ثقافة السرد

الأمان الضائع

هدى توفيق*

تقبعين في زاوية الصالة الآن… تخشين الاقتراب من الباب.. فتلك المرأة أُمُّ الزوج ستأتي وتزعق كعادتها، أو ستخرج إلى الشارع وتذمُّ فيك أمام النساء المكتسيات بلسانهن، بعدها سيأتي الرجل أبو الزوج ويبدع في فنون البذاءة، طالبًا منكِ شقاء يومك.. فتضعينه تحت قدميه وأنتِ تُخبِّئين عينيك كنعامة، أما ذلك الزوج فكان مطلوبًا منه أنْ يبيع “الحلَق” الذي ورثتِه عن أمك، كي يسدِّد ديونه في صالات اللعب. هكذا تتكور الذكريات، ترقد تحت مخدتي، وأنا أحاول جاهدة أنْ أخفي دموع عينَيَّ، حتى لا يعرف أطفالي طعم الخوف، فكل ما أرجوه هو أنْ أمنحهم الأمان الذي لم أشعر به طوال حياتي. والخوف لا يتمثل فقط في تلك المرأة وذلك الذي يساومني على كل شيء حتى لحظات نومي…

فأنا لم أخبر أحدًا عما فعله رئيس الوردية في المصنع أمس، فإنْ أخبرت زوجي فلن يصدقني، لأنّ ذلك الشخص صديق حميم للعائلة، وسيقول إنني أكذب وأوجه إليه الاتهامات الباطلة. وعندما ذهبتُ إلى أختي الأسبوع الماضي كي أشكو إليها سوء حالي، طلبَت مني أنْ أخفض صوتي، لأنّ زوجها نائم في الغرفة الأخرى، وتخشى أنْ يستيقظ. لم يعد أمامي سوى أنْ أخضع للجميع.. أنْ أعطي كل ما أملك للرجل وللمرأة.. وأنْ أقنع زوجي بأنني في غاية السعادة.. وأنْ أصمت عما فعله رئيسي حتى لا يشكوني إلى الرجل وإلى المرأة، ويزداد كمّ خساراتي.

وفى النهاية، عليّ أنْ أظهر في شكل لائق أمام أطفالي، عليّ أنْ أكون قوية أمامهم.. جامدة.. صلبة.. عليّ أنْ أعطيهم ما لم آخذه من أحد أبدًا.

2

تسيرين وحدك وأنتِ تحملين العشاء.. تنظرين إلى النساء والرجال المتلاصقين المبتسمين.. تطل البهجة من أعينهم، وأطفالهم يرتدون ملابس العيد الجديدة، وينطلقون إلى الأمام وإلى الخلف.. فتكتمين حسرتك كي تهوّني على الصغار.

لا أدرى كيف حدث هذا، لكنه حدث في العاشر من أكتوبر.. وقع زلزال لم نعرف مثله من قبل، وكنتُ قد أنهيتُ ورديتي وفى طريقي إلى البيت.. لم تُخِفْنِي الأرض التي تتماوج حولي.. كل ما كان يشغلني أطفالي.. أخذتُ أجري.. أبحث عنهم، فهم كل ما أملك من تلك الدنيا الخائنة.. وحين وجدتهم مذعورين أمام البيت المنهار، كان عليّ أنْ آخذهم بعيدًا.. وأنْ أمحو تلك اللحظة الرهيبة من عقولهم الصغيرة، وأنْ أعطي فرصة لأبيهم كي يبحث عنهم.

*كاتبة من مصر

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق