ثقافة السرد

غناء العميان

كارلوس فوينتس – ترجمة : محمد العربي هروشي

الالينتان
Las dos Elenas
إلى خوصي لويس كويفا
 
_ لست أدري من أين تأتي إلينا بهذه الأفكار. فهي لم تكن متربية على هذا النحو. ولا أنتم ،فكتور. بيد أن الزواج ، في الواقع قد غيرها . أجل دون أدنى ريب . خلت أن شيئا ما سيحدث لزوجي. فهذه الآراء لايمكن الدفاع عنها خصوصا وقت العشاء . تعرف ابنتي جيدا بأن أباها يجب أن يأكل في سلام. والا فان الضغط يرتفع عنده مباشرة . لقد قال له الطبيب ذلك . وبعد فان هذا الطبيب يعي ما يقول . من أجل شيء يتقاضى مائتي بسوس للفحص. أنا أرجوك بأن تتحدث مع إلينا . لا يهمنا أن تغادر البيت كي تتلقن دروسا في الفرنسية. ولا يهمنا ذهابها إلى تلك المغارات المليئة بمسترسلي الشعر لتشاهد تلك الأفلام الغريبة . ولا يهمنا ارتداؤها لجوارب المهرجين الحمراء. ولكن أن تقول أثناء العشاء لأبيها بأن امرأة واحدة يمكنها مضاجعة رجلين لتستكمل شهوتها ، فكتور لأجل مصلحتها عليك أن تطرد تلك الأفكار من دماغ هذه المرأة.
منذ أن شاهدت جيل و جيم في النادي السينمائي ، ركب رأسها عفريت أن تشن معركة مع أبويها أثناء العشاء الأحدي – الاجتماع العائلي الضروري الوحيد – . عند خروجنا من السينما ، أخذنا M G وذهبنا للعشاء في كوييتي فلاكو بكوياكان . كانت إلينا تتراأى مونقة كما دائما ،بقميصها الأسود وتنورتها الجلدية وجواربها التي لم تكن تروق أمها . فضلا عن ذلك كانت قد وشحت جيدها بسلسلة ذهبية تتدلى منه منحوتة وشمية ، التي بحسب بعض الأنتروبولوجيين ، تصف الأمير واحد من موتى المكستكيين . إلينا التي كانت دائما جذلى و غير قلقة ،تتراأى هذه الليلة حادة الطبع : تلونت وجنتاها بالكاد كانت تحي الأصدقاء الذين كانوا يدردشون في هذا المطعم القوطي على نحو ما . سألتها بخصوص طلبيتها فلم تجب . وفي الوقت ذاته أمسكت بيدي ثم ركزت مقلتيها علي ،فيما طلبت دجاجا بالثوم بينما أخذت في تقليب شعرها الوردي الشاحب كانت تربت على عنقها :
_ فكتور نيبلونغو ,لأول مرة أكتشف بأن لكم الحق في أن تكرهوا النساء وأننا نولد من أجل أن نكره . لن أتصنع أكثر . لقد اكتشفت بأن كراهية النساء هي شرط الحب. أعلم أني مخطئة ,بيد أني كلما عبرت عن حاجياتي أكثر كلما ستكرهني أكثر وستعمل على إرضائي أكثر. فكتور ،نيبلونغو عليك أن تقتني لي زي بحار قديم كذاك الذي كانت تخرج به جان مورو.
قلت لها يبدو لي عظيما أن تنتظري مني دائما كل شيء . ربتت إلينا على يدي وابتسمت .
_ أعلم بأنك لن تنتهي من التحرر ،يا حبي ،لكن عليك بالثقة . عندما تنتهي من عطائي كل ما اطلبه منك أنت نفسك ستتوسل إلي بأن يشاركنا حياتنا رجل آخر، أنت ذاتك ستطلب أن تصير جيل . أنت نفسك ستطلب بأن تعيش جيم معنا وتتحمل الوزر. ألم يقل ذلك كويريتو فلنتحاب آحادنا للآخرين ، لما لا .
ظننت بأنه يمكن أن يكون مع إلينا الحق في المستقبل ،بعد أربع سنوات من الزواج عرفت بأن كل ما يحيط بك من قواعد أخلاقية ملقنة منذ الطفولة لابد وأن تندثر طبيعيا . هذا ما أحببته فيها دائما : طبيعيتها.
لايمكن أبدا إلغاء قاعدة من أجل فرض أخرى ،وإنما كي تفتح نوعا من الأبواب كتلك التي توجد في قصص الأطفال ،حيث كل ورقة شارحة تتضمن اخباراعن بستان ، عن مغارة ، عن بحر يأتيهم من الافتتاحية السرية للصفحة السابقة .
1
_ لا أريد أن يكون لدي أطفال قبل مرور ستة أعوام _ قالت ذات ليلة وهي متكئة على قدمي ، في الغرفة المعتمة بمنزلنا فيما كنا ننصت الى ديسكو كانوبال أديرلي ،وفي البيت ذاته بكويواكان الذي زيناه بثوب مزركش، وبأقنعة كولونيالية ذات العيون المغنطيسية : ” أنت لا تذهب أبدا إلى الصلاة ولا أحد يقول لك شيئا ، وأنا كذالك لن أفعل وليقولوا مايشاؤون “، وفي السدة التي نستعملها كغرفة والتي تستقبل ضوء البراكين في الصباحات المشرقة : ” سأذهب لأحتسي القهوة بمعية ألخاندرو اليوم . انه رسام كبير وسيغضب إذا كنت حاضرا وأنا في حاجة للانفراد به ليشرح لي بعض الأشياء “, وبينما كان يتبعني عبر الألواح الثخينة المؤدية صوب الشقق غير المتناغمة مع المنازل التي شيدها بصحراء الأسود :” سأذهب عشرة أيام في سفر بالقطار عبر الجمهورية ” ، ولدى احتساء قهوة سريعة بتيرول في منتصف المساء بينما حركت الأصابع في إشارة لتحية الأصدقاء المارين من شارع هامبورغ : “شكرا لمرافقتي للتعرف على الماخور ،نيبلونغو. بدا لي كما أيام تولوز- لوترك ،بريء إلى حد شبيه بحكاية لموبسان، ألا ترى ذلك والآن تحقق من أن الخطيئة والمجون غير موجودين هناك ، وإنما في موضع آخر ” ، وبعد عرض خاص للملاك القاتل” فكتور،ان الأخلاقي هو كل ما يمنح الحياة ، أما اللاأخلاقي فهو كل ما ينزعها ، أليس كذلك “.
و ها هي تكرر ذلك ،وبفمها قطعة ساندويتش :
_ أحقا أنا محقة. اذاكان زوج وزوجة وعشيق يمنحنا الحياة والفرح، ويجعلنا أفضل في علاقتنا الحميمة فيما بيننا نحن الثلاثة على ما كان عليه أمرنا حينما كنا اثنين ، أو ليس هذا أخلاقي .
جلست، فيما كانت هي تأكل، منصتا إلى الشرر المنبعث من اللحم الذي كانت تشوي على طول المشواة. أصدقاء متعددون كانوا يحرصون على أن لا تتجاوز شرائح اللحم الحد المطلوب في الشي بعد ذلك جاؤا للجلوس معنا و عادت إلينا إلى الضحك، إلى ما كانت دائما عليه من طبع . كانت لدي الفكرة السيئة لاجال
النظر في وجوه أصدقائنا وتخيل كل واحد مقيم في بيتي ، يمنح اليناقسطا من الإحساس، والحافز أو ،الحب أو الذكاء ، الذي أنا محدود فيه ، مما كنت عاجزا على أن أمنحه إياها . بينما كنت ألاحظ هذا الوجه المستعد للإنصات المرهف ، ( وأنا أحيانا أتعب من الإنصات إليها ) لهذا اللطف الممنوح لملأ بحيرات التعليلات ( وأنا أفضل أن يتاخم حديثها المنطق أو التعليل )، ذاك الذي يميل إلى صياغة أسئلة دقيقة و ، بحسبها ، واضحة ( و أنا لا أستعمل الكلمة ، وإنما الحركة أو توارد الخواطر كي أحركها ) ، كانت تواسيني قائلة لي ،آخر المطاف ، أن القليل الذي يمكنهم منحها إياه سيكون عند قضائي، برفقتها، حدا ما من العمر ،كفاكهة ،كود ،شيء مضاف . فذاك ذو تقليعة الرينغو ستار،سألها مدققا و بوضوح لماذا بقيت مخلصة لي و إلينا أجابته بأن عدم الوفاء أمسى اليوم قاعدة ،مثل العشاء الرباني لكل جمعة سابقا ،ثم كفت أن تنظر إليه. أما ذو عنق السلحفاة الأسود ، فقد أول إجابة إلينا مضيفا بأنه من دون شك , بأن زوجتي إنما أرادت القول الآن أصبح الوفاء موقفا ثوريا اليوم . وهذا صاحب الجراب الادواردي السليم ،اكتفى ،بنظرته المنحرفة والمركزة بدعوة إلينا للخوض في الكلام أكثر: هو سيكون أفضل منصت . رفعت إلينا ذراعها وطلبت من النادل قهوة سريعة.
تمشينا اليد في اليد عبر شوارع كويوياكان المبلطة ، تحت شجر الدر دار , نقاسي تباين يوم حار وليلة رطبة بقي عالقا بثيابنا, بحيث بعد وابل المساء ,لمعت عيوننا ومنحت خدودنا لونا .راقنا المشي ،في هدوء, مطرقين الرأس , متماسكين باليدين ,عبر الشوارع العتيقة التي كانت في البداية ، نقطة تلاقي ميلنا للتشابه. أعتقد أننا، أنا والينا لم يسبق لنا أن تحدثنا في الموضوع , ولاكنا في حاجة إلى ذلك . الأكيد كنا نستمتع بالأشياء القديمة كما لو أننا كنا ننقذها من نوع من النسيان الأليم , أوحينما نلمسها نمنحها حياة جديدة, أو نبحث لها عن مكان ما , الضوء والمحيط المناسبين بالبيت ،في الواقع كنا نقاوم ضد نسيان مشابه للمستقبل . يبقى المقبض ذو بلعوم الأسد الذي نجده عند علية القوم والذي نمرر عليه بأيدينا بمجرد فتحنا لدهليز البيت، ونحن نعلم أن في كل تمريرة يبلى ،بقي كذلك في البستان الصليب الحجري مضاء بنور أصفر, يمثل أربعة شرايين متقاطعة لقلوب منزوعة , ربما باليدين ذاتها التي نحتت فيما بعد الحجر,كما تبقى تلك الخيول السوداء المنزوعة منذ زمان من صدر باخرة, كذلك تماثيل مقدمة السفن الشراعية الراقدة في أعماق البحر,إذا ما لم يظهر هيكلها الخشبي بأحد الشواطئ ذات الببغاوات الوقورة و السلاحف المحتضرة. 2
خلعت إلينا قميصها وأوقدت المدفئة , فيما انبريت أنا باحثا عن أغاني كانوبال , هيأت كأسين من افسنتين ثم تمددت على البساط منتظرا إياها . إلينا تدخن ورأسها فوق رجلي و نحن الاثنان ننصت إلى ساكسوفون شقيق لطيف الهادئ الذي تعرفنا عليه بغولد بيغ في نيويورك بوجه مشعوذ كونغولي مرتديا بزة اسرائلي عيناه نائمتان و متورمتان كما أفعيين من جنس بواء إفريقيتين , له ذقن سيفنغالي المميز وشفتاه البنفسجيتان مزمومتان إلى الساكسوفون الذي يخرس الأسود ليجعله يتحدث بوضوح أقرب إلى بحة تلعثم حياته اليومية , والى النوتات البطيئة لوثوقه الأكيد من أنها لن تبلغ إلى قول كل ما تود قوله , لأنها فقط , في آخر المطاف , بحث و مقاربة مترعتين بقسوة غريبة يمنحها ذوقا واتجاها لحاسة اللمس لدينا , التي تبدأ في إنتاج معنى آلة لطيف : إعلان صرف , استهلال محض , تحديد خالص للذاذات التمهيدية, التي عبرها تتحول إلى الحدث ذاته .
_ ما يصنعه الزنوج الأمريكيون هو قلب المعادلة للبيض _قالت إلينا حينما اتخذنا أماكننا المعهودة حول المائدة الهائلة والحافلة بكل ما لذ وطاب بغرفة أبويها الخاصة للأكل _ .الحب’ والموسيقى ,وحيوية الزنوج ترغم البيض على تأكيد ذاتهم . تأملوا الآن كيف يتبع البيض الزنوج بدنيا لأنه في آخر المطاف انتبهوا إلى أن الزنوج يتبعونهم اجتماعيا .
– فأنا شاكر لكون هنا لا يوجد زنوج – قال أب إلينا وهو يأخذ حساء البصل , فيما أبي تناوله, من قدر صيني كثير الدخان من يد الفتى الهندي الذي يسقي بساتين الربى نهارا .
– لكن ما معنى هذا يا أبي ,فمثله أن يقول الاسكيميون شكرا لأننا لسنا مكسيكيين . فكل لما هو عليه. الأهم هو ما يحدث عندما ندخل في علاقة مع أحد يضعنا في شك و مع ذلك نعلم أننا نحتاجه , و نحتاجه لأنه يقصينا .
– هيا ,كلي . أضحت هذه الأحاديث مع كل يوم أحد , أكثر بلادة. الشيء الوحيد الذي أعلمه هو أنك لست متزوجة من زنجي , أوليس حقا هيغنيو, هات الانتشلاداس .
الدون خوصي يراقبنا , إلينا وأنا وزوجته بنشوة نصر , أما الدونيا إلينا الأم , فلإنقاذ الحديث الضحل , أخذت تحكي عن أنشطتها في الأسبوع المنصرم ،أما أنا فكنت أنظر إلى أثاث البيت الموشى بالحرير ذي اللون الوردي الباهت , الأواني الصينية ، الأروقة المصنوعة من الشف ,وزرا بي من جلد حيوان ألبكة الأمريكي ,لهذا البيت المستقيم وراء هذه النوافذ العظيمة حيث تتحرك أورق صفصاف الو هاد . ابتسم الدون خوصي لما قدم له هيخينيو الانتشلاداس معممة بالكريم وعيناه الصغيرتان الخضروتان امتلأتا برضا وطني كتلك التي شاهدت حينما كان الرئيس يلوح بالعلم يوم 15 من سبتمبر وان كان ليس هي بالضبط – أكثر رطوبة – يلينهما عندما يجلس ليدخن سيكارا ويستمع إلى موسيقى البوليرو . تركزت عيناي على يد إلينا الشاحبة المتلاعبة بفتات المغزل و هي تروي , بمشقة ,عن الأشغال التي جعلت منها نشطة مذ رأيتها آخر مرة .
سمعت من بعيد بوقع الأقدام، ذهابا وجيئة، كهديرالشلالات وبألعاب السلة ،زيارات لمصحات الأطفال الفقراء ، صلوات التسعة أيام بعد الوفاة ، وبالدعوات مع الخادمات ،المحادثات الهاتفية المطولة مع الأصدقاء ،بالزيارات التواقة للرهبان ، للرضع ، ولمصممات الأزياء ،للأطباء ,و للساعاتيين ،وصانعي الحلوى ،للنجارين و…………….
حبست نظرتي في أصابعها الشاحبة الطويلة اللطيفة التي تصنع كويرات من عجين الفتات .
_ … قلت لهما بألا يأتي إلي مطلقا من أجل المال ، لأني لا أتحكم في أي شيء ، وبأني قد أرسلهما بكل سعادة إلى إدارة والدك ، وهناك ستستقبلهما السكرتيرة …
…المعصم نحيف، حركات بطيئة ،والسوار المسبوك من ميداليات تحمل أيقونات كر يستو ديل كوبيليتي والسنة المقدسة في روما ، وزيارة الرئيس كنيدي المسوغة من النحاس والذهب ،تحدث صليلا فيما بينها بينما الدونيا إلينا تتلاعب بالفتات…
_ … تكتفي الواحدة منا بتقديم دعمها أخلاقيا، كيف يبدو لك ذلك .سأمر عليك يوم الخميس لنشاهد مسرحية ديانة . وقد أذهب لأبعث بالسائق مبكرا ليصطف ،رأيت ما يكون عليه الصف يوم العرض …
… والذراع الممتلئة ،من جلد شفاف مسطر بعروق كهيكل ثان ,من زجاج مرسوم، خلف شفافية البياض .
3

_ … دعوت ابنة عمك ، فذهبت لأحضرها بالسيارة ,غير أننا انشغلنا مع الطفل الرضيع. انه رائع . فيما أمه جد مكلومة لكونك لم تقدمي لها التهنئة و لو بالهاتف ,لن تكلفك المهاتفة شيئا يا صغيرتي الينا.ا

…طوق العنق المكشوف ذي اللون الأسود مشرع فوق نهدين نافرين مضغوطين كما حيوان تم قنصه توا في قارة جديدة …
_… بعد كل شيء, فنحن عائلة . لا يمكنك نكران رابطة الدم . أرأيت كيف أن الوقت يذهب منا في الكلام فيما سنترك اليانصيب دون استعمال .
رفعت نظرها .حدقت في دونيا إلينا. أسدلت جفنيها مباشرة وقالت لنشرب القهوة في الصالون . بينما دون خوسي اعتذر وذهب إلى المكتبة حيث توجد ……………..مقابلة عشرين قطعة مزيفة يقذف بها من الفتحة.جلسنا لنرتشف القهوة ومن بعيد ألخوكيبوكس أذاع موسيقى كلو كلو وشرع يؤدي أغنية” نحن” فيما أشعلت دونيا إلينا التلفاز لكن دون صوت , كما أشار هو بذلك واضعا إصبعه فوق الشفاه . كنا نشاهد مرور الصور الخرساء لبرنامج الكنز الخفي , حيث مايسترو الحفل الوقور يقود المتبارين _ شابتان قلقتان و مبتسمتان ماشطتان على هيئة خلية نحل, وربة بيت محتشمة ورجلان أسمران ناضجان وحزينان _ نحو الشيك المخبأ في الأستوديو الضيق المؤثث بالأصص ,وبكتب من الكارتون وصناديق صغيرة بها موسيقى .
ابتسمت الينا , جالسة بالقرب مني تحت ظليل صالة الشقق المرمرية …………………..لا أدري من أين أتت بهذا اللقب ولا وجه العلاقة التي تربطني به ,لكنها الآن شرعت في اللعب بالكلمات وهي تمرر يدها علي في الوقت ذاته : نيبلونغو. ني بي لونغو .نبل هونغو. نيبلا لونغا .
الشخوص الرمادية , المخططة ,المتموجة , تبحث عن الكنز الخفي أمام أنظارنا و الينا قابعة،تركت الحذاء يسقط على الزربية ووثبت بينما كانت دونيا إلينا تنظر إلي ، متسائلة, مغتنمة الظلمة ,بتلك العينين السود وتين المشرعتين بشكل كبيرو المحاطتين بتغضن عميق . طوت رجلا ثم صوبت تنورتها فوق ركبتيها . فكان يأتينا صدى موسيقى البوليرو من المكتبة : نحن اللذين لكم تحاببنا, و روبما كان ذاك صوت تجشؤدون خوسي النائم . تخلت دونيا إلينا عن التحديق في لتركز عينيها السوداويين الواسعتين في أشجار الأوكاليبتوس المتحركة وراء النافذة . تتبعت تحديقها الجديد . كانت إلينا تنط وتشخرو هي نائمة فوق ركبتي . مررت يدي على قفاها . بالنسبة لظهرينا ,الوهاد الذي يعبر كما جرح متوحش روابي شاتوبلتبك يبدو وكأنه ترك غورا من النور مسطر تحته بسرية عبر ليل متحرك طوى أشواك الأشجارو شعث شعورها الشاحبة .
_ أ تذكرين فيرا كروث _ قالت الأم للأخت مبتسمة , بيد أن دونيا إلينا كانت تنظر إلي . أحست إلينا بهمس , نائمة فوق رجلي ، فيما أجبت أنا : أجل لقد تمشينا كثيرا مع بعض .
_ أعجبتك _ سرحت دونيا إلينا اليد وتركتها تقع في الحجر.
_ كثيرا_ قلت لها يقولون بأنها آخر مدينة متوسطية . أعجبني الأكل , والناس . يروق لي الجلوس ساعات عند البوابات وتناول الخبز والقهوة .
_ أنا من هناك ,_ قالت السيدة , لأول مرة ألاحظ زبيبات في الذقن .
_ نعم. أعرف ذلك .
– إلى حد أنني فقدت اللكنة _ تضحك وهي ترينا اللثة _ تزوجت وعمري اثنتي وعشرين سنة . وعندما الواحدة منا تعيش بالمكسيك تفقد لكنتها الهجينة . وأنتم تعرفونني وأنا قد نضجت.
_ الكل يقول بأنكما أنت والينا تبدوان كالأخوات .
الشفتان كانتا دقيقتين لكنهما عدوانيتان : _ لا, وإنما الآن تذكرت ليالي العواصف بالخليج . كما لو أن الأرض لا تريد أن تضيع , أتعلمون ، فتختلط بالعاصفة ويبقى كل شيء سابحا في نور أخضر, أكثر شحوبا ,الواحدة منا تختنق وراء دفات النوافذ منتظرة مرور المياه. لست أدري لما ذا يتوجب على الإنسان أن يغلق النوافذ كلما حلت العاصفة . كم سيكون رائعا لو تم تركها تمر عبر النوافذ المشرعة .
أشعلت سيجارة : _ أجل , تنبعث روائح كثيفة . 4
تتخلص الأرض من عطور التبغ ،والبن ،واللباب …
_ وتوشيها أيضا _ فيما أغلقت دونيا إلينا عينيها .
_كيف
_ إذا لم…………………._ثم مررت يدها فوق التجاعيد الخفيفة المتاخمة لعينيها _.
في كل غرفة كانت هناك خزانة للملابس وقد تعودت الخادمات على وضع أوراق موسى والزعترفيما بين الثياب . وفضلا عن ذلك فان الشمس لا تجفف أبدا بعض الأركان جيدا . رائحة العفن تنبعث ,كيف أعبر, رائحة الطحلب …
_ نعم, أتصور ذلك . أنا لم أعش مطلقا بالمناطق الاستوائية ،هل اشتقتم إليها .
والآن, حكت معصميها الواحد بالآخر فظهرت العروق البارزة لليدين: _ أحيانا يكلفني كثيرا التذكر. تصوروا ,تزوجت عن سن الثامنة عشرة , كانوا يعتبرونني هادئة .
_وكل هذا ذكرك به هذا النور العجيب الذي بدا في عمق الوهد .
انتصبت المرأة واقفة . أجل, إنها الوصلات الاشهارية التي وضعها خوسيالأسبوع المنصرم . تبدو جميلة أليس كذلك.
_ أعتقد بأن إلينا قد نامت.

دغدغت أنفها استيقظت إلينا ثم قفلنا عائدين إلى كويواكان
_عذراعن ضوضاء أيام الآحاد هاته _ قالت إلينا عندما خرجت للعمل في اليوم التالي _ لامناص . صلة ما يجب أن نحافظ عليها مع العائلة و الحياة البرجوازية, ولو من أجل التمايز.
_ ماذا ستفعلين اليوم _ سألتها فيما كانت تقلب أوراق التصاميم وهي تحمل ملفي .
عضت إلينا على تينة ثم ضمت يديها ثم دفعت بكريستو بيسكو للكلام, كنا التقينا به ذات مرة بخواناخواتو . سأقضي اليوم كله في الرسم . ثم بعد ذلك سآكل بمعية ألخندرو لأطلعه على أعمالي الأخيرة.
بمرسمه. إن كان قد أكمله. هنا بمزرعة زيتون الآباء. وعند المساء سأذهب إلى قسم الفرنسية . ربما احتسيت قهوة ثم أنتظرك في النادي السنيمائي . يعرضون فيلما ( رعاة البقر ) عجيبا:هيغ نووم وفي الغد كنت ضربت موعدا للالتقاء بؤلائك الأولاد السود . هم من مسلمي الزنوج وأنا متعطشة لمعرفة كيف يفكرون حقا .هلا انتبهت إلى أننا ما نعرفه عن الموضوع ليس إلا عبر الجرائد. هل تحدثت مرة مع زنجي أمريكي , نيبلونغو. فلا تحاول غدا مساءا إزعاجي. سأحبس نفسي إلى أن انتهي من قراءة نرفال من من البداية إلى النهاية . لم يكن يظن بأنني سأعود أمام الشاشة لأشاهد فلم: الشمس السوداء للكآبة فيما كان ينادي نفسه بالأرمل المغموم . قاطعته فغدا ليلا سأمنحه حماما ،أجل غدا سيتوجه إلى حفل تنكري .علينا أن نذهب مرتادين أسوار مكسيكية . يحسن أن نستوعب هذا مرة واحدة .
ابتع لي معك بعض من الأكتراسيس ،فكتور نيبلونغيتو ،وان شئت ارتدي زي الغازي الشرس ألفارادو
الذي كان يميز الهنديات بالأصفاد المتدلية قبل أن يمتلكهن- ( بتصرف)

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق