ثقافة السرد

عن رحلتي الى الجزائر: توالج (2)

مأمون أحمد مصطفى

المُدُن كالإناث، هذه تدهشك، وتلك تستفزُّك، إثارة الرَّغبة في الاختلاط والمزج صفةٌ لازمةٌ للانطباع المركب الذي يَمنحك إياه المكان، ومن عادتي كلما نزلْتُ أرضًا أن أستثير رغبتي في التمسُّك بالانطباع المتكون بعفوية عن اللحظات الأولى التي تُحاول استشراف المكان، أو بالأصح استشراف المكان لذاتي. ولمن لم يتنبّه لمفردة عفوية الانطباع المتوالد من اللحظات الأولى أقول: إنَّ الأشياءَ المدهشة والمثيرة لكوامن الاستغراب والصَّدمة، إنَّما تنشأ من ملامسة الحواس مُجتمعة للمكان الذي تراه العين لأول مرة في حياتها، وهي اللحظة التي تنقل الذَّات إلى الإعجاب والاستهجان المنتوج عن صدمة سريعة خاطفة غير مفهومة أو مدركة العوامل والتكوينات؛ بحيث تكون النفس موَّارة مُلتهبة مَشدودة منفعلة دون إرادة منها أو تَخطيط، ومثل هذه اللحظات نادرة الاستمرارية، وأيضًا نادرة الحدوث.

 

بدأت الدهشة المُستفزة بامتلاك اللحظة من الأجواء، حين وقع نظري على الامتدادات الخضراء الموغلة في التوسُّع والانطلاق، امتدادات عميقة تكْتَظُّ بخضرة متنامية مُتَّسعة مترامية تستطيع استنزاف الشمس التي تحاول الوصول إلى درجة السيطرة والتمكُّن والإخضاع، لكنَّها تبقى مشدودة إلى الدرجة ذاتها دون أن تصل إلى لحظات السيطرة والإخضاع، يردف كل ذلك البنايات التي تكاد تختنقُ من تلاصُقها واتصال حوافها بعضها ببعض، حتى ليبدو المشهد وكأنه يتعامل مع تلاحم بين الذَّات المرتفعة الصامتة، وبين الطبيعة الناطقة بإحساس الخضرة ورياح شواطئ المتوسط.

وحين أرسيت قدمي متخلصًا من رعب الارتفاع فوق المياه، بميناء بومدين، انتابني ذات الإحساس، إحساسٌ كبير ومُتنامٍ بأن المساحات الطويلة تنصبُ مَجموعة من الكمائن لاختبار قدرة الزائر على التقاط السر الأول فور دخوله الأجواء والأراضي الجزائرية.

وحين أرسيت حقائبي في الفندق، وسبحت في حمام دافئ، اتَّصلت بالسائق، كنت مستثارًا، أحاول اقتناصَ الثواني واستغلالَها استغلالاً كاملاً، وما إن وصل، حتى انطلقنا إلى حي القصبة، كانت المرة الأولى التي تطأ قدماي أرضَ الحي، لكنَّها أشعلت في أعماقي جموحًا متّقدًا للتفرس، والتدقيق، والتنقيب، مُحاولة سبر الأشياء والدلالات والرُّسومات والبنايات، وحين وقفت أمام الميناء، ودخلت المسجد الكبير ومساجد أخرى، أدركت أنَّني كنت خارج لحظات الكمائن المنصوبة إلَيَّ، عرفت أني امتلكت سِرَّ الدهشة ومِفْتاحها.

الرحابة والاتساع هما من مكوناتِ الدهشة التي تتوغَّل في الصدر، وتُضرم النيران في النفس، والشوارع، والأرصفة، والبنايات، والأراضي الخضراء، وأماكن التنَزُّه، والميناء، والأسواق القديمة، وبنايات المجمعات الحديثة، حتى مواقف السيارات، كلها وعلى إطلاقها تدعوك إلى فتح صَدْرِك بكل ما فيه مِنْ إحساس متوثب وطاقة كامنة للدُّخول في دوامةِ رَحَابة الأماكن واتِّساعها.

حين تجولت مع يوسف بن المهيدي، ودخلنا المتحف الخاص بتاريخ الجزائر، ووقفنا أمام مقام الشهيد، قلت له ذلك، وأضفت: إنَّ المجمعَ التِّجاري الذي نَمشي فيه يُشعرني بضآلة وجودي في مَمَرَّاته، بل إنه يبدو واضحًا بأن السرب البشري الذي أراه هناك يكاد يكون نقاطًا في ممر هذا المجمع، لم أقصد بالضآلة معنًى مخالفًا للذوق أو الخلق أو الثِّقَة، بل الشعور بعظمة ما تتجول فيه أمام رُؤى أخرى، فالرحابة تُضفي على النفس نوعًا من الهدوء الرائق المشوب بهيبة مغلفة برُقِيِّ عَظَمة تتبَدَّى في النفس كمشاعر من احترام وتقدير دون أي تَخطيط سابق لتشرب تلك العظمة أو تلك الهيبة.

تساند هذه الرحابة وعورة الجبال التي تتسلق ذاتها وتُحاول التعانُق مع ذُراها، لكنَّها تعود للانحدار باحثةً عن نقطة التقاء في أسفل الخطوات، ثم تراها مرة أخرى، توزع نفسها صعودًا نحو القمم المتفرعة المتلولبة، وكأنَّها تحتضن بأمومة صلدة منيعة ما تحتها كأي أم تنشر جسدَها ورائحتها على مولودِها، ثم تسحبه ليرى النورَ ويتعانق مع الشمس.

وقفت على حافَّة غير بعيدة عن مقام الشهيد، نظرت إلى جزء من العاصمة من هناك، الميناء الممتد على الشاطئ يَمنحك مزجًا هائلاً غير مدرك بين المسافات التي تعجز العين عن بلوغها، وهي تحدق بالمياه المتوغلة بالترامي والانتشار والتخفِّي، وإذا سارت عينك من الأسفل للأعلى بنظرات مدققة متفحصة، ستشعر بالهول الذي يَفجؤك إذا ما سَرَتْ برأسِك فكرة السقوط والانحدار نحو الأسفل، لكنَّ أمرًا مُشابِهًا للمدى المزروع بغيب البحر يصدِمُك الغيب المخبَّأ بين الارتفاعات المختلفة التي تخفي تحتها ما لا تستطيع العين إدراكه أو ملامسته.

في شارع أول نوفمبر وقفت مرة أخرى أمام البحر، السِّر المغلَق الذي يُحاول العالم فهمه منذ الخلق وحتى يومنا هذا، ونظرت إلى الأفق المُضَاء بروعة الشمس المنتشرة في كل الأشياء وكل الآفاق، وتطلعت من هناك صَوْب الجبال مرة أخرى، في مُحاولة لالتقاط مكونات السِّرِّ بين البحر والجبال وما بينهما من خفايا ومستغلقات، للبحر هيبة، وللجبال هيبة، لكنَّ هذه غير تلك، فهيبة البحر تكمُن في المجهول، بانتفاء المسافات الفاصلة التي تحدد العين وتضعها أمام حواجز، وهيبة الجبال تكمُن في قُدرتها على إحداث رَجفة العجز والضآلة الشديدة، للبحر فلسفته، وكذلك الجبال، أما فلسفة الجبال فإنَّها تعتمد على قدرتِها على امتصاص الطاقات وتحجيمها؛ لذلك ترى المتسلقين الذين يَصِلُون الذُّرى يتحولون إلى أبطالٍ حقيقيِّين، أما من يخفق فليس أمامه سوى النِّسيان.

سُئِلَ الجبل يومًا: من أتعبتَ؟ ومن أتعبكَ من الخلق؟

فأجاب: أتعبتُ الشابَّ حتى لم أُبْقِ فيه أملاً لترويضي، وأتعبني العجوزُ حتى لم يُبقِ في أملاً لترويضه، أما الشاب فقد أتعبته لثقته بنفسه حين قرَّر أن يروضني بما يَملك من طاقة وفتوّة وقوة، فما هي إلا خطوات حتى أجلسته يعالج لُهاثَه، وأما العجوزُ فرَوَّضني بما يَملك من صبر وأناة ومعرفة لحجم طاقته وقُوَّته وقدرته.

وسُئل البحر يومًا: من أتعبتَ؟ ومن أتعبكَ من الخلق؟

فأجاب: أتعبتُ مَن لَم يعرف تقلُّباتي وأنوائي وغضبي وسُكوني، وأخذتُ من ظن أنه عرفني وخبر غضبي وسُكوني، فدفعه غرورُه إلى لُجَجٍ ظن أنه بخبرته فقط يستطيع اجتيازَها، وأتعبني ذلك الصيادُ الجالس على قاربٍ صغير مُمسكًا بصِنَّارته منذ ساعات منتظرًا السمك دون إقحام نفسه بلُجَجٍ يُمكن الظن أنها رُوِّضَت بما يكفي لعدم الانتباه والحذر من غضبها وسكونها.

تلك الفلسفة أوقفتني كثيرًا أمام قدرتها على التعامُل مع الإنسان، حتى جعلته رغم أنفه يعترف بأنَّ الطبيعة التي ظن يومًا أنه روضها إنَّما هي طبيعة متبدلة، تتشكل بعيدًا عن إرادة الإنسان وقدراته، فهذه الجبال الممتدة أمام ناظري لم تكن يومًا هنا، كانت خفاء مستترًا في رحم الغيب والمجهول، إلى أن شاء الله، فكانت غضبةً عارمة من بركان لَم يستطع لَجْمَ أواره، فانبثق من عُمقٍ بعيد، وانطلق بكثافة عارمة متوقدة، لكنَّها حاذقة؛ ليتشكل ما هو أمام ناظري جبلاً يَملك من المنعة والقوة أضعافَ ما نظن وما نعتقد، ربَّما يكون البركان الآن يتحضر، يغلي ذاته ويؤجِّجها، يقدح قدراته؛ لينهارَ الجبلُ ويقفز مكانَه جبلٌ آخر.

هي ذاتُ الفلسفة مع البحر، ألَم يقُلِ العلماء بنظرية زحزحة القارات، وأنَّ الصحاري الموجودة في العالم اليوم كانت موطنَ البحار والمحيطات يومًا ما؟! أنا أصدق ذلك، كما لو كنت حاضرًا وشاهدًا على كل تلك التقلبات، لا لشيء سوى أنني أومن بحركة الأشياء كلها حركة دائرية لا نستطيع الادعاء أو التنبؤ بأول الدائرة أو نهايتها.

الرحابة والاتِّساع ذاتهما يَتسللان إلى نفوس الناس، رجالاً ونساء، فتلحظُ من بعيد الاعتدادَ والفخر، بكل ما سبق، وبالتاريخ، حتى بالآخرين، تنسحب الأشياء لتتداخل وتندغم بتكوين الناس، فهنا خضرة مزدحمة، وهناك تفجر جبلي، في الجهة الأخرى نفوس سَهْلِيَّة، وأخرى صحراوية، تتناوب الفطرةُ والطيبة قلوبَ الناس بدرجات، لكنَّها تتشكل في النهاية بؤرة من مجهول يتحسس المستقبل بطريقة مَذهولة، يكاد يكون فيها نوعٌ من النوم المتقلقل بين العمق والصَّحو.

وحين تتجول قليلاً بالأسواق الشعبية المكتظة بالمحلات المتصلة بعضُها ببعض اتصالاً وثيقًا، وترى الناس وهم يتجولون باحثين منقبين، متسللين لاهين – ينتابُك إحساسٌ غريب من نوعه، فرغم الرحابة تلحظ بالأعماق زوايا تسكنها العتمة، غير مرئية، لا تخضع للمجهر أو أدوات العلم، لكنَّها متوثبة، تبحث عن شيء واضح للعيان، كوضوح الشمس، لكنَّها لا تجده ولا تراه، رُبَّما أكون شاهدته يومًا، وربَّما أكون مبالغًا في قدرتي على المشاهدة، لكن الذي لا شك فيه أنَّ التوثب والتهيؤ والتسديد كلها مرسومة على ملامح الحيرة والذُّهول، وربما بصورة أصح، استشراف الآماد الخاضعة للفظ المستقبل وما يُخفي من أسرار وأحاجي.

تلك الرحابة لمستها من الأخت الكاتبة الجزائرية آسيا علي موسى، صحيح أنني طبعت في دار النشر الخاصة بها بعض أعمالي، إلا أنَّ العلاقةَ كانت علاقة ناشر بكاتب عبر تقنيات البريد الإلكتروني، لكنَّها – كإنسانة وأخت – أبت إلا أن تضيفَ للرحابة رحابة أخرى، حين قطعت مسافة طويلة عن العاصمة من أجلِ استقبالي في بلدها كجزائرية تستقبل ضيفًا عربيًّا، التزمت البقاء معي ومع الدليل الخاص بتعريفي بعض الأماكن، وهو شاب يافع رائع، اسمه محمد لاريجان، فجلسنا معًا في زقاق حي القصبة، وصعدنا الجبل؛ حيث كنا نشاهد كلما ارتفعنا قليلاً سِرَّ الرحابة والاتساع القادر على جعلك مملوكًا للدهشة والاستهجان، وكأنك في لحظاتك الأولى.

آسيا كانت امرأة عربية، من حفيدات عبدالقادر الجزائري، وشهداء الثورة، لم تدعني أدفع ثمن قهوة أو شراب، قالت: إنَّ كرمنا ليس في مقابلتِك في الشوارع والأماكن، إنَّما في بيوتنا، وتأسفت أسفًا شديدًا؛ لأنِّي لا أملك الوقت كي تكرمني في بيتها، الدليل كان رائعًا رائقًا، لم يتركني أغادر الجزائر دون مرافقتي للمطار وبحوزته هدية، كتاب بعنوان “أبحاث في التراث”، وحين وصلت المطار ودفعت حقيبتي للوزن، تنبهت الموظفة للهجتي، فسألتني عن أصلي، ولما أجبت بأني فلسطيني، تهللت أساريرها، وبدت الفرحة ممزوجة بترحيب وقالت: نحن نحبكم كثيرًا، وقبل مدخل الطائرة وعند التفتيش الأخير لحقيبة الظهر سألني أحدهم أيضًا عن أصلي، أجبته: فلسطيني، قال: “نحن نحترمكم ونحبكم”، كان الدليل محمد لاريجان قد قال لي وكنت أحتسي القهوة أنا وهو والأخت آسيا: “إنْ لَم تجد وطنًا في العالم العربي، فوطنك هنا في الجزائر”، ملامح آسيا أصيبت بالمفاجأة من وقع الجملة، لكنها مفاجأة الإعجاب الممزوج بالفخر.

دخلت الطائرة، وما إن استويتُ على الكرسي، حتى شعرت بضربة عميقة، فأنا أغادر الآن وطنَ الشمس والنور والبهجة، إلى وطن الجليد والظلام والكآبة[1].

——————————————————————————–

[1] إلى النرويج.

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق