النفق المظلم…هناك أمل في ألا يموت الأمل. أقول لك الى اللقاء.أقبلك و أتمنى أن لا يكون هذا وداعا.أقبلك زوجتي الحبيبة(أعمر) 08/12/1992 على الساعة 20 سا مساءا .

و يتجدد اللقاء … مات عمار الشجاع و في قلبه شيء من حتى . مات و قلبه مملوء بالحب . مات من فرط الحب . مات و هو يكتب الى آخر رمق فيه الى آخر بقعة حبر من قلمه الجميل و آخر كلامه لزوجته :” إجعلي من ابنائي… أزهارا و رجالا و نساءا مثقفين نظفين و مكافحين… كما أحببت أن أكون… رغم الداء و الهم و الأيام التي لم تكن جميلة أو لطيفة.. هو القائل ” إنني الحاضر يمضي /إنني الآت الذي/ قبل أن يأتي يفوت. الله يرحمك يا خويا أعمر.

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق