ثقافة السرد

فى ساحة الميدان

كارمن نواليا رودريجيث – ترجمة: احمد نور الدين رفاعي

غادرت آنا مع غابرييلا من المصنع بعد يوم عمل شاق، ووجدا في طريقهم تعطُّل حركة المواصلات العامة. ولم يعد من الممكن أن يعودا إلى منزلهن في هذه الأوقات.

وقتها قررا مثل كثيرٍ من الناس البقاء فى ساحة الميدان الصغير المتاخم لهما.

كان الفارق بين آنّا وغابرييلا، أن آنّا لم تكن تهتمُ كثيرًا بعملها، ولذلك لم تفهم

أو تأخذ شكاوى صديقتها الدائمة على محمل الجد التى تجعلها تطرح الأسئلة: لِماذا؟

كان عليها أن تتقبل العمل الذي لَمْ تكن تُحبه، والذي لا يُلائمُها، ويمحو كرامتها وسعادتها.

فلو كانت حقًا هذه الكلمة تشكل جزءًا من الواقع، وأنها لم تصبح أكثر من كلمة صانعة للأمل والمستحيل. فقد كانت الحياة لغابرييلا مفارقة عجيبة؛ فنحن نفعل ما لا نُريد بدافع الاحتياج،

ولكي نجلب المال للبيت. فالحياة بالنسبة لها، للأسف؛ حَلَّ فيها المال مَحَلْ هدوئها، وطاقتها، وروحها، وعليها أن تَدَعْ أمانيها في صندوقٍ بعيد لا يُمكن بلوغه، وذلك بسبب عدم وجود موارد

أو علاقات جيدة في عملٍ جيد، أو فرص؛ فلا شيء يُغيِّر احتياجها المُلحُ للمالِ دائمًا.

لَمْتَكُن آنَّا تَفهم غابرييلا، ولهذا السبب دون أن تعرض عليها ككُل مرةٍ بأن صديقتها تبدأ بشرح أفكارها أو التعبير عن استيائها، فقامت بالتهرب من ذلك، وولت اهتمامها لشيء آخر

فى الميدان الذي بَدا أكثر ازدحامًا، حينها فضَّلت مُتابعة الناس من حولها وتضحك فى صمتٍ

على الذين يرتدون ملابس غريبة، أو تعجب بفعل جيد يفعله أي شخص.

نظرت إلى الرجال الذين يعبثون بصناديق القمامة الخاصة بالمعلبات باحثين عن العُلب التي يفصلونها في كيس كبير، أو إلى السيدات اللائي يحملن في أيديهن أكياس الطعام، والسكارى، والعاهرات….

في تلك اللحظات الأخير بعد قضاء وقتًا لطيفًا لا بأس به بالساحة: أنظري إلى تلك النسوة

-قالت لغابرييلا- أشارت إليهن مباشرة وهي ذامة شفتيها –يُمكنك رؤية حياتهم البائسة،

أنتِ تعلمين أنهم يبيعون أجسادهم، وبالتأكيد هُن يتمشين بالساحة يبحثن عن شخصٍ ما

يَقبل خدماتهم، ومن المؤكد أنهن سوف يجدن ذلك الشخص قريبًا، ولن يتوجب على أي واحدة منهُن العودة إلى المنزل.

– من أي شيء ترتاعين يا آنا؟!

على الأقل، أظن أنني بِعْتُ نفسي لعدةِ سنوات… لَمْ تَفهم آنَّا صديقتها، وبعدها بلحظاتٍ استوعبت؛ أنه كيف كان لغابرييلا ممارسة البغاء؟!

لقد رأت غمزة العين الشهوانية التي قام بها رجلًا مَرَّ وأبتسم وقال شيئا ما، وهي حتى الآن مازلت مستمتعة بعاطفة المجاملة الصامتة التي حصلت عليها للتو قالت: “أنتِ تقولين اليوم أشياء غريبة”.

*/*/*/*/

** كارمن نواليا رودريجيث ولدت فى (غاتيري، ميراندا من عام 1975) ، تخرجت في كلية الآداب من جامعة فنزويلا المركزية. تعمل صحفية وتكتب المقالات والقصص والشعر؛ تنشر إنتاجها الأدبي بالعديد من الصحف على رأسها صحيفة ال ناسيونال، بالإضافة إلى حصولها على بعض الجوائز المحلية بفنزويلا.

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق