ثقافة المقال

الفلسفة النسوية، أدوية منع الحمل والألعاب الجنسية.

بقلم: منصور زغواني

يعود اختراع أدوية منع الحمل إلى بداية النصف الثاني من القرن العشرين؛ حيث تم صنع هرمونات تحول دون التبويض عند المرأة وتساعدها على التقليل من تحمل آلام الولادة، كما تمكنها من تحديد النسل وممارسة حياتها اليومية بنوع من الحرية الفردية والاستمتاع بعيدا عن صخب الأولاد. ولا شك أن هذه الأدوية أحدثت ثورة علمية في المجال الطبي بحيث صار من الممكن التحكم في عملية الإنجاب، وهذا ما حدى ببعض الدول، خاصة الغربية منها، إلى تشجيع العائلات على استعمال مثل هذه الأدوية لأجل ضمان توازن ديموغرافي يمكن الدولة من توفير مختلف الضروريات الحياتية بالشكل اللازم. وهكذا تم تدعيم المختبرات الطبية بالوسائل الممكنة، وتطوير مجال صناعة أدوية منع الحمل لتوفير سبل الأمان للمرأة.
هذا ويبدو أن هذه الأدوية مجرد أدوية صيدلانية تنتمي إلى المجال الطبي بعامة، أو المجال الصناعي بعامة، ولا علاقة لها، بشكل أو بآخر، بأية أيديولوجيا، أو مبدأ ثقافي أو أونطولوجي أو نقدي أو أي مجال معرفي ما. ولكن الصواب أن أدوية منع الحمل هي نوع من التجسد الفلسفي على أرض الواقع، ونوع من التطبيق العملي لتنظيرات اجتماعية وسيكولوجية وتاريخية تبنتها المختبرات الطبية وقامت ببلورتها عمليا وأقامت على ضوءها أبحاثا ودراسات مختلفة حتى تم اختراع عقار يمكن المرأة من الخروج من براثن الولادة والأمومة والطبيعة التي قامت الثقافة بالصاقها بالمرأة.
إن المرأة الولود هي، حسب الطرح النسوي، مجرد اختراع اجتماعي، ومجرد زيف ثقافي احدثته مؤسسات (بالمعنى الذي يلحقه فوكو بالمؤسسة) ذكورية لأجل حصر المرأة في الحيز الاجتماعي والتاريخي الضيق وهو الإنجاب، ولهذا فإن صفة الإنجاب أصبحت صفة جوهرية في المرأة، وأصبحت طبيعة المرأة هي الولادة، وأصبح يطلق لفظة “الولود” على المرأة كلفظة يجب أن تشكل دالولا جوهريا يلحق بها. إن المرأة مهما ارتقت وتعالت فإن مردها إلى الإنجاب؛ فهي حسب الطرح الذكوري الغربي، كما ترى الفلسفة النسوية، آلة لصناعة الأجنة وتوفير الأولاد للرجل، وآداة يستعملها المجتمع للتربية الأجيال وتقديمهم إلى المجتمع لخدمة الدولة.
إن الإنجاب هو عنوان الميز الثقافي بين الرجل والمرأة، والوسيلة التي من خلالها تمكنت الثقافة من فرض منطقها الجنسي؛ بحيث قسمت المجتمع إلى رجل يحمل صفات جوهرية عديدة ومتعددة وامرأة صفتها الجوهرية الوحيدة هي الإنجاب، وهكذا تم الاتفاق على ما للرجل وما للمرأة؛ فالرجل له أن يكون ما يشاء وله أن يلحق بنفسه الصفات التي يراها مناسبة لكبرياءه وعلياءه، أما المرأة فمكانها عيادة الأمومة وسرير الولادة وصفاتها؛ الإنجاب، الحضانة، التربية، الطهي، الغسيل… وكل ما يلحق بشواغل الأبناء الذين فرضوا عنوة عليها من قبل التقسيم الثقافي الظالم؛ ولهذا فإن المطلب الأساس الذي حملته النسوة في الغرب، بعدما حملن مطلب المساواة السياسية والاجتماعية مع الرجل، هو مطلب المساواة في الطبيعة البيولوجية، وهذا المفهوم (الطبيعة) قد يكون بلا جدوى في سياق الفكر النسوي؛ لأنه لا وجود للطبيعي بل يوجد فقط ما صنعته الثقافة؛ أي “الثقافي”. ومطلب المساواة البيولوجية، هذا، هو الكفيل بتفكيك الادعاء الذكوري حول كون الإنجاب صفة جوهرية في المرأة.
إن أدوية منع الحمل ستمكن المرأة من الرد على الثقافة الغربية المتمركزة حول الرجل، كما يتمكنها من اسماع صوتها في المجتمع، ليس كمنجبة للأبناء أو ولود للأجنة، ولكن ككائن له حق الحياة بدون عارض ثقافي هو “الإنجاب” أو الولادة. وبالتالي تكون النسويات قد نجحن في استدراج الثقافة إلى أيديولوجية المرأة المتحررة من الولادة، أو المرأة التى نزعت رداء الأمومة عن كاهلها وأصبحت ندا بيولوجيا بالنسبة إلى الرجل، وهكذا، أيضا، يتم الرد على تاريخ طويل من التمركز الذكوري وتاريخ أطوي من الصناعة الثقافية للمرأة باعتبارها وسيلة للانجاب والتربية.
ولو عدنا إلى ستينيات القرن الماضي إلى اليوم لوجدنا أن هناك استعمالا كبيرا للألعاب الجنسية عند النساء في الغرب؛ حيث اتنشرت الاعلانات الاشهارية التي تشجع النساء على استعمال مثل تلك الألعاب، ووضعت لذلك ندوات وحملات تحسيسية بالوسائل التي يجب استعمالها لتحقيق أكبر قدر من اللذة والأمان، وانشأت جمعيات نسوية توصي بضرورة استعمال تلك الألعاب لغايات علاجية – نفسية. ومن المعلوم أن ممارسة الجنس بين الرجل والمرأة في الغرب منذ فترة الستينيات قد أصبحت متحررة، وهذا ما يصطلح علية “بالحرية الجنسية”، ولكن استعمال الألعاب الجنسية شاع بكثرة؛ وهذا يعود، في اعتقادنا، إلى وجود أفكار فلسفية أشاعتها الفلسفة النسوية تشجع تلك الممارسات الشاذة؛ بحيث يمكن الاستغناء عن الرجل المتمركز حول ذاته، وذلك عبر استخدام بدائل جنسية تمكن المرأة من التحرر من تبعية الرجل جنسيا، وبالتالي فإن المرأة ستصنع عالمها الخاص بها بعيدا عن سلطة الرجل وبعيدا عن مخلفات الثقافة الذكورية.
ويمكننا الاستعانة بالمصطلح الذي اجترحه عبد الوهاب المسيري، للتعبير عن الانتقال الاجتماعي الذي حدث في الفرب في النصف الثاني من القرن الماضي وهو “التمركز حول الأنثى”؛ هذا المصطلح الذي يعني أن الحركات النسوية في مرحلة ما بعد الحداثة قد انتقلت من السلطة الذكورية باعتبار الرجل مركز الكون إلى المرأة التمركزة حول نفسها باعتبارها مركز الكون، ولعل الألعاب التي تستعملها المرأة في الغرب بعيدا عن سلطة الرجل هي أكبر تعبير على ذلك الانتقال، فالعملية الجنسية بعدما كانت عملية مشاركة بين رجل وامرأة لأجل غايات يحددها الطرفين، أصبحت عملية تتم بوجود امرأة بشرية وآلة اصطناعية تستجيب لرغبات تلك المرأة، وبذلك، لم يتم التخلص من السلطة الذكورية أو التركز الذكوري فقط، بل تم التخلص من الرجل نهائيا، وبالتالي، التخلص من الضرورة الوجودية لاستمار الجنس البشري؛ وهنا يمكننا القول أن الصناعة مردها إلى الفكرة، والفكرة ترد بدورها إلى الاعتقاد، والاعتقاد أساس الفكرة والصناعة.

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق