ثقافة السرد

محاربة الفقر

احمد علي صدقي*

ذات يوم من أيام الله الجميلة، حملتني أفكاري بعيدا عن الكتب و المطالعة و قادتني الى التفكير في محيطي المستوحش.. سبرت اغوار مجتمعي فاصطدمت بصخرة اليأس القابعة في كل ركن من اركانه وهي الفقر والبطالة.. خلخل دواخلي سؤال حول هذا وهو:
– لماذا أقام الفقر ببلدان العرب وتشبت بأهدابها وفارق وطلق ديار الغرب طلاق ثلاثا؟ سؤال ابتلعني بشكل كامل كقشة تبن في فم بقرة.. بلعني الى عمق اغواره حتى نسيت نفسي وما انتشلني من أحشاء هذه اللغز إلا دخول جدتي علي.. حدثتها عن الموضوع.. جلست قربي وجعلت رأسي فوق ركبتيها وأدخلت أصابعها في شعري ثم بدأت تحكي لي حكاية غريبة حول محاربة الفقر.. فقالت:
– كان يا ما كان حتى كان الحبق والسوسان في حجر النبي العدنان عليه الصلاة والسلام…
كانت هناك سلطة ما، في بلد ما، اجتاحها الفقر وقظ مضجعها وأطعمها مر طعامه بما ذرأ من مشاكل اقتصادية وسياسية واجتماعية في البلد.. بعد تفكير سديد قررت محاربته والقضاء عليه بالمرة بدل كل تلك الحلول البسيطة التي كانت ترمم بها ما مزقه هذا الفقر من نسيج مجتمعها.. كان الفقر حينها رجلا يمشي في الأسواق ويأكل الطعام.. رجل جاهل و محتال وعنيد يخدم الذاتيين من اصحاب المناصب و يعين الظالمين على ظلمهم.. بلغ آذانه ما يحاك ضده في الكواليس فتعجب لما حصل و قرر مغادرة المدينة فورا.. فر الى قرية بعيدة لكي يخلص نفسه من هلاك إن هو بقي، وقع فيه.. سعدت المدينة برحيله وعاش الناس في رخاء وهناء وأمن وأمان.. غادر المدينة ليلا.. في غبش الفجر هجم على أرملة مسكينة واتخذ له كوخها مخبئا ومقرا.. أرغمها على التستر عليه و أن لا تفضحه إن هي أرادت سلامة نفسها.. ولما لم يجد عندها ما يقضي به مآربه، وهذا من غريب الأمر وفظيعه، ارغمها على بيع جسدها للغرباء لكي توفر له من المال ما يوفر به عيشه.. كانت السلطات تترصده فعلمت بمقره فهاجمت المكان واقتحمت على المرأة كوخها ليلا وأخذتها الى المخفر للتحقيق معها حول التستر على العدو مع امتهان الفساد.. أدخلوها السجن على دمة التحقيق.. ومن لم يجد من يسأل عنه بقي فيه.. بعد يوم من اعتقال هذه المرأة التي اصبحت تدعى بالمرأة “المفسدة”، ظهر الفقر في القرية المجاورة الأخرى وقد ناكد الناس إذ أصبح يقطع الطريق عليهم ويجردهم من ملابسهم و يتوعدهم بالقتل، بعد أن يأخذ منهم كل امتعتهم ويتركهم حفاة عراة يمشون في الطرقات بلا حشمة ولا وقار.. تريثت السلطة قليلا للقبض على زمام الأمر، ثم أرسلت الى القرية دورية للقبض عليه.. ترصدوا الرجل الذي أخفى عنده الفقر عنده بيته.. تجسسوا الخبر.. تابعوا خطاه حتى ألقوا عليه القبض. أخذوه للمخفر وأودعوه السجن على دمة التحقيق.. ومن لم يجد من يسأل عنه بقي فيه.. اختفى الفقر عند رجل آخر.. ثم آخر.. ثم آخر.. والسلطات تترصده وهو يرقبها و يتجنب السقوط في شباكها.. كانوا من يخفونه أو يشيعون به هم الضحايا.. كانوا يؤخذون الى المخفر على دمة التحقيق… وينسون هناك.. كلهم أبرياء ذنبهم الوحيد أنهم أخفوا الفقر عندهم. صاحوا وولولوا و دمعوا واستدمعوا وأقروا أن الفقر هو من ارغمهم على صنيعهم.. وما اخفوه إلا رغما عنهم إذ كان يهددهم بالموت ان رفضوه أو اذاعوا به.. ولكن لا حياة لمن تنادي.. تقوى الفقر حتى لم يعد يخشى أحدا.. استقر في قرية بعيدة عن المدينة ففكر في الزواج.. كانت هناك امرأة اسمها البطالة، تعيش بين الأغنياء، لم يتطلع أحد على وجهها الحقيقي لأنها كانت مقنعة.. فما كنه أمرها باحث ولا مثقف.. ألبسها انصارها من الاغنياء قناعا كانت تمشي به بين الناس كامرأة عادية و مهمتها خدمة مصالح من قنعوها.. تزوج بها الفقر فتناسلا وأصبحا مع ودريتهما الطالحة يجوبون البلاد بلا خوف ولا اكتراث.. انجبا ذرية من “المتشرملين والمتشرملات”، ما رأت المجتمعات القديمة أمثالهم.. يجوبون الطرقات.. يقتحمون البيوت.. ينهبون ويسلبون مخلفين وراءهم الخوف والرعب والجوع والتشرد .. زاد بطشهم، واشتد عودهم، فكونوا جيشا رهيبا وهاجموا المدينة.. احتلوا ضواحيها وجعلوا منها فضاء تدريباتهم وتحركاتهم.. وعندما نضجوا كجيش عرمرم، تسلحوا بالسيوف والسواطير وواجهوا السلطات.. قامت حرب ضروس لا زال ضررها يتألم من ضرره الجميع.. وعلى ما يبدو فالحرب لم تضع أوزارها بعد وقد مل شأنها و كره نتانة مخلفاتها الجميع وما تباين في الأفق هو أن هناك مشروع هدنة تدرس شروطه لتفعيله.. كونت سلطة ذلك البلد دورية في مأمورية للتواصل وأرسلتها الى ضواحي المدن والى القرى تجوب الشوارع والطرقات مذيعة بأبواقها قرار هدنتها مع الفقر للتعايش معه خوفا من تتفاقم الأمور والدخول مع هذا المتسلط في معركة ستحرق الأخضر واليابس وتنشر الفساد وتفقد الجميع الامن و تحرم الموطنين من العيش الرغد والراحة… انتشر الأمر فكان الامتثال له من الواجب لكي يعم السلام حتى يرى في الأمر فيما بعد…
اغتنم الفقر فرصة الهدنة و تفعيل القرار فتمكن من الاستقرار و كثر نسله من اللصوص و المنافقين، فاستولى بجيشه على عدة مواقع من البلاد.. استعمر البيوت وارغم الكل للرضوخ لقانونه ومن تمرد عليه أدخله السجن.. وكان هذه الهدنة سبب من اسباب استقرار الفقر في بلد العرب وهروبه من بلدان الغرب حيث يحارب…
شكرا لك جدتي لقد ارحتني بهذه الحكاية من سؤال كان يؤرقني وينهش فكري.. ارتحت وهدأت من روعي عندما علمت أن الأمر يسير بقرار..
خريبكة في 19/10/2019

* المغرب
طالب بالكلية المتعدة التخصصات بخريبكة
التابعة لجامعة السلطان مولاي سليمان ببني ملال

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق