ثقافة المجتمع

العدالة الانتقالية وحقوق الانسان.. التجربة المغربية

بقلم : أحمد شحيمط

يتوق كل انسان الى انتزاع الحقوق الطبيعية والمدنية والسياسية والاجتماعية، وهي الحقوق المتأصلة في المواثيق الدولية، وفي التوصيات الاممية، وفي المعاهدات والتقارير العالمية، باعتبارها من جهة مؤشرات دالة على التنمية، ومن جهة اخرى مؤشرات في الانتقال الى مستوى العدالة الاجتماعية والمجتمع المدني الحداثي الذي يتباهى بالديمقراطية، والحق والقانون والمؤسسات، والانتظام السياسي والتداول السلمي للسلطة، ولا يمكن بأي حال القفز على المستجدات والقطائع في مجال السياسة والاقتصاد والفكر، اذا ما رمنا المقاربات الجديدة للأحداث والأفكار، وبالتالي نحن في المغرب جزء من العالم وطرف في علاقات متشعبة يحكمها البعد المادي النفعي والتبادل للخيرات والبعد الايديولوجي، وما يعيشه العالم من ايقاعات وتغيرات وتجارب في ميادين متنوعة يستدعي منا الاطلاع على الخبرات والممارسات، وتهيئ المجتمع المغربي للانتقال الديمقراطي كمطلب استعجالي في بناء الدولة الحديثة واستئصال الفساد كعائق في التنمية.
كان المفكر والمؤرخ المغربي عبد الله العروي في كتابه “مجمل تاريخ المغرب”، وكتاب “من ديوان السياسة ” واضحا في الاشارة الى الازمنة والوقائع التي عاشها المغرب في مجمل تاريخه، لأجل تبسيط المعرفة التاريخية للقارئ والالمام بثقافتنا في ضوء التاريخ البعيد والقريب ، وهو يشير الى حقائق واقعية يمنحها اللمسة الفلسفية، ويحددها بالمغزى والغاية ، وجاء في كتابه الاخير أن جون درمند هاي بصفته قنصلا وقائما بالأعمال ومبعوث ملكة انجلترا لدى سلطان المغرب في أواسط القرن التاسع عشر أنه قابل مرارا السلطان محمد الرابع وكلمه في شأن اصلاح اوضاع المملكة ، كلمه عن الامن والحرية والمساواة، عن تحديث الجيش والشرطة والجباية، عن العدل والتعليم… استمع السلطان الى مخاطبه باهتمام واضح، استحسن كل ما سمع، تمنى لو يطبق البرنامج المقترح اذ أكد في الختام: كنت ابادر بفعل ما تقول لو كنت أسوس رجالا عقلاء، لكني اتعامل مع أسد مفترسة(1). فمن الطبيعي في ذلك الزمان أن المجتمع المغربي لازال أغلبه يعيش في القرى، مجتمع قبلي وعشائري، تتحكم التقاليد في بنياته العقلية والفكرية ، ومعالم اخرى يدركها السلطان ويستوعبها جيدا . يتكلم السلطان، كما يشير عبد الله العروي عن تجربة يومية، في احتكاك بالناس ومعرفة بالعقول والافكار، بعبارة أوضح ان المغرب كشعب لم يستوعب بعد مضامين وأصالة هذه المقترحات التي تنم عن سيرورة الديمقراطية في المملكة المتحدة، ويمكن تطبيقها لو كانت الاجواء مناسبة في ذلك الزمن الذي يلم بحيثياته المؤرخ المغربي العروي، في زمن الامس كان العالم الغربي يبني المجتمع والدولة، ويقيم مرجعية حقوق الانسان على الحق الطبيعي، وسلبيات حالة الطبيعة، والعقد الاجتماعي، وعلى كونية النظام الديمقراطي الذي سيصير معمما، ويحظى بالرضى والقبول في أغلب الانظمة السياسية الغربية، وفي زمن القرن التاسع عشر استوعب السلطان ذلك، وتمنى أن يصير الامر كذلك، والامر يتطلب رجالا وشعبا وعقليات تستوعب معاني ذات قيمة سامية كالحرية والمساواة والديمقراطية، والقانون الوضعي والتعاقد الاجتماعي… ومعلوم أن الثورة الانجليزية جاءت بأفكار واصلاحات بين سيادة الحكم المطلق عند توماس هوبس وجون بودان، وبين ديمقراطية شعبية منبثقة من الاغلبية وسلطة الشعب والإرادة العامة كما في فلسفة جون لوك ، وحالة المجتمع المغربي الذي عاش مخاضا من المقاومة المسلحة والنضال السياسي والفكري في افق نيل الاستقلال والسيادة من المستعمر يحتاج للتدرج ووحدة الارادة في ضمان عملية الانتقال الديمقراطي، وتكريس فلسفة عملية للحسم في الاختيارات الكبرى. فقد وضع المغرب اللبنات الاولى للدولة والمجتمع في الثبات على المرتكزات الدينية والوطنية، وسياسة الانفتاح على العالم دون الميل الكلي الى معسكر بذاته، بمعنى أن يكون المغرب في أصالته وتركيبته السكانية منفتحا على افريقيا والشرق، ومنفتحا على الغرب وتجاربه. فالحكم على التجربة المغربية في مجال حقوق الانسان، والانتقال الديمقراطي يستدعي مجموعة من المعطيات والوقائع ومجموعة من التقارير العالمية والمحلية والمؤشرات الدالة عن الوضعية الحقيقية لحقوق الانسان . فكل ديمقراطية إلا وتستند على بعض الاسس والمرتكزات، منها الحرية والمساواة وفصل السلط والمواطنة الكاملة دون التمييز على اساس الجنس واللون والعرق والطبقة، وكذلك سيادة المجتمع المدني ودولة الحق والقانون، ومهما كانت رؤى المؤرخين وعلماء الاجتماع ورجال السياسة والفلاسفة للمجتمع المغربي، فان المواقف والآراء تؤدي الى رصد ظواهر أخرى للتحليل والتشخيص والمناقشة ، وتبقى الديمقراطية اداة مهمة في مرونة السلطة وفي الانتقال الى العمل بالدستور والقوانين التنظيمية في مجال السلطة التشريعية والتنفيذية والقضائية، وإزالة الحساسيات القبلية والحزبية والجغرافية، واستغلال النفوذ والشطط في ممارسة السلطة، والاهم هو رفع شعار محاربة الفساد، وازالة الاشكال السلبية العالقة بالمجتمع المغربي كمجتمع تعددي يمر بمخاض الانتقال من المرحلة السابقة وسنوات الجمر والرصاص الى مجتمع يعترف بالأخطاء التي ارتكبت في الماضي من اجل الصفح والتسامح، وإعادة الاعتبار للذوات، والمصالحة مع الذاكرة وتحويل الصراع على السلطة الى المشاركة فيها وتحكيم مرجعيات نفعية في الحفاظ على الامة وخيراتها المادية واللامادية، والإقرار بالتنوع والواقعية والرؤية المستقبلية في بناء مغرب حداثي وديمقراطي. فمن اين بدأ المغرب في معالجة أخطاء الماضي؟ والى اين يمكن أن تتجه التجربة المغربية؟ وهل يعتبر الفساد بأشكاله اخطبوطا يهدد وحدة المغاربة وتماسك المجتمع المغربي أم أن الفساد غدة سرطانية تقضي عليه الاصلاحات والانخراط الجاد في التنمية الشاملة ونسيان الماضي ؟
اسئلة اشكالية يحملها المثقف الذي يبحث في الانتقال الفعلي ويرصد العلاقة الجدلية بين النظري والميداني، وبين الخطاب والممارسة ويشارك في العملية مجموعة من الفاعلين في حقول متباينة، من سياسيين وفاعلين في العمل الجمعوي ومنظمات حكومية وغير حكومية وأطر تربوية ونقابات وأحزاب سياسية في وضع برامج وشعارات للتوعية، وأنشطة في التحسيس بمحاسن الالتفاف على التجربة الجديدة ايمانا بمصداقية الديمقراطية، وتعزيز ثقافة حقوق الانسان في الفكر والممارسة، وإيمانا بضرورة الانتقال الى مستوى جديد يعكس روح العصر، واقامة حقوق الانسان على قيم مبنية على اسس الكونية، والخصوصية كما تفهم في البعد الليبرالي السائد، في الالتزام بقواعد السوق والمبادلات التجارية والإعلاء من قيمة الفرد في حريته وممتلكاته الخاصة، ويضاف الى ذلك الإيمان بمرامي ومقاصد الشريعة الاسلامية وترميم مشاكل الامة. فالطريق المثلى امام الدول ايضا هو المصادقة على الاتفاقيات العالمية والقرارات الدولية الصادرة عن الجمعية العامة للأمم المتحدة، وتكون هذه الاتفاقيات والمعاهدات الدولية ملزمة في التطبيق والممارسة، في مجال الاقتصاد والسياسة ومجال الحقوق الثقافية والاجتماعية والتشريعية، وهي الحقوق والحريات التي نص عليها الاعلان العالمي لحقوق الانسان باعتبارها حقوقا وتوصيات عامة، ثم العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية والحقوق الثقافية، والذي تضمن صيانة مجموعة من الحقوق والحريات الضامنة للحياة الطبيعية للفرد والمجتمع، ومنها الحق في الحياة وعدم التعرض للتعذيب والاختفاء القسري وكل ممارسة تعسفية دون محاكمة عادلة . فالإعلان العالمي لحقوق الانسان ضمن مبدأ المساواة بين الناس والحق في اللجوء الى المحاكم والمؤسسات القضائية من أجل الانصاف، وضمن الحق في الحرية والتعبير عن الرأي. فعندما نتحدث عن التجربة المغربية نشير الى باقي التجارب الاخرى من زاوية المقارنة والاستنتاج، والتنبيه الى المحاسن والمساوئ في هذه التجربة قصد ملأ الثغرات وتصحيح الاختلالات، والعوائق التي تقف سدا منيعا في عملية البناء، وهي سيرورة من التراكمات والتغيرات المستمرة باستمرار المجتمع ورهاناته، وتحديد الاهداف والغايات والنوايا الصادقة في اكتمال بناء المؤسسات، وتحسين شروط العيش وفق الحرية والكرامة، وبالطبع المقارنة مع مجموع التجارب العالمية في المراحل السابقة خصوصا عند انتهاء الحرب الباردة ، وإزالة جدار برلين وظهور العولمة وأشكال متنوعة من العلاقات الدولية . تغيرت البدائل القانونية والسياسية في طي صفحات من ماضي الانتهاكات والصراعات، وماضي الحروب التي خلفتها الحرب العالمية الثانية ،والحروب الاهلية والحرب الباردة، وتركة الانظمة العسكرية والشمولية في العالم. حالات من الاستقطاب والانجرار الى معسكر تعتقد فيه الانظمة الشمولية أنها صائبة في مجال الحقوق والايديولوجيا. فالتاريخ لم يكتمل حسب فوكوياما بل لم يبدأ بعد، في أمم معينة، فصوله الاولى التحرر من القبضة الحديدية للأنظمة الشمولية في افريقيا واسيا واوروبا الشرقية وامريكا الجنوبية والوسطى، والحل في تعميم التجربة الليبرالية والاصلاحات الدستورية والمصالحة مع الماضي، فلاحت في الافق ما يسمى العدالة الانتقالية باعتبارها الية في جبر الضرر، وفهم الممارسات التي وقعت في لحظة من التاريخ. كانت ممارسة الدولة قاسية في مناطق كثيرة من العالم، ولان العلاقة دائما غير متكافئة بين سلطة الدولة والفرد، كانت الحاجة قوية الى ارجاع العلاقة الى طبيعتها من التكامل بدل التوتر، هذا يعني ان الانخراط في تجربة العدالة الانتقالية افضل من العدالة التقليدية، والتجربة تحققت في دول، وليست شاملة للدول المتعددة، حيث لازال بعضها غير منخرط في العدالة الانتقالية، هنا يرى أحمد شوقي بنيوب الخبير المغربي في مجال حقوق الانسان والعدالة الانتقالية وعضو سابق في هيئة الانصاف والمصالحة بالمغرب في عرض المسألة كمفهوم وتجربة واقعية في الرصد والمعالجة ومفهوم العدالة الانتقالية دو علاقة بالديمقراطية والمجتمع المدني، وموجة التغيير التي اجتاحت العالم في مجتمعات الصراع وتشكيل لجان لتقصي الحقيقة، وجبر الضرر، وتشترك الهيئات في سمات مشتركة أنها مؤقتة، وغالبا ما تعمل لمدة سنة أو سنتين، وتختص الهيئات في مسألتين: الاول نوعي يتعلق بنوعية الانتهاكات من خلال الكشف عنها ودراستها وتحليلها وبالتالي رفع التقارير والنتائج، والثاني هو الزمني والمقصود به الحقبة التاريخية التي وقت فيها الانتهاكات الجسيمة، والجانب المشترك في عمل الهيئات مبادئ حقوق الانسان، وحكم القانون والقيم الديمقراطية، وهي القيم المتأصلة في القيم الدينية والثقافة الوطنية المحلية، وشرح بنيوب وظائف العدالة الانتقالية تبعا للمستوى النوعي في التحري والكشف، وتحديد المسؤوليات، ومن وظائفها اعادة الاعتبار للذاكرة الجماعية وتعزيز ثقافة حقوق الانسان عبر اطلاق حوارات، وتنظيم جلسات عمومية، وفي الحلقة الدراسية عرض للتجارب العالمية في العدالة الانتقالية منها، تجربة الارجنتين وغواتيمالا وجنوب افريقيا… فمن الواجب قول الحقيقة ونشرها للمصالحة الفعلية كقيمة عمومية في الحفاظ على الذاكرة الجماعية وصيانة الكرامة وعدم العودة الى الممارسات السابقة، وتفعيل كل التوصيات والقرارات الصادرة عن الهيئات والمنسجمة مع القوانين الدولية، ولذلك تشكلت في المغرب هيئة الانصاف والمصالحة ،هيئة الانصاف غير قضائية ولا برلمانية ،انما هيئة وسيطية بين الدولة والمجتمع، من اهدافها تشخيص الوضعية التاريخية التي أدت الى تلك الممارسات، وجبر الضرر وبالتالي رفع التقارير والكشف عن الانتهاكات والالتزام بالقوانين المعمولة في المواثيق الدولية، كما تساعد الهيئة على اطلاق حوارات وطنية ومناظرات للاعتراف… من غايات العدالة الانتقالية التحول الكيفي الى بناء الدولة الديمقراطية وارساء حقوق الانسان على اسس دستورية وقانونية، وتفويض السلطات المعنية في مسألة المعاقبة واقرار المحاكمات العادلة وتقوية الضمانات الدستورية وشفافية القضاء وليونة المساطر القانونية .
تضمنت هيئة الانصاف والمصالحة 17 عضوا ، وتشكلت من لجان مختلفة للبحث وجمع المعلومات والاستماع، ووضع تقييم شامل للتسوية وجبر الضرر، ودامت أعمال الهيئة سنتين من 2004 الى 2006 ، وعرف المغرب تأسيس مجالس ووزارة خاصة بحقوق الانسان، وكانت التجربة بشهادة أغلب المتتبعين أولى التجارب في العالم العربي في الاعتراف والانتقال الى السلم والبناء للدولة الديمقراطية . في تجارب بعض الدول الافريقية، فقد جربت جنوب افريقيا مسار الانتقال الديمقراطي، وكان اول رئيس من السود نيلسون مانديلا وطي صفحة الماضي في الصراع العرقي بين اقلية البيض والأغلبية من السود، فنالت التجربة استحسانا كبيرا من قبل الامم المتحدة ودول العالم، لأنها أنهت عقودا من الصراع الاثني في البلد ، وظهر للعالم مانديلا رمز للنضال والكفاح وصمود الشعوب التواقة للحرية بعد اكثر من 27 سنة وراء القضبان ، تحققت المصالحة وصياغة دستور ديمقراطي في 1993، ونظمت انتخابات نزيهة. كذلك تجربة دولة التشيلي وسنوات الحكم الشمولي مع بينوشيه ، والحكم العسكري في الارجنتين ومحاولة اقتلاع الفساد من جذوره ، ومجموعة من الجمهوريات التابعة للاتحاد السوفياتي سابقا كالتشيك وبولونيا ورومانيا ومن افريقيا سيراليون وليبيريا وغانا وكينيا… ببساطة العالم تحول من الانظمة الاشتراكية، ومن شمولية الحكم الى ممارسة الديمقراطية كخيار في الانخراط في المنظومة الرأسمالية، وفي الفلسفة الليبرالية. وبالطبع كانت التجربة المغربية كما يقال أولى التجارب في العالم العربي وهي تجربة منبثقة من الارادة الكلية للمجتمع ملكا وشعبا في العدالة الانتقالية، وطي ملفات الماضي وجبر الضرر، وإذا كانت التجربة المغربية كما يقول محمد عابد الجابري أسست على التراضي والتوافق، وليس على صناديق الاقتراع، فان المسألة تنطوي بالذات على الارادة والنوايا الحسنة في الانتقال الديمقراطي، وتحقيق العدالة الانتقالية والتي انتهت أخيرا الى انتخابات حرة، والى صياغة دستور جديد في 2011 اثر الحراك الشعبي. فالرصد للانتهاكات في أحداث مختلفة من التاريخ المعاصر للمغرب بعد نيل الاستقلال كان باعتراف وشهادة الدولة ، ولذلك جاءت هيئة الانصاف والمصالحة كآلية وثمرة من التطور التاريخي والنضج السياسي في مواكبة العصر، وفي حل مجموعة من المشاكل والملفات العالقة من ماضي الانتهاكات. وهي تجربة جديدة سطرت فيها الهيئة مجموعة من الاجراءات في تسوية الملفات الجسيمة، وطرحت فيها الاستراتيجية والآلية الممكنتين للتسريع بالإصلاح، وتأسست هيئة الانصاف والمصالحة بقرار ملكي بتاريخ 6 يونيو 2003، ومن أعمال الهيئة القيام بتقويم شامل للملفات المتعلقة الخاصة بالاختفاء القسري والاعتقال التعسفي، والبث في الاحداث الماضية. والبحث في الملفات العالقة، وتعميق البحث في الحالات عبر تشكيل مجموعة من اللجان الموزعة، بين استجواب ذوي الضحايا وتصنيف الملفات حسب القضايا المطروحة . وتمكنت الهيئة من فتح 16861 ملفا، وقدمت الهيئة مجموعة من التقارير للحقيقة والإنصاف والمصالحة، وعملت على تحليل التقارير الدولية والوطنية، وتصنيف الحالات من مجهولي المصير وحالات الاشخاص الذين تتوفر على قرائن وفاتهم في مراكز الاحتجاز، وحالات الاشخاص المفقودين أو المختفين ، وتلك الاحداث التي وقعت في بعض المدن المغربية كأحداث الدار البيضاء 1965 وأحداث فاس 1990(2)، وخرجت هيئة الانصاف والمصالحة في عملها بعدة توصيات، منها دعم التأصيل الدستوري لحقوق الانسان وفق سمو القانون الدولي وأوصت بمبدأ فصل السلط ، ووضع استراتيجية وطنية متكاملة في الاصلاح، وتطبيق سياسات عمومية في قطاعات كالعدالة والامن والتربية والتكوين والادارة العمومية، ومكافحة الافلات من العقاب عبر الاصلاحات القضائية، وتحديد المسؤولية والعقاب كما هو محدد في القوانين الدولية، ويتحقق الاصلاح في توطيد علاقة متكاملة بين أبناء المجتمع ، في تقوية المؤسسات واستقلاليتها في القرار، وتقوية المراقبة الدستورية للقوانين والمراسيم التنظيمية المستقلة الصادرة عن الجهاز التنفيذي،.. بالإضافة الى وضع الهيئة اليات للمتابعة كالتعويض وجبر الضرر بما فيها التأهيل النفسي والصحي للضحايا وبرامج جبر الضرر الجماعي، وتفعيل التوصيات الخاصة بالحقيقة والاصلاحات ،وحفظ ارشيف الهيئة والارشيف العمومي لكي لا تتكرر الانتهاكات في المستقبل. وإذا كانت التقارير وقفت عند ذكر الاحداث فإنها توقفت عند التجربة المغربية في مسألة الدساتير المصاغة والتي خضعت للتغيير، من دستور 1962 كأول تجربة مغربية الى دستور 1972 والتعديلات الدستورية في 1992 ودستور 1996 ودستور 2011. وقبل هيئة الانصاف والمصالحة تأسس المجلس الاستشاري لحقوق الانسان في ماي 1990 بمبادرة من الملك الراحل الحسن الثاني في فترة كانت مشاكل حقوق الانسان بالمغرب تحظى بالتغطية الاعلامية الواسعة من الداخل والخارج، من جمعيات حقوقية مغربية، ومن منظمات عالمية وصحافة، والتي واكبت بوادر الحراك السياسي والاجتماعي في المغرب، وفي هذه الفترة ظلت التقارير العالمية تنتقد المغرب في جوانب تتعلق بالمضايقات على الحريات العامة وحقوق الانسان، وعلى جعل المغرب يقوم بالمراجعة للنصوص التشريعية والتنظيمية لكي تتفق وتتلاءم والمعاهدات والاتفاقات الدولية التي صادق عليها المغرب، والتي دخلت حيز التنفيذ أو التي ظلت معلقة بعد المصادقة عليها، وتقدمت الكتلة الديمقراطية بمجموعة من المطالب ذات الصبغة الاصلاحية وهي عبارة عن اوراش كبرى، ترمي الى شمولية الاصلاح من الادارة والقضاء الى التعليم والصحة، وكل القطاعات الاخرى ،وتصفية الملفات السابقة من اطلاق سراح المعتقلين السياسيين، والكشف عن مصير المخطوفين والسماح بعودة المنفيين والمغتربين، وتشكيل مجموعة من اللجان للمتابعة والمراقبة ، وكانت بالفعل المكاشفة والمصارحة، ويتذكر المغاربة تلك الجلسات التي كانت تنقل وتداع على التلفزيون المغربي، ويكتب عنها في الصحافة الوطنية والدولية، وتعقد فيها الندوات، ولاحت في الافق بوادر من حرية التعبير عن الرأي، وأصبحت متاحة للجميع أن يتحدث عن سنوات الرصاص والمطالبة بالعقاب والمتابعة وإنصاف المتضررين عبر جبر الضرر، وإقامة الحق والعدالة والتعويض للضحايا وذويهم ، تلك كانت بالفعل من المحاسن الكبرى في التجربة المغربية لان الحقيقة يجب أن تقال وتكشف، ويعرفها القاصي والداني، ويتحول بموجبها المغرب الى بلد يتدرج نحو الديمقراطية، ويخطو نحو بناء الدولة والانسان، ومنع ارتكاب هذه الجرائم في المستقبل، هذا يدل أن المغرب راهن على الاصلاح في بعده السياسي والاجتماعي من دون مزايدات وانتقام، وبغية عدم تكرار ما جرى في السابق ، وضع المغرب الاسس الجديدة للمصالحة، ومنها جبر الضرر وعدم اتباع الطرق الجنائية التي ستفتح المجال للمحاسبة الشاملة، وخلق اجواء من التوتر والعداء بين المغاربة والدولة المغربية. فكانت الدولة صريحة في الاعتراف بجسامة المرحلة السابقة، وعبرت عن ذلك في المجالس المشكلة، وهيئة الانصاف والمصالحة من اجل فتح افق جديد لإنجاح التجربة المغربية، وتضميد الجراح والتصالح مع الذاكرة وبالتالي تمكين المغاربة من الاطلاع على الماضي أملا في المستقبل. وصادق المغرب على مجموعة من الاتفاقيات والمعاهدات يجملها محمد فتوحي الباحث في مجال حقوق الانسان في الاتفاقية الخاصة بمناهضة التمييز والاتفاقية الخاصة بمناهضة التعذيب والاختفاء القسري والاتفاقية المتعلقة بجميع الفئات كالطفل والمرأة والمهاجرون واللاجئون والأشخاص المعاقون والاتفاقية الخاصة بالرق والاتجار بالأشخاص وغيرها من الاتفاقيات الملزمة. كل تحليل لوضعية حقوق الانسان ببلادنا لا يستقيم إلا باستحضار مجمل المسار الاصلاحي الذي دشنته بلادنا على الاقل منذ 1999والمكتسبات المحققة في اطاره بدءا: بإدماج الحقوق الثقافية واللغوية في اجندة السياسات العمومية مع احداث المعهد الملكي للثقافة الامازيغية، وقرار بلادنا فتح ورش العدالة الانتقالية مع احداث هيئة الانصاف والمصالحة…(3)، والتجربة في عمقها تقاس بالوقائع والتقارير العالمية في حقوق الانسان والتنمية البشرية، لكن المدة الزمنية من 1999 الى الان هي تجربة تتطلب عملا متزايدا وتفعيلا للعديد من التوصيات وأكثر من ذلك التربية الحقوقية للإنسان المغربي والتزام الدولة بالاتفاقيات المبرمة. فعندما سمع الشعب المغربي بمدونة الاسرة في 2004 خرج المغاربة الى شوارع الدار البيضاء ينددون بالرفض وبالمساواة بين الرجل والمرأة واعتبروا المدونة نتاج للإملاءات والضغوطات الخارجية، مدونة مسيسة ومضمونها علماني ضد ثوابت الامة، تستهدف المرأة بالضبط في افق خلخلة المجتمع المغربي، الاجدر في المدونة أن تتأسس على المرجعية الدينية والثوابت الوطنية، وكان النقيض في تلك المرحلة هي مجموعة من الجمعيات والاحزاب، والمنظمات النسائية الداعية الى انصاف المرأة، وانتزاع حقوقها والسير وفق مبادئ المواثيق الدولية وادماجها في التنمية الحقيقية، ورفع الوصاية والسيطرة على قدراتها وامكاناتها في القيادة وفي المشاركة دون قيود بشتى انواعها. يستند التيار الاول على المرجعية الاسلامية وعلى كل الحقوق المطابقة للتوازن الاسري والاجتماعي ويستند التيار الثاني على الفكر اليساري وعلمانية الحقوق وشموليتها، وعلى واقع الحال وكونية الحقوق العالمية المنصفة للنوع دون تمييز بين الناس في الطبقة والجنس، فكان من نتائج تطبيق المدونة أن تضاربت الآراء والتقارير، بين ارتفاع نسبة الطلاق وتزايد نسبة الزواج ، هذا يُشير في حاجة المجتمع المغربي الى فهم جديد للعلاقة الزوجية من حيث الحقوق والواجبات، وتبادل الادوار والوظائف المشتركة بين الزوج والزوجة في غياب نمط السلطة الابوية على منوال العصور السابقة والاستجابة للنمط الاسلامي المتوازن وللظروف المعاصرة التي جعلت المرأة عنصرا فعالا في التنمية .
التقارير عندما تصاغ وترفع نجد هنالك المحللين للشأن السياسي والاجتماعي، من مختصين وخبراء وعلماء في السياسة والاجتماع والقانون ونقاد يبسطون الآراء في افق اعادة النظر في منظومة القوانين المعمولة، وفي تكيفها مع الواقع الاجتماعي، ولازالت التجربة المغربية في بحث مستمر عن الارضية الصلبة في جعل ثقافة حقوق الانسان ليست ترفا أو موضة العصر، بل مبادئ من المرتكزات وخيارا لا رجعة فيه لأجل بناء وحدة الامة على الكلمة الموحدة بين الدولة والمجتمع المدني، كما ينبغي أن تمتد حقوق الانسان الى الجوانب الثقافية والاقتصادية والاجتماعية ، والتقارير التي ترفع من قبل منظمات غير حكومية عن حالة المغرب في مجال حقوق الانسان ومجال التنمية البشرية، ومجال الحريات العامة هي بالفعل تستحق القراءة والاستثمار في افق تصحيح الاختلالات والعوائق وتطبيق الممكن من التوصيات والاقتراحات. فالتجربة المغربية لا يمكن ان تقاس إلا بالتجارب الملموسة للبلدان المتقدمة . وبذلك لا مناص من التغيير حتى تتحول فلسفة حقوق الانسان من اطارها العام في المواثيق الدولية والالتزامات المحلية الى تربية الاجيال عليها . كفلسفة غير معزولة عن المواطنة والعدالة الاجتماعية والدولة الحديثة واستقلالية القضاء. وهذا الامر يستدعي كذلك وحدة الارادة الفردية والعامة دون العودة للوراء. حقوق الانسان بناء مستمر في صيانة الحق والحريات. والجدل الدائر الان في المغرب عن الحريات الفردية ظاهرة صحية للبحث عن صيغة توافقية في صيانة المكتسبات وتقنين الحالات والوضعيات التي تستدعي قوانين متفق عليها تتلاءم وقيم المغاربة والقيم الكونية .

الهوامش :
(1) عبد الله العروي ” من ديوان السياسة ” المركز الثقافي العربي 2010 ، ص11
(2) المملكة المغربية – التقرير الختامي ، الكتاب الاول . الحقيقة والانصاف والمصالحة ، 30 نونبر 2005 ، عمل الهيئة.
(3) تقرير رئيس المجلس الوطني لحقوق الانسان امام مجلس البرلمان ، 16 يونيو 2014 ص11

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق