ثقافة السرد

خيّرون

بسمة الشوالي – تونس

-1-

قتّر في الشّفقة تقتيرا، وبذّر في السّباب فيما كان يجرّ الخادمة على سجّاد الصالون تتراكلها قوائم الأرائك وكراسي الأبنوس:

– يا كلبة، سألقي بك خارجا لتنهشك الضّواري السّائبة.. لا يليق بك هذا النّعيم..

وصفق الباب عنفا يصدّ عن عواء الصّغيرة المجروح.

إثرئذ، أقبل السيّد رحيم على ضيفته الجديدة بدرا يضيء لونها الغسِق. مسفرا كان، رؤوما كنسيم عليل. صدرُه المعشب حشيّة من ريش النّعام تريح عليها جسمها الصّغير. مخمل الكلام يهفهف كستارة على شبّاك الغرام، واللّمسات فيض حنان يمسّح على الظهر.

أخذها إلى المغطس برفق. حممّها بعطر. دلّك جسمها بِوَلَهٍ. لفّها بقطن مناشفه الرّفيع. مشّط شعرها بمقبض الفضّة. حلّى رقبتها بطوق يرصّعه الماس. حضَنها في غاية اللّطف حتى الصّالون الفخم، وأجلسها على ركبتيه. وفيما كان يدغدغ فرو جسمها النّاعم بأصابع مرهفة محبّة، رفعت يمناه وجهها المنمنم إلى شفتيه تقبّلان ربوة أنفها الورديّة:

– سوزي، كهرمانتي السّوداء.. ! يا كلبتي الفاتنة

-2-
تلمّست تعرّجاته، انتصابه الفاره، منخفضاته، حدباته، ربطة فُوّهته المحكمة، تلمُّس مغرم منهك هدّه اللّهاث خلف الغاية. كان الفرحَ الذي تسوّلت مدى أشهر فيما تطرق الأبواب جميعها: المنازل، الدّكاكين، الأنهج، الزّناقي، معطوبي الكلى، سلال المهملات..
– لله يا محسنين غطاء قارورة..
غداً تُسلِّم للجمعيّة الخيريّة الكيسَ المحشوّ بأغطية القوارير البلاستيكية وتستلم بدلا عنه الكرّسيّ المتحرّك. غدا تتّسع دائرة الحريّة في حياة ابنتها المصابة بشلل دماغيّ.
باكرا، كانت تتكوّم مرهقة يخضّها النّعاس المتقطّع على باب مقرّ الجمعيّة من قبل أن تفتح بابها. في فناء المقرّ تلمّست انتصابه الفاره من جديد وخرّت مذهولة.
– هذا الكيس لي، وقد تركته في المنزل. من جاء به ولم أسلّمه بعد لأحد..؟
– فاعل خير.
– والكرسيّ؟
– اِستلمه ليتصدّق به.

-3-

كانت طفلة شوارع التّيه. اِلْتقطاها من على رصيف بارد للضّياع، ما بين ناب بشريّ ومخلب كلبيّ. أحسنا كساءها وغذاءها وحبّها حتى تفتّق ورد حسنها في حدائق العمر البهيج. لم يرسلاها إلى المدرسة. خشيا إن تعلّمت جنّحت خارج القضبان. شبّت. زوّجاها ممّن اختارا لها وأكرما. هنئت. حملت بوعد صبيّ أو بنت سيّان. يكفي أن تنجب لوالديها بالتبنّي خلفا يسرّ حضنهما العقيم. من خلف غمام البياض المترف للمصحّة أفاقت الأمّ الشّابة على وحدة الجنب، ورزمة فواتير موزورة. الصّبيّ الذي أنجبت توفّي. وعليها خلاص مصاريف المصحّة.
– وأبي؟ وأمّي..؟ ألم يأتيا لزيارتي اليوم؟

– وحيدة جئت، وبلا وثائق للهويّة.

لم تكن تعرف ما به يوثّق لحياتها السّابقة. كان حدث الولادة مناسبة أولى الخروج النهائيّ من شرنقة النّعيم.

-4-

جلس على حافّة الصّخر يصطاد السّمك، ويختلس النّظر لعاشقين يبنيان من الرّمل سريرا للقبل.
كان يرى الأماني تُهرّب على لوح السّواد المنخّر لتحترق هناك على حرف العدم من ضفّة البحر الثّانية، أو تُوارى بطونَ الحوت المظلمة. ويرى قاصرات الطّرف الصّغيرات يُشْحنّ، على متن الزّبد الجُفاء، في صناديق البؤس، إلى مدن العبوديّة المتبرّجة، وصناديق أخرى يراها معبّأة بما لا يدري ماذا تُفرغ تحت جنح الخلسة، وتُمرّر سرّا إلى زناقي الوطن وأحيائه الخلفيّة.. ويرى.. فيغضّ الطرف عن نقيصة التلصّص واللّسانَ عن النّميمة. لا شأن له بما يأتي النّاس. هل يحبّ أن يأكل لحم البشر نيّئا؟ ” كلاّ. جعل الله بلاءهم على غير يديّ”، يدعو ويستغفر، ثمّ يخفّ سريعا ليشي بالعاشقين لخفر السّواحل.

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق