ثقافة السرد

وتظل إرم صورة مخففة لواقع مفتت

اقتباس من رواية إرم للروائي يوسف حسين - من إصدارات اسكرايب للنشر والتوزيع

جلس خلف مكتبه داخل أجزخانتِه المتواضعةِ، أمسك بلحيتِه الكستنائيةِ، وظلَّ شارداً يفكر في ليلاه التي استحوذت عليه، تسللت داخله فامتلكته، صورتُها دائماً أمام عينيه، ابتسامتُها الرقيقةُ، حديثُها الساحرُ:

-ياااااااه كم اشتقت للغرق في عينيك..

لا أعرف أنني على قيدِ الحياة إلا كلَّما رأيتُ وجهكِ، وكأنك شمسٌ تركتِ السماءَ وتنازلت لتكونَ بين البشر، أشرقَ بها قلبي المظلم المتوشحُ بسوادِ القَدَر، يا لكِ من ليلى، ليس لكِ من اسمك نصيبٌ، إنك كالفجر بنقائه وصفائه وهدوئه المتوارِي خلف شقاوتك التي تُشعلُ الروحَ اشتياقاً لاحتضانك…! حارَ القلبُ بحبكِ وتاه بتفاصيلك الجذابة، أيعقلُ أن أقعَ فريسةً لعشقِكِ الذي كنتُ أحلم أن أتذوَّقَ طعمه من شفتيك المتوردتين…! أيعقلُ أن أشتاقَ إليكِ شوقاً يضاهي اشتياقَ العطشانِ في الصحراءِ إلى الماء…!

أخرجَ هاتفَه من جيبه وحدَّقَ في رقمها وكأن صورةَ وجهها الجميلِ بين يديه، حدق كثيراً، وقد نازعته نفسُه في الاتصال بها، أصابعُ يده تجرُّه بقوةٍ لِـلمسِ الرَّقْمِ كزبانيةِ جهنمَ تجرُّ الكفارَ إلى الجحيم بسلاسلَ من فولاذٍ متوهج، وهو في وسط معركتِه يجدُ صوتَ سيدةٍ تطلب منه أن يصرفَ لها وصفةً طبيةً، نهض وتوجَّه نحو رفوفِ الأدوية، جلب علبتين من الأدوية، رن هاتفُه ولمَّا اقترب منه وحدقَ في الشاشةِ رأى رقمها يتراقص أمام عينيه، لم يتمالك نفسَه من الفرحة.. ارتخت أعصابه.. سقطت الأدويةُ من يده.. تهشَّمت ولم يشعر بها.. صاحت السيدة:

-دكتور أمجد..

لم ينتبِه؛ بل ظلَّ مُحدقًا في الهاتف.. انتهى الاتصال نادته المرأة ثانياً، انتبَهَ لها ولزجاجات الدواء المهشمةِ على الأرضية، فاعتذر من المرأةِ وأحضر لها طلبَها، فلمَّا أخذته وانصرفت أمسك هاتفه وسارعَ بضغطِ زرِّ الاتصال.. فُتِحَ الخطُّ؛ وبلهفةٍ شديدةٍ بهمسُ:

-ليلى…؟

صوتها اختفى وراءَ أنفاسِها الساخنة.. أشعلت نارُ الشوقِ في قلبه.. ردَّدَ اسمها بلهفةٍ:

-ليلى..

لم تجبه فتابعَ بحب:

-كنت سأتصلُ بك قبل أن تفعلي…! أرجوكِ تحدَّثِي.. قولي شيئاً.. أتوق لسماع صوتك، بل أودُّ أن ألتقيَ بك اليوم في……

وقفَ الكلامُ على لسانه فتحدثت هي بحُنُوٍّ:

-أكمل.. هااا.. في ماذا…؟

ضحك من أعماقه.. وردَّ عليها مُغازلاً:

-أخيراً تناثرت حبَّاتُ اللؤلؤِ على مسامعي وخرجت جواهرُ الكلماتِ الممزوجةِ بقطرات الندى من بين شفتيك الرقيقتين لتزيِّنَ قلبي الحزين وتُرطِّبَه..

خرجت تنهيدةٌ حار ةٌ من أعماقِها اكتفت بها رداً على حديثِه فتابع:

أودُّ أن أراكِ في مطعمِ الحسناء.. هل تعرفينه…؟ هو ليس بعيداً عن منزلكم…؟

أجابت دون تردد:

-نعم.. أعرفه؛ ولكن متى ذلك…؟

رقص قلبُه بين ضلوعِه وأجابَ قبلَ لسانه:

-اليومَ.. في تمام الساعة الخامسة..

أغلق كلٌّ منهما الخطَّ، ولكن ظلَّ قلبهما متصلاً حتى اللقاء.

في الخامسةِ مساءً دلف أمجدُ إلى المطعم، ومن ثَــمَّ جال ببصره في المكان ليتفحَّصَ ملامحَ زبائنه.. ربما حضرت قبله…! وحين حدَّثَه قلبُه بأنها لازالت في طريقِها إليه جلس على طاولةٍ في الركن اليساريِّ للمطعم ووجَّهَ بصرَه نحو الباب، ومع كلِّ زائرٍ يقتربُ من الباب كان قلبُه يستقبلُه قبل أن تتضحَ معالمُه حتى أتت فيروزةُ حياتِه بفستانِها الأسودِ الطويلِ وشعرِها المسترسلِ المنثورِ خلف ظهرِها كشُعَبٍ مرجانيةٍ تُزيِّنُ شاطئَ جسدِها المنحوتِ بدقَّةٍ، فلمحته من بعيدٍ فتقدمت نحوه، ومع كلِّ خطوةٍ كانت تخطوها كانت تزدادُ نبضاتُ قلبِه فرحاً وسعادةً وكأنها ترقص فوقه حافيةَ القدمين، وحين وصلت إليه نهض عن مقعده وصافحها وطبع قبلةً على يدها وأشار لها بالجلوس، فحدّقت فيه بتمعُّنٍ وشردت في لونِ عينيه “اللازورد” وحدثته بعينيها :

– يا لجبروتِ هذا “اللازورد” الهاربِ من بلاد ما وراءَ النهرين ليستقر بعينيك ويتخذهما موطناً يجلب السائحات إليه…!

– ليلى.. كيف حالُك…؟

تساءل وهو يحتضن كِفَّتيها بين كِفَّتَيه.. فأجابت بدهاءٍ ممزوجٍ بخجلٍ مصطنع:

-لم أكن بحالةٍ جيدةٍ إلا حين رأيتُك..

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق