ثقافة السرد

عثرات تموز

بقلم: ندى ذياب فواز (زهــرة أريحا)

ما كان لشمس تموز إلا أن تترك بصمتها على وجوه الأشقياء ،في حرارة شمس تموز ،على جانب الطريق العام الذي تسير فيه سيارات وخلف نوافذها حكايات وقصص لم تحكى. القليل من الناس يسيرون في الشوارع العامة في منتصف النهار يترنحون من شدة الحر ،محدقين بأنظارهم إلى طفل لم يتجاوز العاشرة بعد ، يحمل بيده علب الحلوى والبسكويت ،مصدر رزق لعائلة صغيرة تسكن إحدى القرى المنسية ، أسرة قست عليها الأيام فتركتها دون معيل ، أم لا تقوى على الوقوف منذ أربع سنوات إثر تعرضها لإصابة في قدميها أثناء العمل في أحد المزارع ، زوجها توفي قبل أن تصاب بأشهر ، وفاة زوجها الذي كان يعيل أسرة بأكملها قصمت ظهرها، رحل عنها تاركاً وراءه ثلاثة أطفال ، أكبرهم فتاة تبلغ من العمر ثماني سنوات وفتى حسن الوجه لم يكمل السادسة بعد ، وأصغرهم طفلة كانت ضيعت طفولتها في عالم لا تعرف فيه إلا ألم الفراق، لم تكن لتعلم ما يخبئه الزمن من قسوة وعذابات يرهق بها كاهل المتعبين الكادحين ؛ يعملون من شروق الشمس حتى غروبها لأجل الحصول على لقمة العيش ، كان وما زال تموز يرهقهم حزناً .
كانت نحوالسادسة مساءً من ليلة الثالث عشر من تموز …
_” لم يعد سعيد يا أمي بعد ، والوقت متأخر ! “خاطبت جنى أمها والقلق يبدو واضحاً في وجهها
_ يبدو أنه منهمك في العمل ؟ هل حاولت الاتصال به ؟
– – نعم لكن دون جدوى ، سأرتدي ملابسي وأذهب لأبحث عنه
تزعزع كل ما في داخلها وأخذ قلبها يضطرب كعصفور بلله الندى، بركان يثور شيئا فشيئا في داخل قلبها الضعيف ، وتدفق سيل من الدعوات الحارة من شفتيها إلى السموات العلى بتضرع وخشوع ،مؤمنه بقدرة رب العباد على الإجابة ، تسللت دموعها إلى وجهها الشاحب حتى بللته.
– ماذا حل به ؟!
أيعقل أن تموز سيذيقها طعم الألم في كل مرة يأتي فيها ؟! هلّا يذيقها حلاوة العنب ولذته ؟!
ألا يكون لها من جماله حظ ونصيب؟

ركضت مسرعة ولم تربط حذاءها متجهة إلى المكان الذي اعتاد أخوها أن يجلس فيه لبيع البسكويت والحلوى ،ظلت تعدو وتلهث والرياح المحملة بالتراب والغبار تهب باتجاهها محاولة اقتلاعها من الأرض، تقاوم جنى وتتقدم خطوة فخطوة ، بعيدا على جانب الرصيف رأت طيفا فاتسع صدرها وأحست بأنها قد استطاعت التنفس بعد اختناق طويل ، غمرها الفرح وكأنها عثرت على كنز ٍ أفنت عمرها في البحث عنه.
اقتربت ونادته بصوت تخنقه العبرات: ” سعيد … سعيد .. آسفة ..آسفة ، كنت أظنك أخي ، هل رأيت فتى في التاسعة من عمره ، يرتدي بنطالاً أسود وقميصاً رماديا ، وقبعة زرقاء ؟
_عذراً أيتها الصغيرة ، منذ وقت طويل وأنا أجلس هنا لم أر أحدا بهذا الوصف. فالجميع الآن في بيوتهم قرب المكيفات الهوائية يحتسون شيئاً باردا في هذا الجو الحار ،وأمثالنا وفقط أمثالنا يا صغيرتي يجلسون في حّر تموز لا أبا يحنو علينا ، نبحث عما يسد جوعنا و يبلل عروقنا فلا نجد .
-آآآآآآ آه…!قالها بحرقة وحدق في الأرض كأنه مفكر في شيء ما.
ضاقت بها الأرض فعادت لا تعرف أي طريق تسلك ، تائهة لا تدري أين طريق النجاة ، بدأت تتخيل اخاها تائها يبكي وحيداً ، أو ملقى على الأرض وعلى وجهه آثار كدمات ، هزت رأسها محاولة تغييب تلك الخيالات السيئة عن ذهنها ، تركت الفتى الغريب جالساً وحده وتابعت البحث عن أخيها ، ولكن هذه المرة لم تستطع حبس دموعها التي انهمرت لتزيد وجنتيها حرقا ، ثقلت خطواتها ، ضعفت وبدأت المخاوف تتجبر وتتحكم في قلبها الضعيف، لقد تأخر الوقت وحل الظلام ،و لما تجده بعد ،بكت كثيراً ماذا ستقول لأمها ؟ّ! لا تدري ، هل ستراه بعد اليوم أم لا ؟!
عادت إلى البيت ترتدي الخذلان ثوباً ، والأحزان حول عنقها وشاحاً ، كادت تخنقها ، وجهها شاحب وبدت عيناها كبئر غيض ماؤه . وصلت مطرقة رأسها ، دقت باب المنزل ، فُتح الباب ظلت واجمة تصارع رغبتها في البكاء والنحيب، بيد أنها سرعان ما أجهشت بالبكاء لهول ما رأته ؛كان أخوها هناك ملقى على حصير حقير في وسط الغرفة، صريعا غارقا في دمائه جراء دهسه بحادث سير أثناء محاولته التنقل بين السيارات لبيع ما يحمله من بسكويت وعلكة.
تدافع الجيران نحو المنزل يشاركون العائلة المكلومة مصابها،وبدأت عبارات التعزية تغزو الأسماع والأذهان،وجنى تدفن رأسها في حضن أمها التي غيرت الحادثة ملامحها، لقد اصفر وجهها وأصبحت أكثر جمالا الآن.رفعت عينيها لتفهم سر هذا التغيير وهمست بصوت مفزوع:
– أمي …
أمممممممي…..-
صرخت بأعلى صوتها : أمــــــي …وأعادت النداء عسى أن تجيب ، لكن الأم غدت جسداً ملقى بلا روح ، جسدها بارد ،بارد جدا في تموز الحار ، عيناها بارزتان إلى الخارج ، لا نبض لقلبها الضعيف ، لن تسمع بعد الآن جنى صوت أمها ، لن تشم رائحة عطرها العابق برائحة الخبز والحليب ، حتماً لن تراها تبتسم بعد الآن ،دفنت رأسها مرة أخرى في حضن أمها وكأنها تتشبث بها وترفض فقدها، ووجهت نظراتها صوب جثة الصغير وقد كفنه الجيران ، وتحولوا إلى الأم لتلحق بصغيرها فلا شك أنه يحتاجها لرعايته، وجنى كبيرة نعم كبيرة بالقدر الذي يجعلها بلا أم.
عمت رائحة الموت المكان وضرب الحزن والبؤس خيمته في منزل جنى و التي ظلت لأيام لا تستطيع الوقوف على قدميها ، تمنت الموت غير مرة ، لعنت تموز ، وتوعدت بأنها سوف تقتله ولو بعد حين ، كانت تهذي بكلمات غريبة تصرخ وتبكي تبتسم و تضحك ثم تعود للبكاء مرة أخرى ، حتى تفقد وعيها .
مرت أيام العزاء ، وجنى تسوء حالتها يوما بعد يوم ،ولا زالت تلعن تموز وتتوعد بقتله ،
_”يبدو أنه نوع من أنواع الصدمة شفاها الله ،سمعت من زوجي أبي تحسين أن والدتها توفيت بسكتة قلبية، وتعلمين كم هي متعلقة جنى بوالدتها ،والفراق صعب ” هكذا قالت جارتهم أم تحسين لأم جميل بصوت منخفض .
_” رحم الله أم سعيد ، وأنا سمعت ذلك أيضا، يقولون أنها صدمت على فقدان ابنها سعيد .
وجنى تسمع تلك الوشوشات، تصر على أسنانها وتكظم غيضها ، قلبها مشتعل ، تسب بداخلها تموز وتلعنه . تذكرت قبل وفاة والدها بأشهر معدودات ورقة وجدتها عند باب مطبعة في الحي كُتب فيها ” سأذيقكم طعم المر ، لن أسمح بأن تقر أعينكم ولو للحظات ، تموز قادم في كل سنة وسأحرق قلوبكم ، كما تحرق شمس تموز كل شيء على الأرض “
– أيعقل أن تموز هو المتسبب في موت أمي وشقيقي؟؟؟ هل تموز شرير إلى هذا الحد؟؟ولماذا نحن هاااا؟؟ ماذا عن أولئك الذين يستجمون على الشواطئ ؟ ويلتهمون أشهى وأطيب المأكولات وألذ العصائر؟ ألا تقدر عليهم يا سيد تموز؟؟؟أجبني هيا أجبني.
هكذا صرخت جنى، ثم ما لبثت أن وقفت على قدميها وبين ضلوعها طاقة مدمرة، وقفت لتستعد لمواجهة تموز القادم.

*الأردن

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

رأيان على “عثرات تموز”

  1. ماشاء الله عليك أبدعت أخيه أوجعت القلوب لا حول ولا قوة الا بالله

  2. قصة رائعة فيها عمق إنساني ووطني…أرجو أن نقرأ لك مزيدا من هذه القصص الرائعة…وفقك الله

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق