ثقافة السرد

الكليم

صلاح معاطي

لو نسجت أيامه بهذا الاتساق الذي نسج به “الكليم” لفرشت تحت قدميه بسط ممهدة يسير عليها ثابت الخطى مستقر النفس.. يتمدد فوق الكليم متأملا قصاصاته وعقده، يدني عينيه بين الخيوط والمسامات.. هذه القصاصة من بنطلونه الميري حينما كان حكمدارا للسرية.. كثيرا ما شهد هذا البنطلون طوابير العرض التي كان يحضرها كبار القادة والضباط..
– تمام السرية يا فندم..
– دور
– كتفا سلاح.. جنبا سلاح.. للخلف در.. معتدا مارش..
وهذه القصاصة من الأفرول الكاكي الذي حضر حروبا ومعارك كان مغوارا فيها..
– استعد.. اضرب.. انبطح.. عشت يا رفاعي.. سلمت يداك..
رحمك الله يا رفاعي.. أصبت خلال إحدى العمليات.. وحملتك على كتفي وأنت تنزف حتى فارقت الحياة.. مازالت آثار دمائك على القصاصات حتى بعد أن صارت كليما..
وهذه القصاصة من السترة الميري التي طالما حملت رتبا ونياشين منذ التحق بالخدمة.. فكانت كل رتبة ونيشان كابن من أبنائه. ينظر لها قرير العين.. مستقر الفؤاد..
يرفع عينيه متأملا الأكلمة التي حوله على الأرض والمعلقة على الجدران في فخر وإجلال.. يعرفها من المواسم والفصول.. فالأكلمة الفاتحة من ملابسه الميري الصيفية والداكنة من الملابس الشتوية.. يسمع طرقا على الباب ويدخل مهدي صانع الأكلمة يحمل على كتفه كليما جديدا وهو يصيح:
– صباح الفل يا حضرة الصول..
أول كليم بعد ما ترك الخدمة.. أول كليم ملكي.. يفرده أمامه.. تتناثر فيه الألوان بشكل عشوائي ما بين الأحمر والأخضر والأصفر والبرتقالي والأزرق فبدت كفسيفساء مزعجة زاعقة يسمع فيها صراخ الفوضى وصيحات التراخي والبلادة.. ينتبه على صوت مهدي:
– مالك يا حضرة الصول تنظر إلى الكليم باندهاش..
يهز رأسه بينما لمعت في عينيه دمعتان:
– لا.. ليس كليمي..

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق