ثقافة السرد

المدفن

بقلم/ صلاح معاطي

متر في متر، هو موطني الكائن في مدن الصمت الأزلية والظلمة الأبدية، فيصير كل ما مضى خيالات سرمدية.. يتلاشى الزمن عند فرجة صغيرة تغلق ويهال عليها التراب ويرش قليل من الماء وتتلى بعض آيات من القرآن. نبكي على من فارقنا ونبكي على حالنا..
أصبح لقاؤنا رهين بموت عزيز، فنتصافح بلا حماس، نتعانق بحكم العادة ونحن نتمتم بحروف هامسة أشبه بشيفرة سرية..
– كيف الحال؟
– نحمده على كل حال..
يتكرر المشهد مع كل راحل نزفه إلى الدار الآخرة ثم ننصرف على غير موعد. لكن هذه المرة أضاف أخي قائلا بلهجة ودودة:
– منذ مدة لم نلتق يا حسين..
– أجل خمسة أعوام كاملة منذ رحل عمي كامل رحمه الله.
هز رأسه في تأثر ثم قال:
– كما تعلم يا أخي أن الظفر لا يطلع من اللحم، وأن الأخوة لبعضهم ومهما حدث بيننا من تباعد غير مقصود بسبب الحياة ومشاعلها فلابد لنا من اجتماع.
رحت أقول مؤكدا:
– تمام يا فضل بكل تأكيد.. وكما قلت لك سابقا أن مصلحتنا واحدة.
سكت قليلا ثم قال:
– أريد أن أعرض عليك شركة بيننا.. شركة تضمنا وتضم أبناءنا.
تراقصت ابتسامة فوق شفتي وأنا أقول بحماس:
– منذ زمن وأنا أعرض عليك هذه الشركة يا فضل.
أسرع يفض أمامي ورقة مطولة بدت عليها رسوم ومقايسات وهو يعقب:
– أنت على حق يا حسين.. التفاصيل كلها موجودة هنا، الشركة عبارة عن “مدفن” سيجمع شتاتنا ورفاتنا، سيكون سبيلنا إلى الدار الآخرة.
كنت أستمع إليه بينما أكفن ابتسامة ماتت بين شفتي..

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق