ثقافة المقال

المرأة في شعر أبي الطيب المتنبي

د: سالم بن رزيق بن عوض

من ثنائيات الإبداع عند المبدعين من شعراء وأدباء المرأة والطبيعة، فالطبيعة على حقيقتها وأبعادها المعنوية هي رافد من روافد الإبداع والإلهام للأديب شاعراً ساحراً أو ناثرا مبدعا
فهو يغوص في بساطتها ويقف عند غدرانها وأنهارها وبحارها وجمال أشجارها وغاباتها وغناء أطيارها وسحر أنفاسها وأشكال تنوعها كذلك ربما يصرفه بصره الشعري إلى جمال السماء ونفاسة النجوم والكواكب وسهولة قراءة الكون والمستقبل من خلال الصور التي يقدمها الليل والنهار في آن واحد.
إن الإحساس بالجمال آمر معنوي نسبي يتفاوت الناس فيه فضلاً عن الأدباء المبدعين، فالليل والنهار وإطلالة الشمس وجمال الفجر وطلوعه ومشاهد المخلوقات وهي تنتشر في الأرض بالطول والعرض والثمار المتدلية والأشجار الباسقة والغدران الجارية ومشاهد جمال الغروب ربما لا تستفز بعض الأدباء والشعراء.
كذلك المصدر الآخر للإلهام والإبداع والإبحار في عوالم الكلمة الشاعرة وهي المرأة بسحرها وجمالها وأنوثتها وقدرتها على الفتنة والإغواء والإبحار فيها وفي عينيها وجمال ظفائرها وقوامها ورشاقتها وسحر خديها وشفتيها كل ذلك لا يراه بعض الأدباء مصدر إلهام ووقود قصيدة شعرية فضلاً عن بيت سائر.
من الشعراء الذين نرى أنهم ما أوغلوا في جمال المرأة وسحرها والغوص في مفاتن أنوثتها شاعر العربية الكبير أبي الطيب المتنبي.
يقول أبو الطيب المتنبي :
ولو كان النساء كمن فقدنا. //. لفضلت النساء على الرجال
فما التأنيث لاسم الشمس عيب // ولا التذكير فخر للهلال!
فهو يرى فيها العلم والمكانة الاجتماعية العالية دون غيرها ولو كان نساء يملكون هذين لفضلوا الرجال حقيقة.
ويقول في موطن آخر :
مِمّا أضَرّ بأهْلِ العِشْقِ أنّهُمُ//هَوَوا وَمَا عَرَفُوا الدّنْيَا وَما فطِنوا
تَفنى عُيُونُهُمُ دَمْعاً وَأنْفُسُهُمْ//في إثْرِ كُلّ قَبيحٍ وَجهُهُ حَسَنُ
فهو لا يرى في المرأة ما يراه العاشق المحب.. وهذا عجيب من أبي الطيب المتنبي.. كيف هذا؟ الشاعر يرى الجمال بعيون الناس لا يثرب على ما يحبون ويعشقون بل يرميهم بالجهل وعدم الفطنة وعدم معرفة حقيقة الأمور.
ويقول في موطن :
ومَنْ خَبِرَ الغَواني فالغَواني//. ضِياءٌ في بَواطِنِهِ ظَلامُ
إذا كانَ الشّبابُ السُّكرَ.والشّيْـ//ـبُ هَمّاً فالحَياةُ هيَ الحِمامُ
وما كُلٌّ بمَعذورٍ بِبُخْلٍ. //. ولا كُلٌّ على بُخْلٍ يُلامُ
بينما يرى أبو الطيب المتنبي المرأة البدوية هي المرأة قد تنال إعجابة ونقول قد لأن مزاج أبي الطيب بعيد عن هذه العوالم :

مَنِ الجآذِرُ في زِيّ الأعَارِيبِ
حُمْرَ الحِلَى وَالمَطَايَا وَالجَلابيبِ
إنْ كُنتَ تَسألُ شَكّاً في مَعارِفِها
فمَنْ بَلاكَ بتَسهيدٍ وَتَعذيبِ
لا تَجْزِني بضَنًى بي بَعْدَهَا بَقَرٌتَجزي
دُموعيَ مَسكوباً بمسكُوبِ
سَوَائِرٌ رُبّمَا سارَتْ هَوَادِجُهَا
مَنيعَةً بَينَ مَطْعُونٍ وَمَضرُوبِ
وَرُبّمَا وَخَدَتْ أيْدي المَطيّ بهَا
على نَجيعٍ مِنَ الفُرْسانِ مَصْبوبِ
إلى أن يقول :
ما أوْجُهُ الحَضَرِ المُسْتَحسَناتُ
بهِكأوْجُهِ البَدَوِيّاتِ الرّعَابيبِ
حُسْنُ الحِضارَةِ مَجلُوبٌ بتَطْرِيَةٍ
وَفي البِداوَةِ حُسنٌ غيرُ مَجلوبِ
أينَ المَعيزُ مِنَ الآرَامِ نَاظِرَةً
وَغَيرَ ناظِرَةٍ في الحُسنِ وَالطّيبِ
أفدِي ظِبَاءَ فَلاةٍ مَا عَرَفْنَ بِهَا
مَضْغَ الكلامِ وَلا صَبغَ الحَواجيبِ
وَلا بَرَزْنَ مِنَ الحَمّامِ مَاثِلَةً
أوراكُهُنَّ صَقيلاتِ العَرَاقيبِ
وَمِنْ هَوَى كلّ مَن ليستْ مُمَوِّهَةً
ترَكْتُ لَوْنَ مَشيبي غيرَ مَخضُوبِ
وَمِن هَوَى الصّدقِ في قَوْلي وَعادَتِهِ
رَغِبْتُ عن شَعَرٍ في الرّأس مكذوبِ
فالمرأة لم تكن مصدر إلهامه ولا تلك الآسرة له وهو لم يكن المتيم بها، وهذا ربما يعزى إلى إنشغال المتنبي في حروبه مع خصوصه أو بحثه الحثيث عن مكانة بين الملوك والعظماء وربما كان قلب المتنبي ميالا للمرأة كأنثى فقط دون ان يشغل شعره بها.

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، غير ربحية تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق