ثقافة المقال

حول “الباريدوليا” أو (إسقاط صورة الذات على الموضوع)

بقلم: منصور زغواني 

تعتبر الباريدوليا “نوعا من محاولة فهم العالم؛ عبر تأويل يرتد إلى الذات قبل أن يعود إلى العالم فيعكسه” . هذه القضية ربما ترجع إلى استحالة التملص من سلطة الذات في تمثيلها للعالم، وهذا ما يمكن تسميته ب”الإنتهاك المرجعي”؛ أي أن العالم المرجعي لا يمكن تصويره “محاكتيا” كما كان يعتقد (أرسطو)، ولا تمثيليا (reflection) كما يؤكد (غادمير) و(ريكور)، ولكن ذلك يتم عبر علاقة أنطولوجية بين الذات المصورة (المؤولة)، بكسر الواو، وبين الموجود (ما ليس بالإنسان) كما عبر (هايدغر). إن تلك العلاقة لا يمكن أن تكون علاقة متساوية ولا عادلة بين طرفي العلاقة، ولكنها دائما ما تسلم نفسها للاستلاب الذاتي (أي؛ الأنا)؛ وبهذا يصبح تصوير العالم نوعا من إسقاط الذات وشواغلها على الأشياء. وهذا الفعل التصويري هو فعل “إنتهاك العالم المرجعي” وليس تصويره، ولا تمثيله.
إن “الباريدوليا”، حسب ما فهمتها، هي تعبير عن الذات المتمركزة حول نفسها؛ والتي لا تدرك الأشياء إلا عبر منظارها، ولا ترى إلا ما تعكسه مرآتها. إنها تحاول فرض نموذجها على العالم، شكلها على الوجود، منطقها على صور العالم؛ وبهذا لا يمكنها تصوير الأشياء وإنما صنع أشياءها، هي، كما يترائ لها وحسب.
وقد روى أفلاطون عن قصة الرجال الذين كانوا يقبعون في الكهف، ولا يرون إلا في حدود ما تتيحه جدران الكهف، ويعتقدون أن العالم مظلم، وأن النور يأتي ساعة من نهار، في الصباح فقط. وهكذا هو العالم، حسبهم، أو على الأقل وفق ما يتصورونه؛ أي إنهم أعطوا صورة للعالم، وفق مجال وجودهم المحدود، لكنهم في الحقيقة صوروا ذاتهم المحدودة بأفق ضيق، وفرضوها على العالم المرجع، ولو أنهم خرجوا من كهفهم لرأوا عالما آخر، ولرسموا صورة أخرى له. والوصف الأول الأقرب إلى “الباريدوليا” هو تصوير الآلهة في العهد الوثني؛ فقد تم نحت الأصنام على صورة أنسان عملاق أو صغير الحجم (حسب الحاجة، وحسب القدرة)، خيل (بضم الخاء) إليهم أنها صورة الله، وفي الحقيقة، ما هي إلا صورة إنسان بحجم أكبر أو أصغر فقط، وأيضا مثال المسيح عيسى (عليه السلام) حيت تم تصوير الإله متجسدا في صورته؛ لعدم القدرة على إدراكه. فالإنسان، هذا البائس (المصور)، كلما حاول إعطاء شكل للأشياء صور نفسه، وكلما فكر في شيء لا يدركه بطريقة صورية، مثله انطلاقا من صورته وأعطاه شكله، وأذا أراد أن يطمئن أنطولوجيا يحاول إيجاد ما يشبهه، وحتى لو لم يجده، فإنه يقولب (من القولبة) الأشياء حتى تقارب شكله. ويمكن أن أسمي هذا النزوع، هنا؛ “نزعة المطابقة مع أشياء العالم”.
هكذا ترى الذات المتمركزة حول ذاتها الأشياء، ترى الظلام في النور، والنور في الظلام، ترى الصور المجردة التي لا وجود لها في الواقع المعطى، بطريقة مجسدة (صورية) مختزلة. ولكن وجودها (أي؛ الصور المجردة)، في الحقيقة، هو وجود ذهني متصور أو متوهم (تخييلي) في عقل الإنسان، وليس معطى واقعي (حسي).
ولهذا فإن الصورة التي تنقلها الذات هي صورة مشوهة، هي عالم آخر، هي عالمها المتوهم، هي سيمولاكر أنوي. عالم ذهني مجرد، وليس عالم متجسد محسوس.
والقصة المعروفة التي حدثت للجاحظ عندما دعته الحسناء إلى مرافقتها للذهاب إلى السوق، وطلبت منه أن يجلس عند باب محل بائع الحلي، حتى يتمكن الصائغ من نقش صورة الشيطان على الخاتم، وهو لم يكن يعلم بذلك، فالصورة الأقرب لصورة الشيطان، كما تخيلتها الحسناء، هي صورة الجاحظ. من هنا نتبين أن الإنسان يقدر الأشياء بمكياله، ويعطي صورة للأشياء، وبخاصة إذا كانت مجردة أو جانة (غير مرئية)، وفقا لصورته، أو انطلاقا منها. فالإنسان ينظر إلى الإمبراطوريات (الأشياء) من إمبراطوريته (صورته)، وهذا الأمر واضح، خاصة عندما يتم الحكم على الثقافات، والأديان، والمعتقدات، والتواريخ …؛ فإن الإنسان يتصور أن النموذج الذي يجب أن يسود هو نموذجه، والأيديولوجيا التي يجب أن تسود هي أيديولوجيته، والقيمة التي يجب أن تجعل مقياسا للحكم هي قيمته؛ ولهذا يحكم على الأشياء حوله، ويصورها وفقا للموقع الذي يقف عليه، لا من موقع الأشياء ذاتها. وهنا أشيد بنباهة (جاك دريدا) عندما سأله (كورني)، في حواره معه، عن كونه (أي؛ دريدا) فيلسوفا أو ناقدا. فأجاب دريدا قائلا: “أحاول أن أجد مكانا لي في اللاموقع أسائل من خلاله الفلسفة والنقد” (بتصرف)؛ وهنا بالذات يعتبر التفكيك “إستراتيجية”؛ لأنها تغير من موضعها عند كل نزال مع أي خطاب، فتتخذ شكله، حتى تكاد تتماهى به (أي؛ تتجسم)، ثم تقوم بقلقلة وتفكيك الخطاب من الموقع المؤقت الذي أوجدته داخل الخطاب نفسه. تماما مثل الخطط الحربية المؤقتة والخاضعة لمبدأ “كل حرب وخطتها، وكل نزال وأداته الحربية”، وهنا بالذات، في رأيي تكمن قوة التفكيك؛ في أنه لم ينطلق في تحليله من موقع ثابت، ولو لم يكن كذلك لأتهم التفكيك بالصبغة (السكولاستيكية) المدرسية. (يبدو أنني كلما حاولت الهرب من شبح دريدا، إلا وأصر على مطاردتي)

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق