قراءات ودراسات

البلطة.. رواية خارقة كتبها صاحبها في عشرة ايام

ناجي ظاهر

صدرت الترجمة العربية الاولى لهذه الرواية ضمن سلسلة “روايات الهلال” الشهرية المصرية، بترجمة الكاتب القاص المبدع يحيى حقي، عام 1972، واعادت السلسلة ذاتها اصدارها في طبعة ثانية، عام 2008، كما صدرت ضمن مشروع “الكتاب للجميع” المشهورة، مرفقة بصحيفة “السفير” اللبنانية عام 2015، يقول مترجمها إن ما قاده الى قراءتها وبالتالي ترجمتها، سأمه وهو في الشيخوخة من قراءة كتب التاريخ والفكر فقد حدّثته نفسه بأنه فيما تبقّى من عمره، لن يهدر وقته في قراءة الأدب وهو خيال بحت وتفنن واختراع وابتكار، وخير له أن يقرأ ما يبدو أقرب الى العلم والى الحقيقة، وأصابه السأم أيضاً من قراءة الأدب الذكي المليء بالأحابيل والحيل والتفنينات، ويمكننا ونحن نقرأ تصريح يحيى حقي بأنه يعني بالأدب الذكي شيئاً كأدب جيمس جويس او وليام فوكنر او دوس باسوس. حقي لا يصرّح باسم وإنما يقول إن رواية من نوع آخر، شفته من هذا السأم هي رواية الأديب الروماني ميخائيل سادوفيانوف.
هذه الرواية، من الأدب الروماني المعاصر وموطنها بلاد رومانيا، تجري حوادثها في منطقة الكربات الجبلية وتروي مأساة هبطت على أسرة من الرعاة، عندما خرج عميدها نيقيفور ليبان ليشترى النعناع من سوق بعيدة فقتله اللصوص بالبلطة وانقطعت أخباره عن زوجته فيكتوريا. زوجته رأت أحلاما وسمعت صيحة ديك على باب بيتها فأيقنت أنها إنذار لها بان شرا قد حاق بزوجها، وبعد أن استشارت الفال وأودعت بصيص أملها في السحر، أدركت أن لا بديل لها من أن تتولى أمرها بنفسها، لا تعتمد على احد، لا تسترشد إلا بعقلها، فإذا بها المرأة الجاهلة المسكينة قعيدة البيت تتفجر بقوة لا يمتلك مثلها اقوي الرجال، إرادة وعزما ومجابهة للمخاطر بشجاعة، تركت ابنتها الصبية مينودورا في الدار وكان بنقصها بلوغ سن النضج فركبها دلع العذارى وهفت إلى الحب والمغازلة، سرا من وراء ظهور أهلها، واصطحبت فيكتوريا ابنها الصبي غيورغيتا، وهو راع مثل أبيه، وركبت معه الزحافة، تشق بها دروبا وعرة في ارض مجهولة، حجت أولا إلى دير للتشفع بالسيدة مريم والقديسين، ثم مضت في طريقها تتبع أنباء زوجها حتى بلغت مكان مصرعه، وكشفت سره وثارت له من قتلته.
تطغى الحوادث البوليسية، كما هو واضح من هذا الاستعراض، على الرواية، إلا أن ما يبرز فيها، كما يقول مترجمها، هو تمجيد الأم وان كانت بطلتها امرأة مسكينة وجاهلة، ويوضح مترجم الرواية قائلا: رغم أن هذه المرأة مسكينة فإنها تتحلى بنوع فريد من الشجاعة، أين منه شجاعة أشجع الشجعان، أما الرواية ذاتها فإنها تشد انتباه قارئها وتستدرجه لمتابعة أحداثها بفضل حوادث ترقق قلبه لفيضها الزاخر بالعواطف الإنسانية في توازن محمود.
مؤلف هذه الرواية هو الكاتب الروماني ميهاييل(ميخائيل) سادوفيانوف، كاتب قصة وصحفي وسياسي ولد عام 1880 وتوفي عام 1961، وهو كاتب مشهور وحصل على العديد من الجوائز، يميل إلى وصف القرية وحياة الرعاة وخصائص الفلاحين في بلاده، اشتهر بأعماله ذات الطابع التاريخي وروايات المغامرات، بالإضافة إلى كتاباته البيئية، من أشهر رواياته: عائلة سومارشي، الإخوة جيد، علامة السرطان، وروايته هذه البلطة، وقد كتبها عام 1930 حينما كان في الخمسين من عمره.
أما تأليفه لروايته هذه فقد تم بعد حكاية طريفة نسج أحداثها الواقع، وتمثلت في انه تلقى ذات يوم هدية عبارة عن بلطة، نقشت على صفحتها زخارف من رسم الزهور يرجع صنعها إلى القرون الوسطى، عندما تناولها راح يتحسس بإصبعه حدها المرهف وهو يتخيل الضربات الفظيعة التي تهوي بها هذه البلطة وشدة خطرها في يد الأشرار، فراح يتأملها ويسألها كم سجلت بأحرف من دم فتكات لها على دروب جبال يعرفها كما عرفها آباؤه وأجداده حق المعرفة.

يقول يحيى حقي، إن هذه البلطة احتلت ذاكرة مؤلف الرواية سادوفيانوف، ورقدت قد لا يتحدث عنها، غير انه لا ينساها، إلى أن جاءه ذات يوم راع هرم يزوره بين الحين والآخر، هو رب قصص وحكايات ونوادر، روى له من قبيل السمر، إحدى فتكات بلطة مماثلة وقعت في ربوع جبال دورنا.
حديث هذا الراعي ظل يشغل فكر سادوفيانوف، فإذا به يعلن بعد أيام قليلة بلهجة حازمة كالعهد به، وهو الرجل الأشقر العملاق، عن عزمه على السفر إلى دورنا، كان قد رسم لبطلة روايته الطريق التي ستقطعها فتتبع في سفره هذا الطريق، يسير فيه على اثر خطاها لا تفارقه البلطة المهداة إليه وكأنها شبح ملازم لا يطيق بعادا عن صاحبه وتجاوز دورنا وصعد الجبال، حتى بلغ أعلى قمة لها تسمى صليب الطليان، لفح وجهه هواؤها البارد وملأ انفه ورئتيه، كما حدث لفيكتوريا بطلة روايته واطل على الصمت المخيم على أغوار سحيقة تتكتم أسرارها، وروى له الريح والسحاب مأساة نيقيفور ليبان كلمة كلمة، ثم نزل إلى سهل سوبا حيث شاء له خياله أن يكون، موضع دفنه وثأر زوجته من قاتليه، فتعود بعده إلى قريتها قريرة العين راضية النفس بان عظام زوجها تثوي في ارض الآباء والأجداد.
بعد رحلته هذه عاد سادوفيانوف إلى بيته، ليكتب روايته بنوع من الحمى، وهو لا يكاد يطفئ النور في غرفة نومه، وانتهى من كتابته لها في نحو العشرة أيام، يقول مترجم الرواية إن مؤلفها كتب وفق هذه الطريقة كل مؤلفاته التي نافت على الأربعين، باندفاع متصل ونفس واحد، وأخيرا وصل إلى النهاية، المخطوط كامل على مكتبه واضح الخط بلا إضافة بين السطور بلا شطب كلمة.
النقاد والقراء استقبلوا هذه الرواية بعد صدورها بحماس كبير، وبلغ من شهرة مؤلفها انه عاد بعد سنين إلى شواطئ نهر سوبا، التي جعلها مسرحا تدور عليه حوادث روايته هذه، البلطة، فاخبره الناس هناك انه لم يأت إلى ربوعهم زائر غريب إلا وسال أين قبر نيقيفور ليبان، لقد أصبح بطل هذه الرواية لدى الرومانيين جدثا يزار كما يزور الفرنسيون قبر ” غادة الكاميليا”.

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق