إصدارات

الراسخون في ذاكرة الأيام (من العصور الإسلامية في المغرب والمشرق العربي)

الكاتب والمؤلف الجزائري: أبو محمد عبد الرحمن

هناك شخصياتٌ بقيت أسماؤها راسخةً منذ القديم، وهناك مواقفُ تأبى أن تُمحى من ذاكرة الزَّمن لحدِّ الآن؛ لأنها ثبتت بقوة عجيبة، وتشبَّثت جذورُها في أعماق الأيَّام والشُّهور والسَّنوات. لو قمنا بعملية مسح بسيطة من بداية التاريخ الإسلامي مثلا إلى غاية هذه الساعة، سوف نلاحظ أن هناك من شيَّدَ تاريخاً حافلاً بالبطولات، وصنع مشاهدَ لم تستطع القرونُ إلا أن تكتبَهَا بماءٍ من ذهبٍ في صفحاتٍ خالدةٍ. إنَّ الوقائع السَّابقة، وبعض تراجم الأعيان المشهورين، وذكر لمع من أخبارهم وأحوالهم وبعض تواريخهم، ومشاهد السنين والأعوام فيها فائدةٌ عظيمةٌ، وذلك ما يستفده النَّاظر إلى هذه السِّيَرِ، مع ما يرومُهُ من المنفعة، ويعتبر المطَّلع على الخطوب الماضية، فيتأسَّى إذا لحقه مصابٌ، ويتذكَّرُ بحوادث الدَّهر، إنما يتذكر أولو الألباب.

إنه لا يستطيع أحدٌ منَّا الإنكارَ أنَّ هناك نماذجَ من البشر تميَّزوا علينا، ووضعوا بصماتهم عبر العصور، وسادوا في وقتهم ثم برزوا في أوقات أخرى، حتى بعد موتهم؛ لأنهم فعلوا ما يستحقون ذلك. إنهم نماذج عجيبة تمكَّنوا من أن يحقِّقوا ما لا يمكن للكثير من جيلنا الحاضر أن يفعله، إن هذه الشخصيات المتميِّزة غريبةٌ حقّاً في طموحاتها وإرادتها، إنهم تمكَّنوا من أن يختلفوا على غيرهم. إننا لا نتحدَّثُ عن شخصيات جاءتنا من الفضاء الخارجي، ولا نقصد تماماً مخلوقاتٍ من عالَمٍ لا نعرفُهُ، إنهم من بني جلدتنا، بل إنهم من تاريخنا، وينتمون إلى مذاهبنا وديننا الحنيف، [إنهم الرَّاسخون في ذاكرة الأيام]، إنهم أصحابُ العزائم التي لا تُقهر، وأهل الهمم التي لا تنتهي، إنهم الذين ثابروا بكل ما لديهم من قوة للوصول إلى غاياتهم، إنهم الذين فعلوا كل طاقة يملكونها ليحققوا السعادة للبشرية، إنهم الذين لم يدَّخروا أيَّ مجهودٍ لكي يسودوا النَّاسَ بعدَهُم.

إنه لمن الرائع الوقوف على الأحوال الماضية من حيث هي، وكيف كانت؟ والعبرة بتلك الأحوال، والتنصح بها، وحصول ملكة التجارب بالوقوف على تغلبات الزمن، ليحترز العاقل عن مثل أحوال الناس، ويستجلب خيار أفعالهم، ويجتنب سوء أقوالهم، ويزهد في الفاني، ويجتهد في طلب الباقي.

عندما نتمعَّنُ جيِّداً في الحياة من حولنا، وعندما نرجع قليلاً إلى الوراء، نجد أنَّ البعضَ وضعوا وراءهم آثاراً، هذه الآثار تخبرنا أنَّ هناك بعضَ الشخصيات تركوا خلفهم رسائل، وتحمل هذه الرسائلُ تجاربَ وخبراتٍِ لأشخاص عاشوا كباراً وماتوا كباراً، وعندما نرجع إلى العصور الذهبية في أيام التاريخ الإسلامي، سوف نجد أن هناك أيضاً عظماءَ عاشوا عظماء وماتوا عظماء.

إنهم النماذج العجيبة، والشخصيات اللامعة، أصحاب المنزلة العالية، والمتميِّزون الكبار، والذين تفردوا في عصورهم، والنماذج أصحاب المراتب العالية، والذين برزوا في زمانهم، وأصحاب النجاح والتفوُّق، والسَّائدون الماهرون، والكتاب المتميزون، والأدباء البارعون، والرواد العلماء الشجعان.

إنهم الأبطال الذي انتشرت بطولاتهم في كل مكان، والنوابغ النادرة، والأذكياء النظار، والحفاظ المتبحرون. إنهم الشخصيات الذين جمعوا كل الفضائل، والأمثلة في الاجتهاد والعناية، والذين وصلوا إلى أعلى درجات الصلاح، والذين طاولوا الثريا، والفضلاء الذين عشقت أوصافهم الأسماع، وافتخرت بهم عصورُهم، إنهم الشخصياتُ الشَّديدةُ ذوو الهمَّة والمحنة، والمناصب والرئاسة.

إنَّ الذين تخرَّجوا من مدرسة الانتصارات، والذين نقشوا أسماءهم في الآفاق، والذين شيدوا أمجادهم، والذين سادوا في عصورهم، والذين وضعوا بصمتهم في تاريخنا العريق، هم حقّاً يستحقون الذِّكر، ومن خلال ذلك نعرف كيف كانوا يفكرون؟ وكيف كانوا يتصرفون؟ وإذا عرفنا كل هذا يمكننا الاقتداء بهم لنكون مثلهم، أو لنصنع جيلاً يوازي تلك الأجيال السالفة، حتى ننهض بهذه الأمة إلى الأمجاد الراقية.

إنهم رجالَ النَّهضة والتَّجديد، والمفكِّرين، ومشاهير الأدباء والزهاد الذين اعتكفوا على التصنيف والتحقيق، والباحثين المتميِّزين، والمناظرين أصحاب البراهين القاطعة، والذين أفنوا أعمارهم في تنوير المجتمعات من أعمدة الإصلاح.

إنهم الأبطال الشامخون الذين أنجزوا إنجازات تاريخية كبيرة، وملاحم راسخة، ودوَّنوا في يومياتهم أحداثاً كبيرة اهتزَّ لها العالم. إنهم أصحاب الطموح العظيم، والنجاحات الجبَّارة. إنهم منابع الشجاعة، والعلم، والحكمة، والعدل، والسمو.

إنهم النماذج الذي حيروا العقول، والذين جمعوا العظمة، والتواضع، والجود، والكرم. إنهم الذين قهروا الفتنة والذل، وضرب بهم المثل في الدهاء والشجاعة. إنهم صنَّاعُ المجد والمواقف الثابتة، الذين تفرَّدوا في العهد الإسلامي في مغارب الأرض ومشارقها.

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق