ثقافة المجتمع

رسالة إلى الرئيس القادم …

" من المفروض أن تضمنَ المواطنةُ الحقوقَ كاملةً للجميع ...إذا وجدت الحرصَ شديدًا على القيام بالواجبات دون نقص ..."

معمر طاهر الشريف

لا يهمّني …
لا شكلك … ولا لونك …
ولا فصيلك السياسي …حتى و لو كانت جميع الفصائل تحتويك إجماعا …. أو لا فصيل لك يأويك ويشد أزرك في غابة السياسة المخيفة ….
ذاك سيان عندي لأنه غير مهم في نظري …
ولا يهمّني مذهبك في الحياة ، ولا الفلسفة التي تنتهجها …
ولا المنطقة التي أنبتتك ….ولا العشيرة التي ترعرعا فيها …
ولا الشهادة التي مكنتك من اعتلاء كرسي الزعامة الآن …
لا تهمّني الأكثرية التي زكّتك …وحزت على ثقتها …ولا الأقلية التي منعتك من التربع على عرش الرئاسة بنسبة الأغلبية المريحة …
غير مجد عندي ما قالوا عنك …أهو تعظيم يقترب من الكمال ..أو همز و لمز وازدراء يقترب بك من اللاشيء
لا يهمّني أفزت بالمطلق المريح …أو بصوت وحيد زائد …
حتى و إن لم أنتخبك ويتشرف صوتي بأن يعليك رئيسا …سيكون حقي فيك كاملا و وافيا لأني من الأقلية التي يجب احترامها والدفاع عنها …لأن من انتخبوك أعطوك الأغلبية وأنا منحتك الشرعية …عندما اعترفتُ بك رئيسا رغم معارضتي لك ….
وهل يحوز هذه الشرعية من دخل وحيدا إلى السباق وفاز ؟….فقد تتكدس لديه أغلبية الأصوات ….لكن يتشوق إلى الشرعية التي يمنحها له الذي يتنافس معه ويقر بالهزيمة ….ويهنئه بالنصر …و يعترف له بالريادة …..
ليس مُهِمّا من تكون ….المهم عندي أنك أتيت أيها الجزائري المتوّج … و رسّمتك إرادة الشعب رئيسا …
وجاز ليِ الآن أن أناديك بسيدي الرئيس وأن أتكئ على حكمة المثل الشائع و أوظف أوسع معانيه : ” سيد القوم خادمهم “
سيدي الرئيس :
لم تكن لتصل إلى الذي وصلت إليه لو لم يثق الشعب في شخصك وقدراتك التي يستبشر بها خيرا في رد الجميل الذي ينتظره …والوعد الذي انتظره طويلا من أجل التأسيس لبناء وطن جديد كان يحلم به الأجداد وصناع مجد هذا الوطن ..وبقي حلمهم مكدسا تتلاعب به أرجل ذوي الأنفس المريضة وشهواتهم ونزواتهم ….وهاهم الأحفاد يرومون الهدف نفسه أن ينهض من تحت الردم من ينفض الغبار عن الحلم المغيب الموؤود الذي انتظروه طويلا …ويحقق أحلام الأجداد والآباء والأحفاد في لحظة أمل مشتركة …
سيدي الرئيس :
الشعب زكاك وأيدك وأعلاك بصوته لتكون السيد الأول في البلد و بعدها يقتبس السيادة منك ومن إرادته التي لا تقهر .
سيدي الرئيس :
أنا المواطن البسيط الذي يحلم أن يكون له وطن كالذي يسمع عنه ويرى نماذجه ماثلة في الواقع عند الأمم الحية في العالم …وطنٌ حرٌ مُصان …ومواطن معزز مكرم …يتحدان من أجل التفاني في الخدمة دون مقابل …وتكون النتيجة المنطقية لذلك …عزتهما معا وسؤددهما معا…يفتخر الواحد منهما بالآخر افتخار اعتراف واقتناع …لا افتخار نفاق لتحقيق حاجات النفوس الصغيرة …
فحقق لي أملي وحلمي بأن لا أرى في وطني جائعا ولا مشردا ولا بائسا …ولا أميا ولا جاهلا ولا مظلوما ..ولا متواكلا يقتات من عرق غيره زورا ويدعي الذكاء …الكل للوطن …والوطن للجميع …الحظ في خيرات البلد بحجم الجهد المبذول لخدمته …..
سيدي الرئيس :
أمل الشعب الذي زكاك بإرادته كبير وعظيم …وتحقيقه غال ومكلف …قد يثقل كاهلك ..ويقض مضجعك …ويحد من حريتك التي كنت تتمتع بها قبل هذا التكليف العظيم …لأنك ستصبح مقيدا بإرادته ..لا تزيغ عنها ولا تحيد …ولا تتوانى في الكد والجد من أجل تجسيد طموحاته الكثيرة التي تعج بها أنفس مواطنيه …فكن محل الثقة السامقة التي حظيت بها من قبل شعبك …واخدمه بالغالي والنفيس …
سيدي الرئيس :
المسؤولية تكليف لا تشريف ..هكذا فهمتها الأنفسُ النزيهة المطمئنة فهما صحيحا و قدرت حجم خطرها وتبعاتها ….إن أدركتَ حجم تكليفها ووزره …نلتَ التشريفَ من مجتمعك ووطنك وأمتك …وإن أغرتك الدنيا ببعض فتاتها ومباهجها وحطامها ..فنماذج التاريخ ماثلة أمامك عيانا عن نهاية الذين ظنوا أنها تشريف فذلتهم هذه المسؤولية التي ما رعوها حق رعايتها …فرفستهم نعال شعوبهم …ولم يرحمهم الواقع …ولن يرحمهم التاريخ …ولا عدل الله كذلك سوف يشفق عليهم ويرأف بهم …
سيدي الرئيس :
الشعب الذي أعطاك السيادة والرئاسة ، وأعلاك تاجا فوق رأسه ، يعدك بالسمع والطاعة و الدعم والمساندة لتحقيق الذي يريده منك :
• أن تتفانى في خدمة شعبك …وتبالغ في خدمتي أنا المواطن البسيط ….لأن القوي له نفسه وناديه من أمثاله …أما أنا فليس لي من يقويني ويمتّن ساعدي ويرفع رأسي سواك ….
• أن تدافع على مبادئي وثوابتي …وتحفظها من كل مزايدات الأنفس المريضة في الداخل والخارج
• أن تعلي هامتي عاليا …وتعلي هامة الوطن …
• أن تدافع على وحدة شعبي …ووحدة أرضي التي لا أرض لي سواها ..
• أن تستثمر في الإنسان لأنه الثرة الدائمة والمتجددة آليا ..وأن توظف طاقاته إيجابيا للبناء وتعمير الأرض التي تحتاج إلى عقول الكل وأنفس الكل وسواعدهم …..
• أن تستثمر في العلوم والفنون والآداب …لأنها الوسائل المثلى التي تضمن التمكين في الأرض ولا وسيلة سواها تحقق المرامي والأهداف الكبيرة الغالية في الحياة …
• أن تنتشل الشعب من دائرة الركود والجمود والكسل ..وأن تعلمه أن يأكل من إنتاج يده …لا أن يستجدي الصدقات ..ويجعلها الحلم الوحيد المرجو في الحياة …وأن توفر له أسباب العيش الكريم في بلده …ووسائل تفجير طاقاته الكامنة التي يزخر بها داخلة وتحميها من الضياع والتلف …
• أن تجعل كل فئات الشعب سواسية أمام القانون …ما يُطبّق على المواطن العادي البسيط يُطبق عليك أنت شخصيا …جزاء وعقابا ….جائزة وغُرما ….وأن يكون هذا القانون هو السيد الجبار الذي لا يعجزه أحد ولا يقف في طريقه شيء …
• أن تفصل بين التوأم السيامي الذي تنامى بيننا وأصبح يهدد كل شيء جميل في حياتنا .. ( السياسة الوصولية والمال الفاسد )…وأن تضرب بيد من حديد على مطامع كل الانتهازيين الذين يتخذون من هامات الشعب مطية للوصول إلى مطامح جشعهم وغايات أنفسهم المريضة ..
• أن تحقق العدالة المطلقة في الاستفادة من ثروات البلاد بين كل فئات الشعب وأطيافه في كل شبر من الوطن ….ولا تنتظر أن يأتيك المواطن مستجديا طالبا لقمة العيش لكي تنتبه إلى مصيبته ….كن أنت الذي تبحث عن المواطن …لا أن يبحث عنك المسكين بين موجات الجموع المتلاطمة ولا يجدك …
• أن تجعل من الحكمة النبراس الذي ينير لك درب القيادة و سياسة الشعب والوصول به إلى تباشير النور التي يتمناها ويحلم بها لنفسه ولأولاده وأحفاده …
• كن أنت السند الأول للمظلوم …خذ له بحقه كاملا قبل أن ترميه المحاكم للمحاكم …والإدارة للإدارات …وبعدها يكبر يأسه ويتعاظم ويجبره على الاستسلام عندما ينهزم أمام سطوة المال …أو تنهزم قضيته بالتقادم …
وأخيرا سيدي الرئيس :
ما يتمناه الشعب وما يلح في طلب تحقيقه بشغف هو غرس نبتة الوعي السحرية في ربوع الأنفس وفي مساحات أتربتها الشاسعة لتنمو وتترعرع وتستقيم وتستوي على سوقها ….فتتبرعم آماله تباعا في خط سير لا ينتهي ولا ينضب …ولا يتأتى له ذلك إلا بمنهج تعليمي قوي و صارم مستوحى من ثوابت الأمة ورموزها ….وقانون لا يستثني من سطوته أحدا ….وعدالة تشع بحنان نورها على الجميع …
ما نتمناه سيدي الرئيس أن تناضل من أجل تحقيق أساسيات الحياة الضرورية للمواطن… و تضمن له حقوق مواطنته لئلا يقضي حياته لاهثا طلبا لتحقيقها والفوز بها ويظن أنها مبلغ علمه و منتهى عمله ويستريح عندما يحققها …ويتناسى في خضم أمواج الحياة ومتطلباتها رسالته المقدسة في الوجود وهي تعمير الأرض … والبحث عن وسائل التمكين فيها وامتلاكها ….والإبداع والتميز لكي يتدرج في رقي سلم الحياة إلى أعلى قممه ولا يقنع بالمستوى الأول الذي تشترك فيه جميع المخلوقات وتتزاحم فيه ….
فكن محفزهم وقدوتهم لتحقيق الأجدى والأنفع والأفضل في عالم لا يعترف بالضعيف ولا بالتابع …ويتمنى أن يكون الخلق كلهم مقلدين له ليدهسم تحت عجلات حضارته …..

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق