ثقافة السرد

جنون السيد عبد المقصود عبد الجوَّاد

كمال العيادي

علينا أوَّلاً أن نسجّل أنَّ السيّد عبد المقصود عبد الجوّاد كان قد وصل إلى القاهرة صباح يوم الجمعة، الموافق للخامس عشر من شهر مارس 2014، ومرّ من أمام ضابط ختم الجوازات؛ للدخول إلى التراب المصري، عند الساعة السادسة فجرًا، وليس كما قد يمكن أن يشاع من أنه وصل مصر رسميًّا قبل أو بعد ذلك.
والأمر غير قابل للجدال أو التشكيك؛ ذلك أنَّ التاريخ مدوّن باليوم، والساعة، والدقيقة، على الاستمارة الأولى، التي كان هو نفسه قد عبّأها خطأ، وأرجعها له الضابط؛ لعدم صلاحيتها؛ كونه، وبسبب وسوسته، واضطرابه غير المبرّر أصلاً، كان قد ملأ استمارة بيانات خضراء خاصّة بالمواطنين المصريين، عوضًا عن الاستمارة البنفسجيّة الخاصة بالزوار والأجانب، والضابط سجلّ بتلقائية، وبشكل آليّ، تاريخ الدّخول، قبل أن ينبهه الضابط الأقلّ رتبة بأنّ الاستمارة خضراء، وجواز السفر أحمر، وربّما كان للنوم أو الملل من الروتين دور في هذه الساعات الملعونة الأولى من الفجر، الذي بصق ثماني طائرات ممتلئة بالكامل، وأغلب ركّابها من المصريين ذوي البشرة القمحيّة الدّاكنة، مثل السيد عبد المقصود عبد الجواد؛ لذلك أعاد له يومها استمارته بحنق وغيظ، ورمى له جوازه بتأفف، وهو يشير بإصبعه صوب المكان المخصص لملأ الاستمارات، متلفظًا بجملة واحدة:
ــ بنفسجي من فضلك، أنت أجنبي يا أستاذ.
والسيّد عبد المقصود عبد الجوّاد، كما يعرف الجميع، عراقي الأصل، ومن ضواحي مدينة البصرة؛ رغم أنَّه يحمل الجنسيّة النمساوية. وحتى هو نفسه يعرف -تمام المعرفة- أنَّ جوازه النمساوي الأحمر لم يساعده – ولو للحظة في حياته – للتخّلص من وسوسته، وخوفه المزمن من قبّعات، وأنجم الضبّاط التي تلمع بشكل مُريب على أكتافهم العريضة، وحتى في بريق عيونهم الغامض أحيانًا.
وستقول لي طبعًا أنَّ السيّد عبد المقصود عبد الجوّاد يقرض الشعر، ويحسن كتابة القصائد الموزونة في الأعياد الوطنية، والمناسبات، فهو بالتالي شاعر، وكان ينبغي أن تكون علاقته بالنّجوم علاقة مودّة، وكان عليه أن يتعامل معها بشكل أقلّ توجسًا، خصوصًا وقد ثبت للجميع بأنه لم يتردد في التعبير عنها في قصائده بشكل لابدَّ وأنه كان رمزيًّا، وشاعريًّا، وبالتحديد حين وصفها مرَّتين على الأقلِّ في قصيدته الميمية التي كتبها سنة 2006 على بحر المتقارب، طبعًا، والتي يشبّه فيها النجوم باللآلئ. ثم لا ننسى قصيدته الطائيّة قبل سنة واحدة، والتي فاز بها بجائزة النادي الثقافي للمغتربين العراقيين بسالزبورج (Salzburg) رابع أكبر المدن النمساوية، ومسقط رأس الموسيقار العبقري الشهير موزارت، حيث يقيم منذ سنة 2004، بعد أن قُبل منه طلب اللجوء السياسي الذي كان قد تقدم به عن طريق منظمة العفو الدولية، في منتصف شهر أبريل من سنة 2003؛ أي بعد أقلّ من شهر على بداية حرب الخليج، والتي انتهت بإعدام صدام حسين فجر عيد الأضحى، في اليوم قبل الأخير من سنة 2006.
وقد تبدو هذه التواريخ ثقيلة، وغير مبررة للغافلين، المتسرعين الذين ينتظرون وجبات سردية خفيفة، وغير مكلفة، ولا تتطلبّ جهدًا، ووجع دماغ؛ بل قد لا تعدم وجود ناقد أصلع، أو حتى غير أصلع يدلي بدلوه، ويقترح عليك بعد إعادة قراءة نصك هذ التخفيف من ذكر التواريخ، مستشهدًا بمدارس نقدية جادّة، ومعترف بها أكاديميًّا منذ سنوات طويلة، وربّما تجرأ عليك صحفيّ فاشل من المغروسين في صفيحة صفحة إبداعية بجريدة ورقية ملوّنة، وسجلّ لك ملاحظة في عاموده البارز، زاعمًا – بعد الديباجة، وإبداء إعجابه بقصتك هذه- بأنّك تزج بالنسيج السردي في شوك الأرقام الصارمة. نعم، سيركز على عبارة الأرقام الصارمة، وقد يقرأ عليك هو بنفسه ما كتب، بمقهى البستان وأمام أصدقائك، وهذا عمومًا غير جديد عليك، بل من المؤكد أنّك ستتعامل معه بلا مبالاة، وأنّك ستستمع بانتباه، كما يتصوّر، وأنكّ ستفكر بجدية فور انتهائه من رشفة الشاي الأولى، وهو ينتظر ردّة فعلك بأنه عليك أن تزيد رقمًا، أو تاريخًا آخر تنتبه فجأة أنه ضروري لإنصاف السيد عبد المقصود عبد الجواد.
ولكن لنترك هذه المسائل كلّها جنبًا، ولننس الأمرّ كله فورًا، ولنسكت. نعم، لنسكت نهائيًّا، فالأمر بالنسبة لي متعلّق بالأساس بطبيعة شخصية السيد عبد المقصود عبد الجوّاد، وما حدث له صباح يوم الجمعة الموافق للخامس عشر من شهر مارس 2014، وانتهينا. كلمة، ونرجع للسطر.
بدأت الحكاية هكذا:
السيد عبد المقصود عبد الجواد، الذي هو كما تعرفون، لا يهتم كثيرًا بشبكات التواصل الاجتماعي، وبالتالي ليس له حسابات لا في الفيسبوك، ولا في التويتر، ولا في أيّ موقع إلكتروني. بل، والله، هو لا يعرف حتى كيفيّة البحث في جوجل، والمرّة الوحيدة التي استخدم فيها محرّك البحث هذا كانت للبحث عن أغنية لناظم الغزالي، أخبره أحد العراقيين الأكراد من رفاق السجن السابقين، وهو لاجئ بمدينة نمساوية أخرى، بأنه يمكن سماع ناظم الغزالي بسهولة بمجرّد كتابة اسمه في خانة جوجل المستطيلة. ويومها كاد يبكي من الفرح وهو يرى ناظم الغزالي بلحمه وشحمه ينشّ بيمناه في الهواء، ويرفل في سترته البيضاء والسوداء، وهو يُرقِصُ حاجبيه وعينه اليُمنى مرددا:
(يا حادي العيس عرج كي نودعهم – يا حادي العيس في ترحالك الأجل – ويلي من البين ماذا حل بي وبها – من نازلي البين حل البين وارتحلوا- إني على العهد لم أنقض مودتهم.. يا ليت شعري بطول الدهر ما فعلوا).
وشرب على الأغنية قنينة كاملة من العرق الممزوج بالماء المثلجّ، وهو يمخط في منديله الحريري الأزرق.
قلنا إذًا إنَّ السيد عبد المقصود عبد الجواد أمي تقريبًا فيما يتعلقّ بكلِّ وسائل الاتصال الإلكترونية، بل – وهذا بيننا – هوّ أمي حتى في بناء علاقات عادية مع بشر، من لحم ودمّ مثلنا.
ولا ننسى أنّ السيد عبد المقصود عبد الجواد قضى مدة عشر سنوات بسجن الزعفرانية ببغداد، ولم يخرج منها إلا فى أواخر سنة 2003، بعد أن أطلق سراحه لعدم ثبوت، أو وجود، ملف قضية، أو اتهام خاص به أصلاً. وقلّة هم من الأحياء يعرفون أنَّ السيّد عبد المقصود عبد الجواد لم يكن اسمه في الحقيقة عبد المقصود عبد الجواد خلال العشر سنوات التي قضاها في السّجن؛ بل كان اسمه (2121) !
نعم. وهذا ليس إفشاء أسرار، ولا يمكن لأحد أقرباء أو معارف السيد عبد المقصود عبد الجواد أن يُنكر ذلك الآن، بعد أن عرف القاصي والدّاني في كلِّ جمهورية مصر العربيّة أنّ السيّد عبد المقصود عبد الجواد اسمه في الحقيقة فعلاً (2121).
وهذا ليس لأنَّ الشعب المصريّ كلّه فضولي ويريد معرفة أسرار وفضائح خلق ربي من أجل التسلية وقتل الوقت لا غير. إطلاقًا، نحن جميعًا نعرف الآن، الكبير والصغير، والذي ما زال يدب على الحصير، أنَّ المتسبب الأوَّل والأخير في أنَّ الشعب المصري برمّته يعرف أنَّ السيد عبد المقصود عبد الجواد هو نفسه السيّد (2121)؛ هو السيّد عبد المقصود عبد الجوّاد نفسه، وبسبب توجسه ووسوساته وسوء ظنّه، وبسبب جهله بوسائل الاتصال.
ففي اللحظة نفسها التي رمى له فيها الضابط المصري ببوابة الدّخول للأراضي المصرية بجوازه النمساوي الأحمر، وباستمارته البنفسجية، فجر يوم الجمعة، الموافق للخامس عشر من شهر مارس2014 ، حدث أمر أرضيّ وسماويّ خطير، وتحرك وتر القدر من وراء الغيوم؛ ليعلن بدء العدّ التنازلي في حياة السيّد عبد المقصود عبد الجواد، وللحقيقة وللأمانة، ليس للضابط ولا لبروتوكولات التعامل مع الوافدين عند بوابات الجمارك بموانئ جمهورية مصر العربية أيّ مسئولية فيما حدث. ولا حتى للطائرات الخمس، التي أراد القدر أن تهبط في اليوم نفسه، ممتلئة بالركّاب، ولا حتى لما كان يحدث في مصر من تحوّلات خطيرة ومصيرية في تلك الفترة الحرجة من تاريخها. ولا يمكن أن نحملّ أحدًا المسئولية فيما حدث. ولا حتى شركة فودافون حسنة النيّة.
الوحيد الذي يتحمّل المسئولية كاملة هوّ السيّد عبد المقصود عبد الجواد، بصراحة.
ولو أنه كان ابتسم للضابط، واعتذر له عن خطئه، واستدار وملأ بطاقة البيانات البنفسجيّة الخاصّة بالوافدين الأجانب، وعاد للبوابة نفسها مبتسمًا، أو حتى لبوابة أخرى، وهو يرى أنّ هناك أكثر من سبع بوّابات متشابهة؛ لما حدث شيء، ولانتهى الأمر ببساطة، وخلال دقائق، ويا دار ما دخلك شرّ.
ولكن، ولأنَّ القدر كان قد نسج خيوط النهاية بدقّة ربّانية في غاية الإتقان والحبكة؛ فقد تلبّست فكرة مرعبة غريبة وشاذة في ذهن السيد عبد المقصود عبد الجواد في تلك اللحظة بالذات. وهي أنَّه غير مرغوب فيه، وأنّ الضابط أراد أن يختبره، وأنَّ للبطاقة البنفسجية رمزًا وشفرة ما، وأنه تحت المراقبة، و.. و.. و. وساوس يعلم الله وحده من أين جاءته، ولكن هذا هو السيد عبد المقصود عبد الجواد على كلِّ حال. وثمة الكثيرون سيرون أنَّ ما حدث طبيعي لشخص في غرابة، وانطواء، وتوجس، ورعب السيد عبد المقصود عبد الجواد، المواطن النمساوي الجنسيّة، والسجين العراقي السابق بسجن الزعفرانية ببغداد.
ولو أنّ السيّد عبد المقصود عبد الجواد كان يعرف أنّ شركة فودافون النمساوية هي فرع من شبكة عالمية مخيفة، اسمها شركة فودافون الدّولية؛ لما حدث ما حدث.
ولكن دعنا من التحسّر، والعواطف، ولنتابع الحكاية بحياد كما يستوجب، وكما تحدد مدارس السرد الكلاسيكية والحديثة المتفق عليها دوليًّا، ببنود عرفيّة غير معلنة، ولكنها ملزمة –تقريبًا- لكل كاتب سردي محترف وجاد، وخصوصًا إذا كان عربيًا، وليس له مرجعية وسقف نظري واضح يستند إليه.
ببساطة، وباختصار إذًا، هذا ما حدث بالضبط وبدون تدخل:
استدار السيد عبد المقصود عبد الجواد فعلاً، مبتسمًا ابتسامة ذليلة كما تعود حين يكلمه ضابط بلهجة صارمة، وتوجه إلى العمود الضخم المقابل عند الجهة الأخرى، قبل بوابات الدخول، حيث عشرات الجذاذات، واستمارات الدخول الخضراء، والبنفسجيّة، وحتى البنيّة، والرمادية، والحمراء. وبدلاً من أن ينتهي من الأمر برمّته، ويستنسخ البيانات نفسها من الاستمارة الخضراء الخاطئة التي بين يديه، حتى بدون الاضطرار مرَّة أخرى للبحث عن تاريخ إصدار جواز سفره النمساوي، ورقمه. بدلاً من ذلك، وبسبب ارتعاش أصابعه، وتسارع دقّات قلبه، وانقباض رئتيه، ربما فتح جهاز الهاتف الذي كان إلى حدّ تلك الساعة مغلقًا. ما الذي دفعه إلى فتح جهازه، وهو الذي يعرف أن لا أحد يعرف رقمه، وهو الذي يدرك أن الشريحة الجديدة التي اشتراها منذ يومين خالية من كلّ الأرقام. هي أسباب وهي تصاريف أقدار لا أكثر ولا أقل.
حين فتح السيد عبد المقصود عبد الجواد هاتفه الخلوي، وبدأ يسجل بياناته على البطاقة البنفسجية، وما كاد يكتب اسمه الثلاثي، حتى سمع صوتًا يصدر من جيبه. ولأنه لم يحدث في حياته أبدًا وأن تلقى رسالة عبر هاتفه الجديد، فضلاً عن أنه لم يمتلك في أيّ يوم من حياته هاتفًا خلويًا؛ فقد شعر بأنَّ رئته تقلصت، وتكوَّرت، وسقط قلبه على بالونة معدته، وسالت ركبتاه، وسال بين قماش سرواله الكتان الفاتح وفخذه خيط سميك من البول، وهو يقرأ العبارة التالية، مكتوبة بحروف عربية على شاشة جهازه:
– مرحبًا بك في مصر أيُّها العميل! مع تحيات (2121).
اسودت الدنيا في عينيه، وعادت ضربات قلبه مثل مراوح الهواء، وتضخمت حروف العبارة، حتى أصبحت بحجم المطار كله. العميل؟ أنا.. وفي مصر؟! وينادونني باسمي في سجن الزعفرانية!.. (2121).. انتهى أمرك يا عبد المقصود عبد الجواد. يا خراب بيتك، ويا ويلك يا منحوس.
تفاجأ جميع المسافرين من كلِّ الجنسيات بالسيد عبد المقصود عبد الجواد ينتفخ، ويزمجر مثل أسد جريح، وهو يتجه مكفهرًا، متوثبًا صوب الضابط المسكين، ويرميه بكلِّ ما أوتي من قوَّة بجهاز هاتفه الخلوي على وجهه، وهو يصرخ:
ــ عمييييييييييل؟ (2121)…… ؟!!
ثمّ نطَّ الحاجز بينه وبين الضابط، وأمسك بتلابيب ياقته العسكرية، وظنَّ الجميع أنه إرهابي يحمل حزامًا ناسفًا، فارتموا بذعر منبطحين على الأرض.
ثلاث رصاصات في الظهر، ورصاصة في الرأس. هذا سبب موت المواطن النمساوي العراقي الأصل، السيد عبد المقصود عبد الجواد، الذي، وبمعجزة لا يمكن حتى تفسيرها، عاش ثلاث دقائق كاملة…
حين سأله الرائد مجيب عبد المعطي عصام، بعد تفتيش سريع، مع مساعديه، وبعد أن تأكد أنه لا يتأبط حزامًا ناسفًا، عما أصابه ليهاجم الضابط بتلك الطريقة وينطُّ على الحاجز.
أجابه بصوت متكسِّر وفم مليء بالدماء:
– أنا لستُ عميلاً. أنا لستُ 2121 . أنا أحبّ مصر.
هذا كلُّ ما ذكره الضباط الشهود الثلاثة في تقريرهم الذي رُفع في اليوم نفسه للجهات المختصة، ووجهت منه نسخة إلى السفارة النمساوية بالقاهرة.

– توضيح: (2121) هو رقم خدمة العملاء بشركة فودافون بمصر.

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، غير ربحية تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق