ثقافة المقال

الوقت الضائع

صفاء عبد السلام فرحات

دائما ما تنتابني الحيرة ويصيبني العجب عندما أتأمل الظاهرة الحتمية الحدوث لكل الكائنات الحية, ألا وهي ذلك التغير الذي يحدث فقط لمجرد مرور الزمن؛ فبمرور الزمن يتحول الجنين إلى طفل والطفل إلى شاب فتي, وبمجرد أن تمر عليه بعض الأيام والليالي وأن تشرق الشمس وتغرب يتغير لون شعره للمشيب وتتحول ملامحه من الفتوة والشباب إلى الكهولة والوهن حتى يصل لمرحلة يتوقف فيها الزمن بالنسبة له..وعندها تنتهي الحياة.
فهل للزمن من الأهمية ما لا يستطيع أي كائن حي أن يعيش دون مرور الزمن عليه؟ وما هي الفترة الزمنية التي لو مرت على الكائن الحي وخاصة الإنسان كانت لها الأهمية في حياته؟!
إن نسبية الزمن في الخلفية الشعورية للإنسان تختلف من شخص لآخر بل إنها تختلف من وقت لآخر عند نفس الشخص ..فأوقات السعادة يشعر بمرورها الشخص وكأنها لحظات بسيطة بدأت وانتهت في عجالة, بينما تمر لحظات الضيق وكأنها جبال من الوقت.. إلا أن الشعور بنسبية الزمن لا يغير من الواقع في شيء, فالزمن واحد لا يتغير, وهو من الأهمية لأن نستغل كل لحظة فيه استغلالا سليما قبل أن يتوقف وتنتهي الحياة, ومن الأهمية لدرجة أنه يمكن إنجاز أعظم المهمات في وقت قصير إذا تم استغلال الزمن جيدا, وليس هناك استغلالا للوقت أدق من استغلال الفيمتوثانية في حياة البشر.. والفيمتوثانية هي جزء دقيق جدا من الثانية استطاع العالِم أحمد زويل أن يستغلها من خلال اختراعه لميكرسكوب يمكنه التصوير خلال هذا الجزء الدقيق جدا من الثانية, مما أحدث تحولا جذريا في الكثير من المجالات العلمية من أهمها الفيزياء والطب وذلك على الرغم من كونه عالم كيميائي.
لذلك فمن الملاحظ دائما أن أصحاب الأعمال يقدسون “الزمن” مهما كانت ضآلته وذلك لأهميته القصوى في إنجاز المهام المختلفة
تلك هي الفلسفة الكونية للزمن, فالزمن يمر شئنا أم أبينا والحياة الدنيا تسير في ديناميكية محكمة أدركنا ذلك أم لم ندركه.
إلا أنه على الجانب الآخر من فلسفة الزمن هناك في المقابل فلسفة اللا زمن, بمعني السير عكس اتجاه عقارب الساعة؛ ففي خضم كل هذا الزخم الزمني, والأهمية البالغة للوقت نجد البعض يتخذ موقف المتوقف عن الزمن أو موقف اللا زمن حيث أنه لا يكترث ولا يعي لأهمية الساعات والأيام والسنوات التي تضيع من عمره بلا فائدة, فالقيام بإنجاز التفاهات وتقديمها على إنجاز الأولويات جعل الوضع سيئا للغاية, ومما يزيد الأمر سوء انتشار هذه الظاهرة لدى الفئات المجتمعية المختلفة على نطاق واسع؛ ما أدى لتفشي الأمراض المجتمعية؛ فانتشار البطالة لا يعد دليلا على انعدام وجود فرص للعمل وإنما من أسبابه القوية الإنغماس في فلسفة اللا زمن, وأيضا انتشار الجريمة وانتشار المخدرات وغيرها من مدمرات المجتمعات على نطاق واسع.
وقد انتشرت هذه الفلسفة أيضا داخل مؤسسات الأعمال المختلفة منذ وقت بعيد فثقافة “فوت علينا بكرة يا سيد” لا تختلف كثيرا عن ثقافة “السيستم واقع” ما أصًّل لدي الكثيرين التمسك بما يعرف بالروتين المتخلف داخل تلك المؤسسات حيث يتم تخليص الأعمال لدى أكثر من عامل وفي أكثر من مكان.
ويرجع الدور الأساسي في وجود الوعي بفلسفة الزمن أو الإنغماس في فلسفة اللا زمن في المقام الأول لأصحاب الدور التربوي في حياة النشئ سواء على المستوى الأسري أو المؤسسات التعليمية أو غيرها, فإدارة الزمن إدارة ناجحة تنبع من مدى التوعية التي يغرسها هؤلاء المربون في أجيال تجعل لديها القدرة على الرقي بنفسها وبأوطانها, ولعل هذا ما نفتقده في واقعنا الحالي حتى في أبسط الأمور.

 
*باحثة من مصر

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق