ثقافة المقال

الأعمال الحضارية بالفيوم خلال الدولة الوسطى

بقلم | أحمد عبد الفتاح أبو هشيمة*

قسم المؤرخ مانتون التاريخ المصري إلى ثلاثين أسرة فرعونية تعاقبت على حكم البلاد ، أما فيما يتعلق بتقسيم الدول والعصور فقد قسمت هي الأخرى إلى ثلاث دول أساسية (قديمة – وسطى – حديثة) تفصل بينها مراحل انتقالية عرفت باسم عصور الاضمحلال عمت فيها الفوضى والاضطرابات والأحداث الدامية ، ولذلك اعتبر المؤرخون مؤسسي الدول الثلاث أبطال وموحدين لمصر .
أما فيما يتعلق بتأسيس الدولة الوسطى فقد تم ذلك على يد الملك منتوحتب الثاني خامس ملوك الأسرة الحادية عشر ، وشملت هذه الدولة الأسرتين الحادية عشر والثانية عشر من تقسيم مانتون ، حيث تمكن هذا الملك من إعادة توحيد البلاد للمرة الثانية خلفًا لنارمر ، وأصبح أول حاكمًا لمصر ككل بعد أحداث الفوضى والاضطراب التي شهدتها البلاد خلال الفترة الانتقالية الأولى وما عانته من ثورة اجتماعية كبرى . وهدفت سياسة ملوك هذه الدولة إلى الارتقاء بكافة النواحي السياسية والحضارية ، وتمثل ذلك جليًا في الاهتمام بالزراعة وتطوير نظم الري وتوزيع مياه بالعدل ، فضلا عن السلم الدولي المتبع آنذاك في علاقات مصر الخارجية طيلة هذه الفترة .
واتبع ملوك الدولة الوسطى سياسة تنموية هدفت إلى تطوير الزراعة والري ، حيث شهدت مدينة الفيوم خلال حكم ملوك هذه الدولة نهضة كبيرة عمرانية واقتصادية ولا سيما في عهد الملك أمنمحات الثالث سادس ملوك الأسرة الثانية عشر . فعندما ارتقى هذا الملك عرش البلاد كانت تعيش مصر حالة رائعة من الاستقرار الداخلي وكانت الحدود الخارجية بمنأى عن الأخطار ومحصنة بشكل كامل .
• سد اللاهون
اهتم أمنمحات الثالث بكل ما يتعلق بمياه النيل واستصلاح الأراضي فقام بتنظيم مياه النيل وقياس ارتفاع الفيضان حتى لا تضيع هباء في حالة الفيضان القوي ، وحتى لا تتعرض البلاد للجوع والجفاف إذا انخفض منسوب النيل ، لذلك حاول الاستفادة من المياه الزائدة بتخزينها في منخفض الفيوم ، وشرع في اقامة سد كبير عند مدخل مدينة الفيوم به فتحات لتصريف المخزون من المياه . وتمثلت أهمية هذا السد في حماية أراضي الفيوم من الغرق بسبب مياه الفيضان الزائدة ، كما ساعد في استصلاح آلاف الأفدنة ، ولم يكتف بذلك أمنمحات الثالث بل قام بحفر بحيرة موريس (قارون حاليا) وجعلها مخزنًا للمياه الزائدة ينتفع بها وقت الحاجة .
• هرم هوارة بالفيوم
ولم يقتصر الأمر عند هذا الحد فقد فاق النشاط العمراني لأمنمحات الثالث ملوك عصره ، فاهتم بإنشاء العديد من المعابد في مدينة ماضي والفيوم ، وأبرز اعماله المعمارية الضخمة هرمه الشهير بمنطقة هوارة بالفيوم ، ويقع بقرية هواره على بعد 9 كم جنوب شرق مدينة الفيوم ، حيث شرع في تشييد هذا الهرم بالفيوم عقب انهيار هرمه الأول الذي بناه في دهشور . وقد بنى هذا الهرم من الطوب اللبن ثم كسى من الخارج بالحجر الجيرى . ويبلغ ارتفاعه 58 متر وطول كل ضلع 105 متر . وقد نجح عالم الآثار الإنجليزي “بترى” عام 1889م في دخول الهرم والوصول إلى حجرة الدفن وجد بها تابوت من كتلة واحدة ضخمة من الحجر الكوارتسيت ويصل وزنها إلى 110 طن. ولكن اللصوص تمكنوا من الوصول إليها عن طريق فتحة في السقف ونهبوا أهم ما فيها .. وتضم المنطقة المحيطة بالهرم مجموعه من الآثار منها مقبرة الأميرة نفرو بتاح التي عثر عليها 1956م وبقايا قصر التيه (اللابرنت) وجبانات من العصر المتأخر والتي عثر فيها على بورتريهات الفيوم.
• قصر التيه (اللابرنت)
كما أنه شيد معبد ضخم في منطقة هوارة عرف باسم قصر التيه (اللابرنت) ، وكان هذا المعبد مثيرًا للكثير من الأساطير التي نسجها حوله مؤرخو اليونان ، لدرجة أن المؤرخ الإغريقي هيردوت عندما تحدث عنه ذكر أن تصميمه يفوق عظمة بناء الأهرامات من حيث التعقيد والبنية الهندسية والنفقات والحجم . وسمى بقصر التيه نظرًا لأن زائره كان يضل الطريق داخله بسبب كثرة عدد غرفه ودهاليزه ، حيث تكون من حوالي ثلاثة آلاف حجرة نصفها فوق الأرض والنصف الثاني تحت الأرض ، وكان به اثنتي عشر بهوًا تحيط بها الأسوار .

*دكتوراه التاريخ الوسيط جامعة الفيوم

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق