ثقافة المقال

الكنيسةُ الإنجيليّةُ الصّهيونيّةُ

فوزيّة الشّطّي

يمثّل الإنجيليّون فرعا مِن المذهب البروتستانتيّ الّذي انشقّ في القرن 16م عن الكاثوليكيّة (مقرّها الرّسميّ هو الفاتيكان) بعد صراعٍ دمويّ طويل. وسُمّي ذاك ‘انشقاقا عظيما’ لأنّه شرخَ العالمَ المسيحيَّ بحجّةِ الثّورة الإصلاحيّة. أمّا التّسميةُ فهي مخاتِلة لأنّ الإنجيليّين لم يعتصمُوا بحبل الأناجيل المسيحيّة الأربعة بل بحبالِ التّوراة والتّاناخ والمشْناه والتّلمود وغيرها.
مِن أهمِّ نقاط الاختلاف والخلاف بين المذهبيْن، الكاثوليكيّ والبروتستانتيّ، هو الموقفُ مِن كتبِ الدّين اليهوديّ وما تحويه مِن عقائدَ دينيّة ومشاريعَ سياسيّة. فالكاثوليكُ يقدّسون، بمختلفِ شقوقهم لكنْ بدرجاتٍ متفاوتة، الأناجيلَ الأربعةَ (مَتّى، لُوقا، مَرقس، يُوحنّا). أي يُعطونَ الأولويّةَ المطلقةَ ‘للعهد الجديد’ الّذي يُنسَب إلى سيّدنا ‘عيسى بن مريم’. أمّا البروتستانتيّون فيُعطون القداسةَ الأعظمَ ‘للعهد القديم’ الّذي يمثّل النّصَّ الرّسْـميّ للدّين اليهوديّ، بل يقدّسون كتابَ ‘التّلمود’ الّذي يُعتبَر النّموذجَ الأقصى للتّطرّفِ والعنصريّة والتّخييل الأسطوريّ والعنف المطلَق ضدّ الآخر المختلِف (الغُويِيم بالعبريّة: أيْ كلّ مَن ليس يهوديّا).
في هذا البابِ يحتلّ الإنجيليّون، مقارنةً بباقي البروتستانتيّين، المرتبةَ الأعلى مِن حيث الوفاءُ لعُلويّةِ العقائد اليهوديّة على حسابِ العقيدة المسيحيّة ومِن حيث الولاءُ للمشروعِ التّلموديّ ‘إسرائيل الكبرى’ ومِن حيث الالتزامُ بالضّغط سياسيّا وشعبيّا وإعلاميّا وماليّا على الحكومات الغربيّة كي ترضخَ لإرادةِ الكيان الصّهيونيّ. على هذا الأساسِ العقائديّ يؤمنُ البروتستانتيّون عموما، والإنجيليّون خصوصا، بأسطورةِ ‘أرض الميعاد’ أي بصدْقيّةِ الوعد التّوراتيّ (ورد في التّوراة، سفر التّكوين، الإصحاح 15، الآية 18) الّذي يمنح مَن يدّعون أنّهم ‘العبرانيّون السّاميّون أحفادُ إبراهيم’ كلَّ الأراضي الممتدّة مِن النّيل إلى الفرات أي كاملَ فلسطين والجولانَ اللّبنانيّ وجزءًا مِن العراق وآخرَ مِن مصر مع الاستحواذِ على حواليْ نصفِ سواحل ‘البحر الأحمر’ وعلى القسمِ الشّرقيّ مِن ساحل ‘البحر الأبيض المتوسّط’ بما في ذلك قناة السّويس الرّابطة بين ذيْنك البحريْن. إذنْ، مِن وجهةِ النّظر الإنجيليّة اليهوديّة فإنّ ما يُسمَّى الآن ‘إسرائيل’ هو مجرّدُ نواةٍ أولى للمشروعِ الاستعماريّ الأضخم والأشرس في التّاريخ الإنسانيّ المعاصر، به ستُفتَّت دولٌ وتُقزَّم أخرى ويُحاصَر بعضُها ويُمحَى بعضُها الآخر محوا كاملا. وهو، بالاستنتاج المنطقيّ، تجسيدٌ للفصلِ الخاصّ بالشّرق الأوسط مِن ‘النّظام العالميّ الجديد’. فلكلٍّ مِن أوروبّا وإفرقيا وآسيا وأمريكا، نصيبٌ خاصّ مِن هذه المؤامرةِ الشّاملة الّتي تستنزفُ الأوطانَ على مهَل وتجتاحُ الشّعوبَ اجتياحا وبائيّا ممنهَجا.
يُعدّ المذهبُ البروتستانتيُّ الإنجيليُّ مِن المكوّناتِ الرّئيسةِ للمحافل الماسونيّة المحكومةِ يهوديّا. بل الأرجحُ أنّ مؤسّسيه يهودٌ متطرّفون تحوّلوا إلى المسيحيّة، على مدى قرون، تحوّلا زائفا خادعا كي يندسُّوا في الجسدِ المسيحيّ ثمّ يتسرّبُوا إلى مواقعِ القرار الدّينيّ فيه. ولأنّه كذلك فقد تجنّدَ لتدميرِ المسيحيّة مِن الدّاخل بنشر المذاهبِ الهدّامة فيه مجتمعيّا وكَنسيّا (عبادة الشّيطان، البيدوفيليّة، الـمِثليّة الجنسيّة، الفوضويّة العدَميّة..). وكان لتدجينِ الإعلاميّين والسّاسة والنّخبة المثقّفة بالتّرغيب أو التّرهيب على حدٍّ سواء، الأولويّةُ القصوى باعتبارهم القاطرةَ الّتي تقودَ الجماهير نحو الخلاص أو الهلاك.
حتّى يكتملَ المشهدُ السّلطويُّ، هيمن الإنجيليّون على الكثير مِن مواقع النّفوذ داخل المنظّمات المافيوزيّة. هذا لأنّ المافيا ليستْ معزولةً عن المؤسّسات الدّينيّة والسّياسيّة والماليّة. إنّما هي عضوٌ مؤسِّسٌ فيها مُنذ أن اشتدّ عودُها في تنظيماتٍ عابرة للقارّات متعالِية عن القوانين. وقد أضحتْ الآن اليدَ الطُّولى لما يُسمَّى عن حقٍّ ‘حكومةَ العالمِ الخفيّةَ’.
أمّا الكنائسُ الإنجيليّة فانتشرتْ شرقا وغربا بما لها مِن نفوذٍ ماليّ ودعمٍ سياسيّ. وهي ناشطةٌ في التّبشير داخلَ الدّول العربيّة (الشّرق العربيّ وشمال أفريقيا) نشاطا محموما لا يُضاهيها فيه أيُّ مذهبٍ مسيحيّ آخر، دُون أن ننفيَ نشاطَ باقي المذاهب في الخطّة التّبشيريّة. يحرصُ الـمُبشِّرون الإنجيليّون على تغطيةِ مشروعهم (ترويج العقيدة الصّهيونيّة) بأعمالٍ خيريّة شتّى: توزيعُ الإعانات للعموم، تبنِّـي الفئات الهشّة المهمَّشة اجتماعيّا (الأمّهات العازبات، المثليّون، الهاربون مِن البيت الأسريّ، الأقلّيات العرقيّة والدّينيّة، المدمنون على الكحول والمخدّرات..)، مساعدةُ فاقدِي السّكن القارّ بالأغذية والأدوية والملابس… فالعملُ الخيريّ أقصرُ طريقٍ إلى قلوب النّاس الفقراء البسطاء وأفضلُ مخدِّرٍ للعقولِ السّاذجة الجاهِلة بما يُحاك سرّا. وقد تفطّن تونسيّون ناشطون في المجتمع المدنيّ إلى تحالفِ المبشِّرين مع المافيا الألمانيّة لسرقة الأعضاء البشريّة مِن بعضِ فاقدي السّكن القارّ: المبشّرُ يصطادُ الضّحيّةَ بالإحسان المفتَعل حتّى يقودَها إلى ‘غرفة العمليّات’، والمافيا تؤمِّنُ الطّبيبَ المجرمَ الّذي يستلُّ الأعضاءَ المطلوبة، بموافقةِ صاحبها أو بدونها، ثمّ تُـهرّبها خارجَ الحدود لتبيعَها بأثمان خياليّة. فأبوابُ السّوق السّوداء مُشرَعةٌ في وجه ‘المسيحانيّين’.
إذا علِمنا ما تيسّرَ مِن التّاريخِ البروتستانتيّ الإنجيليّ، وأدركْنا ارتهانَ العمليّات التّبشيريّة بالمشاريعِ الاستعماريّة الغربيّة منذ عصرِ الاستكشاف في القرن 15م إلى الآن، واقتنعنا بأنّ الاستعمارَ الجديد يستلبُ العقولَ قبل أن يلتهمَ الأرضَ، وجب الإقرارُ بأنّ اعتبارَ نشرِ العقيدة المسيحيّة مجرّدَ تكريسٍ لحرّيّةِ المعتقد والضّمير المكفولةِ دستوريّا هو بلاهةٌ محضٌ. فما يرتكبُه الإنجيليّون ليس نشرَ ديانةٍ مّا بل ترويجَ العقيدة الصّهيونيّة الفاشيّة المغلَّفة بقناعٍ مسيحيّ. أيْ إنّ دورَهم سياسيٌّ لا دينيٌّ أو خيريٌّ. أمّا الغايةُ فهي غسلُ الأدمغةِ الشّابّة لجعلها مسلوبةَ الوعي والإرادة، مُنبتّةً عن شعوبها، معزولةً عن قضايا أوطانها، متنصِّلةً مِن كلِّ ما هو عربيّ إسلاميّ، مسكونةً بالحقدِ الطّائفيّ الأمازيغيّ (التّاريخُ والعلمُ الجينيّ يثبتان أنّ الأمازيغَ مِن أصل ساميّ عربيّ)، متحمِّسةً للتّطبيع مع الكيان الإرهابيّ حماسةَ غُلاةِ الحاخامات… حسبُنا الاستماعُ إلى خطابِ بعضِ الشّباب الّذي ‘اهتدى أخيرا إلى طريق يسوع’ حتّى نتأكّدَ أنّه طلّقَ انتماءَه واقتُلِع مِن جذوره وسقطَ في مِصْيدة الأعداء فاقِدا كلَّ أسلحةِ المقاومة دون أن يحظى بالسّلامِ الرّوحيّ المنشود.
ليس مِن قبيل الصّدفة أن يُنشئَ الإنجيليّون جماعاتِ ضغط (لوبيّات) جبّارةً في ‘الولايات المتّحدة الأمريكيّة’ وفي ‘البرازيل’، خاصّة وأنّهم يمثّلون المذهبَ الرّسْـميّ الحاكم بأمره هناك. وهي جماعاتٌ ذاتُ دورٍ حاسم في الشّأن السّياسيّ. والدّليلُ أنّ الدّولتيْن المذكورتيْن كانتا أوّلَ مَن سارع بنقل سفارتيْهما إلى مدينةِ القدس اعترافا بكونها، آجلا أم عاجلا، ستكون ‘عاصمةَ الإمبراطوريّة الصّهيونيّة الكبرى’.
على أساس كلِّ ذلك أعتبرُ إغلاقَ الكنائس الإنجيليّة في تونس وفي الجزائر وفي غيرهما مِن البلدان العربيّة والإفريقيّة قرارا سياديّا بل واجبا وطنيّا لا رجعةَ فيه. هذا لأنّها مؤسّساتٌ سياسيّة استخباراتيّة مافيوزيّة لا تمتُّ بأيِّ صلة إلى الدّينِ المسيحيّ الّذي نُجلّه ونكنُّ كلَّ الأخوّة والاحترام لمعتنِقيه.
 
تونس: 2019.10.17

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

رأيان على “الكنيسةُ الإنجيليّةُ الصّهيونيّةُ”

  1. جزيل الشّكر والامتنان على نشر مقالي.
    أرجو ألاّ يتوهّم أيُّ قارئ عاقل أنّي أعادي المسيحيّة أو أرفض الحقّ في حرّيّة المعتقد. أنا أبعدُ النّاس عن ذلك. بيد أنّي أفهمُ خطورةَ تسييس الدّين ودورَه العظيم في تزييف الوعي الجمعيّ. مِن أجل سلطتِه الرّوحيّة تلك يُستغلُّ لفرض الهيمنة الاستبداديّة المحلّيّة أو الاستعماريّة الأجنبيّة. ويقدر ما انتُهكت المسيحيّةُ لأهداف ملوّثة، استُغلّت الدّيانةُ اليهوديّة لإضفاء الشّرعيّة على الإيديولوجيا الصّهيونيّة الفاشيّة واستُغلّ الإسلام ُلتأبيد التّخلّف الحضاريّ وتحجيم العقول وإلجام الأفواه.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق