ثقافة المقال

ما دورك في الحياة؟

أسامة طبش*

كثيرا ما نسأل أنفسنا عن ماهية دورنا في هذه الحياة، في الحقيقة الإجابة ستكون صعبة ومهمة في نفس الوقت، لقد خلق الله  هذا الإنسان وآتاه ما آتاه من النعم والمقدرات وفضله على كثير ممن خلق تفضيلا، الأكيد أن خالقنا سبحانه وتعالى لم يخلقنا هكذا عبثا دون هدف نسعى ونجتهد في تحقيقه. للأسف الشديد في عالمنا العربي الكبير نعيش في توهان ونسير خبط عشواء في هذا المضمار، فالمواطن العربي لديه ضبابية في الرؤية وغير محدد لوجهته، وقد يضيع عمره هباءا منثورا إن لم يفق من غفلته قبل فوات الأوان. أما في ذلك العالم الغربي المتطور المتقدم، لو سألت طفلا صغيرا سنوات عمره تعد على الأصابع، لو سألته وناقشته في موضوع من المواضيع، سيذهلك بوعيه المنتاهي وفطنته وذكائه في التحليل، ذاك ما يجعلنا ندرك دون أدنى شك أن أولائك الناس قد قطعوا أشواطا طويلة في طريق بنائهم لأجيال صاعدة  فاعلة في مجتمعاتها.

نحن وبكل أسى بعيدون كل البعد عن هذه الثقافة الرائعة، كيف لا وأبناؤنا الصغار يقمعون قمعا عندما يتجرأ أحدهم بالكلام أو الإدلاء بدلوه في موضوع ما، كثيرا ما نسمع كلمات: أصمت، أنت صغير، وأحيانا ننعته بالغباء، هي حقيقة لا يمكن لأحد منا أن ينكرها وهي مستشرية وبشكل كبير، وربما عدت من الأسباب الرئيسة في فشلنا في تحصيل جيل واع مدرك لحيثيات واقعه الذي يعايشه.

لو نلقي نظرة خفيفة على ما يزخر به ديننا الإسلامي الجميل من قيم مشجعة على تفتق مدارك الإنسان العقلية، ليبدع وينتج ويفيد، سنجد العديد منها فعن ابن عباس رضي الله عنهما قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ” نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ “، وعن أنس رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ” إن قامت الساعة وبيد أحدكم فسيلة فإن استطاع أن لا يقوم حتى يغرسها فليفعل”، نجد هنا حث شديد على إستغلال الإنسان لوقته وأن يعمل ويكد إلى آخر لحظة في حياته، وأن له رسالة يؤديها.

كم هم كثيرون أولائك العاطلون في عالمنا العربي، تجد شبابا في عمر الزهور قد إكتظت بهم المقاهي أين يتابدلون فضول الحديث، وعلى جنبات الطرقات يرقبون حركة المارة، وتجد الكثير منهم قد إستأثرت بهم تلك الشبكة العنكبوتية وليتهم يستغلونها في ما هو ناجع ونافع،  بل أغلب أوقاتهم تذهب في غرفات للدردشة أو في تحميل للأغاني والأفلام.

الوقت كالسيف إن لم تقطعه قطعك، هو المحرك المحوري لسيرورتك في هذه الحياة، قال ابن القيم: ” إضاعة الوقت أشد من الموت، لأن إضاعة الوقت تقطعك عن الله والآخرة، والموت يقطعك عن الدنيا وأهلها”، وكان بعض الصالحين يقول: “من علامات المقت إضاعة الوقت”، ويقول ابن الجوزي أيضا: ” ينبغي على الإنسان أن يعرف شرف زمانه وقدر وقته، فلا يضيع منه لحظة في غير قربة، ويقدم فيه الأفضل فالأفضل من القول والعمل، ولتكن نيته في الخير قائمة من غير فتور بما لا يعجز عنه البدن من العمل”.

نعم، لو سعى كل واحد منا أن ينظم حياته ويحدد أهدافه فيها:  “القريبة والمتوسطة والبعيدة المدى”، الأكيد ستتضح  له الكثير من ملامح حياته، وينعكس ذلك إيجابا عليه ويتغير حاله إلى الأفضل وبذلك سيتأثر جموع المجتمع تأثرا عميقا، قال تعالى: ((إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ))[الرعد:11].

فمراجعة النفس ومحاسبتها أمر ضورري لا مفر منه، العطالة مرض مزمن يجب محاربته ومعالجته بشتى الوسائل والطرق، يجب على الفرد أن يسعى لإيجاد فسحة ما، مجال ما، ميدان ما، يعمل ويشتغل فيه، يحاول أن ينتج ويقدم أشياء، لا أن يبقى مجرد مستهلك سلبي فقط،  فمثلا: يسعى لتحصيل علم نافع، المشاركة في نشاط خيري، أن يتعلم ويتقن صنعة تقيه ذل السؤال، أن يكون نفسه في مجال برمجة الحاسب الآلي…، كثيرة هي الأنشطة المفيدة، لكن لا بد لها من جد وإرادة ومثابرة، وصدق من قال: “إن مفاتيح الأمور العزائم”.

إذا فمسافة الألف ميل تبدأ بخطوة واحدة، فالمشوار طويل وشاق وعمل بسيط مع عمل بسيط بتوفيق من الله سبحانه وتعالى، تفتح لك أبوابا وآفاقا ربما لم تكن تلقي لها بالا، فقط عليك دائما إستحضار معنى التوكل الخالص، ألم يقل ربنا عز وجل في كتابه الحكيم: ( فَإذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى الله ) -آل عمران-: (159).

يجب أن نتخلص من روح الفشل والكسل وضعف الهمة، لحظات الحياة معدودة فعلينا إغتنامها وعدم تضييعها في التفاهات وسفاسف الأمور، يقول الحسن البصري رحمه الله: “يا بن آدم إنما أنت أيام، كلما ذهب يومك ذهب بعضك”، والله لإنها موعظة بليغة، علينا جميعا أن نعي قيمتها فلابد من إستغلال فرص الحياة التي قد لا تعرض علينا مرة أخرى، هي سلاحك ولا ريب فبها تكابد المشقات ووعورة المسالك، فما كانت الحياة إلا ساحة لمنافسة شريفة بين بني البشر، يسعى من خلالها كل إنسان أن يستزيد، حتى وإن قارب وقت رحيله عنها لم يندم ولم يأسف، لأنه قد ترك أثرا وقام بجهده كما ينبغي فيها، فإن لاقى ربه كان سعيدا بما كتب في صحيفته من أعمال وإسهامات.

هذا هو معنى الحياة الحقيقى أين لكل واحد منا دور ورسالة، لا بد علينا أن نفقه هذا المعنى  جيدا، يجب علينا اللحاق بركب الحضارات الأخرى التي سبقتنا بأشواط لا بأس بها، أنا على يقين بأن من إستغل حياته أحسن إستغلال وإستفاد من وقته فيها وأدى دوره المنوط به في خدمة الناس، سيكون ذلك خير زاد يستزيد به لآخرته، فقطعا لا تعارض بين النجاح والتميز في الدنيا مع الفوز بالآخرة أين النعيم المقيم والخير العميم، كم أتمنى أن نعي جميعا هذا الفهم وننفض غبارا قد كسى فعالياتنا، مؤكد أنه قد حان وقت الإستفاقة من سبات قد طال، لا محيص ولا مفر لنا من ذلك وإلا كان الفشل مصيرنا الحتمي.

*كاتب جزائري

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق