الموقع

أميركا/الغرب والسيناريوهات الثلاثة

حسين درويش العادلي

المتتبع لسياسة أميركا/الغرب يلحظ ملامح لسيناريوهات عديدة تعتمد ستراتيجيات محتملة في التعاطي مع الواقع الجديد الذي ستعيشه شعوب ودول المنطقة إثر التحوّلات العميقة في نموذج الدولة الشرقية وما سينتج عنها من تغييرات هائلة في بنيتها وهويتها ومصالحها، وأيضاً في التغيير الذي سيطال نمط المعادلات السياسية التي ميزت الشرق الأوسط طيلة العقود المنصرمة. هناك تغيّراً ضارباً في عمق تركيبة المجتمعات والدول الشرقية بفعل الثورات والإنتفاضات المتماهية مع أجندات التوظيف والمصالح الدولية، والصراع الجاري الآن يتلخص بإدارة الصراع لتوظيف هذه التحولات كي لا تخرج عن السيطرة والتحكم قدر الإمكان. إنَّ السيطرة والتوجيه هي التي ميزت معادلات الدول الشرقية في الحفاظ على نسق المصالح لمراكز القرار الدولي، والخارطة الجيوسياسية والجيومجتمعية الجديدة التي رسمتها وسترسمها التحولات الجارية حالياً ستغير من شكل المعادلات السياسية الشرقية التي تسيدت لعقود عدة، الأمر الذي يستتبع الإعداد لسيناريوهات تعتمد ستراتيجيات جديدة للتعامل مع الواقع الشرق أوسطي الجديد.

ثلاثة سيناريوات

ليس هناك من معلومات مؤكدة لطبيعة الستراتيجية الأميركية الغربية التي سيتم اعتمادها وتوظيفها في التعاطي مع المتغيرات الجارية، إلاّ أنَّ الراصد يمكنه تلمس ثلاثة سيناريوهات أميركية غربية محتملة للتعاطي مع الواقع الشرقي الجديد حسب حركية التطورات، والسيناريوهات هي: سيناريو البؤر، سيناريو التضاد، وسيناريو الإحتواء.

سيناريو البؤر

يتلخص هذا السيناريو باعتبار الشرق الأوسط وشمال أفريقيا مركزاً لبؤر تنقسم الى: بؤر آمنة، بؤر قلقة، بؤر متفجرة، تناسباً مع الخارطة الجديدة التي ستفرزها التحوّلات التي تشهدها شعوب ودول المنطقة. والبؤرة قد تشمل دولة أو أكثر، تنتجها طبيعة الموقع الجيوسياسي والجيومجتمعي لكل دولة ولمحيطها الإقليمي ولنمط تأثيرها على المنطقة.

يتلخص فحوى سيناريو البؤر بتقسيم الدول الى بؤر آمنة وقلقة ومتفجرة بالتناسب مع طبيعة كل دولة وملفاتها الداخلية ودورها الخارجي،.. فالبؤر الآمنة هي تلك الدول الواجب الحفاظ على أمنها واستقرارها تحت أي ظرف لأهداف سياسية أو اقتصادية أو عسكرية، والبؤر القلقة هي تلك الدول التي يراد لها أن تعيش الإضطراب البنوي الداخلي الذي يحيدها عن معادلات الصراع والتنافس في منظومتها الإقليمية، والبؤر المتفجرة هي تلك الدول التي يتم من خلال واقعها المتفجر إعادة تشكيل المنطقة تناسباً مع المتغيرات الجيوستراتيجية،.. مثلاً: يتم اعتبار إسرائيل ودول الطاقة الخليجية بؤراً آمنة يتحقق أمنها من خلال الدعم المباشر ومن خلال خلق الفوضى في جوارها الإقليمي فتنشغل كل دولة بهمومها ومشاكلها الداخلية بالشكل الذي لا تقوى على تهديد البؤر الآمنة، مع ضمانة التحكم بمسار الفوضى من خلال الإمتداد السياسي ومن خلال التنسيق المباشر مع قوى عسكرية شبه مركزية تتولى –داخلياً- صد أية محاولة لإمتداد سلبيات الفوضى الى البؤر الآمنة.

وفق سيناريو البؤر سيتم تقسيم دول المنطقة الى بؤر آمنة (اسرائيل ودول الطاقة الخليجية) وبؤر قلقة (العراق، سوريا، لبنان، الأردن، مصر، اليمن، تونس) وبؤر متفجرة (السودان، الصومال، ليبيا، ايران).

سيناريو التضاد المذهبي

على خلفية التضاد الإسلامي المذهبي الحاضر بقوة وعنف في بنية المجتمعات والدول الشرق أوسطية والذي كشفت عنه ثورات وانتفاضات المنطقة، سيتم إعادة رسم الخارطة الجيوسياسية على وفق هذا التضاد لخلق مركزيات جيوستراتيجية مذهبية كبرى تضمن وقوع المنطقة في مجالها الحيوي بما يضبط ويوجه بوصلة الصراع والمصالح، والدولتان المرشحتان لتكونا مركزاً لستراتيجيتين مذهبيتين هما: تركيا كمركز مذهبي سني، وإيران كمركز مذهبي شيعي، والمتتبع يلحظ تراكماً مضطرداً لنواتين مذهبيتين ستراتيجيتين.

سنياً لا تمتلك أية دولة مقومات ذاتية لتكون مركزاً وتشكل مركزية سنية سوى تركيا ذات الإرث العثماني والإقتصاد الضارب والموقع الجيوسياسي المتميز، فالسعودية ورغم ثقلها الديني السياسي الإقتصادي فهي غير مؤهلة لتكون مركزاً سنياً بسبب بنية الدولة السعودية التقليدي ولنمط مذهبها الوهابي الغير مرحب به عربياً وغربياً، ومصر رغم ثقلها السياسي الديني إلاّ أنها أضعف من أن تكون مركزاً ستراتيجياً سنياً فاعلاً بسبب ضعفها الإقتصادي القاتل. هذا ما يتصل بالمركزية السنية، أما المركزية الشيعية فليست من دولة تمتلك مقومات المركزية المذهبية سوى إيران،.. والناتج قيام مركزية مذهبية سنية تركية ومركزية مذهبية شيعية ايرانية سيدخلان في تصادم مصالحي شامل.

إنَّ جوهر سيناريو التضاد يتمثل بتمكين حركة الإخوان المسلمين من الوصول الى السلطة في أكثر من دولة، ثم يصار الى تفاهمات ستراتيجية مع تركيا المركز لتكوين مركزية سنية ستراتيجية قبال المركزية الإيرانية.

ستكون أميركا/الغرب أقرب الى المركزية التركية الراعية للمحور السني في توجيه دفة المصالح الحيوية في المنطقة وتوجيه الأحداث صوب أهدافها الستراتيجية، فالمحور الشيعي عموماً مازال منخرطاً في صراع حيوي مع أميركا والغرب،.. وإذا كان العقد المنصرم عقداً شيعياً سجل تقدماً واضحاً في أكثر من ساحة (العراق ولبنان وايران) فإنَّ العقد القادم سيكون عقداً سنياً بامتياز.

سيناريو الإحتواء

قد يتم اعتماد سيناريو الإحتواء عوضاً عن سيناريو البؤر وسيناريو التضاد المذهبي،.. والإحتواء هنا أقرب الى سيناريو التضاد المذهبي مع ملاحظة عدم السماح للمركزية الشيعية من التبلور مقابل المركزية السنية التي ستكون محورية وليست مركزية.

سيناريو الإحتواء يتمثل باقامة تفاهمات مباشرة مع القوى الإسلاموية التي أفرزتها المتغيرات الشرق أوسطية، وبالأخص حركة الإخوان المسلمين، ومحور التفاهمات يتلخص بالحفاظ على البؤر الآمنة (إسرائيل ودول الطاقة الخليجية) من كل تهديد بما فيها التهديد الإيراني، وأيضاً ابعاد وتحجيم ومواجهة التيارات الإسلامية السلفية الأصولية المتنامية في المنطقة، مقابل دعم أميركي غربي سياسي اقتصادي لدول الإسلام السياسي، وضمن محورية للدور التركي المصري في تشكيل خط اقليمي إخواني عالي التفاهم مع الدوائر الأميركية الغربية فيما يتصل بتوجيه الأحداث والمصالح الشرق أوسطية.

مراكز الشرق الأوسط

يمكن خلق سيناريوهات بناءة تحقق الكثير من الإيجابيات قبال السيناريوهات الثلاثة الكارثية التي فيما لو تحققت فإنها ستدخل منطقة الشرق الأوسط بأسرها في صراعات متشظية لا يمكن التنبؤ بنتائجها.

يمكن اعتماد سيناريو: المركزية المدنية التركية، فتركيا بمقوماتها الذاتية يمكنها أن تكون مركزاً مدنياً على حساب مركزيتها القومية أو المذهبية،.. إنَّ الشرق الأوسط يحتاج الى مركز تحكم ستراتيجي مدني وسط التناقضات العرقطائفية التي تهدد المنطقة بأسرها، ووسط تنامي التخندق الستراتيجي المذهبي الموظف خارجياً.

لتركيا مقومات المركزية المدنية الفعالة، إنها دولة تتمتع بنمط من الإسلام المدني وبمركز جغرافي نوعي وقوة اقتصادية ناعمة ومتنامية وحضور ايجابي في أكثر من ساحة سياسية ومجتمعية، المطلوب بلورتها كقوة مركزية مدنية تكون عنصر توازن يحول دون سقوط الشرق الأوسط برمته في أتون تضاد مذهبي وحرب شيعية سنية تخطط لها بعض الستراتيجيات، ويمكن لتركيا بلورة سترتيجيتها الجديدة على أساس من كونها قوة ستراتيجية مدنية شرق أوسطية. وفيما لو استسلمت تركيا لستراتيجية التضاد أو الإحتواء على أساس من كونها مركزاً عثمانياً فإنَّ المنطقة بأسرها بما فيها تركيا ستجر الى صدامات وحروب داخلية وبينية خاسرة.

للعراق أيضاً مركزاً محورياً في المنطقة يمكن من خلاله تكوين مركز ستراتيجي فعال، إنه الدولة ذات الثقل الحضاري والثروات الهائلة والموقع الستراتيجي الإستثنائي. يمكن للعراق أن يتحول الى (دولة توازن ستراتيجي) موازن ومتوازن وسط الستراتيجيات المتصارعة وبالذات الإيرانية السعودية والتركية،.. وفيما لو تقسم العراق أو بقي دولة ضعيفة قلقة فإنه سيجر المنطقة بأسرها الى إعادة إنتاج نفسها على أساس عرقطائفي متضاد ومتصارع. على أنَّ إنجاز مهمة العراق الستراتيجي يتطلب إعادة إنتاج بنية الدولة العراقية الحالية القائمة على أساس من الحكم التوافقي العرقطائفي المنقسم الى بنية الدولة الوطنية المدنية الموحدة الفعالة.

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق