قراءات ودراسات

ليالي نازك الشعرية

محسن عبد الكريم*

في محلة العاقولية ببغداد حيث دار الاستاذ صادق الملائكة  الكاتب والباحث له مؤلفات عديدة اهمها موسوعة (معارف الناس) في عشرين جزء وزوجته الشاعرة سلمى عبد الرزاق والتي كانت مولعة بقراءة القصص وسيرة الابطال والشعر العذري وقد  اصدرت ديوانها الشعري (انشودة  المجد) في تلك الدار كانت ولادة شاعرتنا نازك صادق الملائكة وقد اختير لها هذا الاسم (نازك) وهو من الاسماء التركية هو جدها لانها ولدت عقب الثورة التي قادتها الثائرة السورية (نازك العابد)على السلطات الفرنسية وتصدر اسمها صفحات الجرائد انذاك فراى جد الطفلة ان يسمون وليدتهم الجديدة (نازك) تيمنا باسم هذه الثائرة وكان يرد د(ستكون ابنتنا الجديدة نازك مشهورة كنازك العابد ان شاء الله) وكتب والدها قصيدة يحيى ميلاد ابنته نازك ويؤرخ تاريخ مولدها بهذا الشطر (نازك جاءت في زمن السرور) اي ان ولادتها يوم الاربعاء الموافق ثلاثين من ذي الحجة 1341هجرية للسنة 1923ميلادية.. هذا ما كتبته الشاعرة(نازك الملائكة) في مذكراتها التي لم تنشر بعد تخرجت من دار العلمين عام 1944وفي عام 1949تخرجت من معهد الفنون الجميلة /قسم العود/ وسافرت الى الولايات المتحدة الامريكية ودرست اللغة اللا تينية والادب المقرن وذلك عام 1950وكذلك درست اللغة الفرنسية واتقنت الانكليزية وترجمة بعض الادبية منها 0وعادة الى العراق وعملت بالتدريس في كلية التربية في بغداد عام 1957وبعد قيام الجمهورية العراقية تركت العراق لتحط الرحال في بيروت واخذت تنشر نتاجها الشعري والنقدي في جامعة البصرة عادت شاعرتنا (شاعرة وناقدة) للتدريس في تلك الجامعة 0000 تصفحت شعرها فوجدته اناشيد لذكريات الالام وعتابها على الحياة المحترقة الزائلة وتغور في وادي العبيد ويائسها من الحياة الذي لاينقذها زوارق اوصرخة او اسف لما مضى من هذه الحياة وترجمت صرختها هذه بقصيدة اسمتها ثورة امام الشمس واهدتها الى المتمردين من الذين يشعرون باحساسها بعد ان وجدت ان نهاية الحياة تقع بين فكي الموت وبعد ان وقفت على حافة الهاوية وراح سياط الزمن يرسم لوحة على جسدها وتسمع نغمات مرتعشة تلهبها زيارة المقبرة الغريقة بالاموات وعودت الغريب بعد رصيد كبير من احزان واشواق حالمة بمدينة الحب وصفتها بجزيرة الوحي ورذاذ المطر وشجيرات الذكرى والعمر الطويل مابين الخيال والواقع تجد نفسها بالسفينة التائهة بقلب ميت لتعود الى الى معبد الحب لترد د الانشودة الابدية طامعة بالخلود بليلة مطرية ليحط الركاب بها في مصر الكنانه وتخطفها يد المنون وهناك لتصنع منها اسطورة من اساطير الادب العربي وضعت بصمتها بكل ثقة على صفحات الادب يتزين صدره امام ادب الشعوب 0 شاعرتي وهل ابقيت شيئا لم تذكريه فحملك ليس طفلا تغردين معه في المهد ومع الايام والسنين ليكبر وانما كانت اهات رسمته مخيلتكي الادبية حاكتها نجوم الليالي وخلوة الظلام والنفس لعهر الحياة وفي هذا الرحب الغريب :

اعبر عما تحس حياتي

وارسم احساس روحي الغريب

فابكي اذا صدمتني

بخنجرها الابدي الرهيب

واضحك مما قضاه الزمن

على الهيكل الادمي العجيب

واغضب حين يداس الشعور

ويسخر من فوران اللهيب

وسترجع ذاكرتها في قصيدة (ذكريات ممحوه) وتعطي صورة تلك الذكريات فتقول

احزان قلب تاه في ذعره

اسكنته يوما اعالي الذرى

وضمه الماضي الى صدره

فيك جمادا من ترابا وطيني

القي عليه من شبابي الحزين

وارجعته للحضيض السنين

وجهك اخفاه ضباب السنين

مضى وابقى لي فؤدا يرى ويشاء الاقدار ان تعرض شاعرتنا مذكراتها وما احتوت من اروع الماءسي فالقت مذكراتها في نار وانشدة قصيدتها (الحياة المحترقة ) فتقول هذي يانار افراحي وشوقي وشجوني سنواتي كلها يانار في هذي السطور جئت القيها الى فكيك في فجري الحزين واغاريدي واشواق حياتي وحبوري كل ما مر بقلبي من شقاء وحنين وبقايا من حنيني وشظايا من شعوري القيه الان لاتبقى ولاتسهليني واباديد من الاحلام والحزن البرير واي وصف تصف الحياة كانها (وادي العبيد) ما بين طموحها وماسي الحياة التي وصفتها بقصيدتها (وادي العبيد)

فتقول:

لا اريد العيش في وادي العبيد

بين اموات 000وان لم يدفنوا

جثث ترسف في اسر القيود

وتماثيل احتوتها الاعين

ادميون ولكن كالقرود

وضباع شرسة لاتؤمن

ابدا اسمعهم عذب نشيدي

وهم نوم عميق محزن

وفي هذا الوادي تنشد عن ذاتها وتصفه فتقول :

ان اكن عاشقة الليل فكاسي

مشرق بالضوء والحب الوريق

وجمال الليل قد طهر نفسي

بالدجى والهمس والصمت العميق

ابدا يملا اوهامي وحسي

بمعاني الروح الشعر الرقيق

فدعو لي ليل احلامي ويأسي

ولكم انتم تباشيرالشروق

الشمس كانت الامل فوقفت تصرخ بها تحكي قصتها واهدتها الى المتمردين منها في قصيدتها (ثورة على الشمس) فتقول :

وقفت امام الشمس صارخة بها

ياشمس مثلك قلبي المتمرد

قلبي الذي جرف الحياة شبابه

وسقى النجوم ضيأؤه المتجدد

مهلا،ولايخدعك حزن حائر

في مقلتي ودمعة تتنهد

فالحزن صورة ثورتي وتمردي

والصمت في اعماق قلب شاعر

ياشمس اما انت 000ماذا ما الذي

تلقاه فيك عواطفي وخواطري

لاتعجبي ان كنت عاشقة الدجى

ياربة اللهب المذيب الصاهر

يامن تمزق كل حلم مشرق

للحالمين وكل طيف ساحر

يامن تهدم ما يشيده الدجى

تحت الليالي والالوهة تشهد

وكان سفرها يلهو بين جنبات الماسي الماضي وعثرات الايام القادمة فترجمة هذا السفر بقصيدتها (السفر)فتقول :

عبثا انتظر الان نجمي ليس يطلع

انا وحدي فوق صدر البحر يا زورق فارجع

هبت الرياح على البحر الجنوبي المروع

فلتعد للشاطي الساجي بقلبي المتضرع

فسلام أيها الموت سلام يارفات

ان آن تهجر قيثاري وعودي النغمات

ان آن يطفىء افراحي واحزاني الممات

وهل كان اليأس ديدنها فلا حياة لحياتها ووضعت اقدامها على النهاية ففي قصيدة لها بعنوان (على حافة الهاوية) فتقول:

وان يكن تحت الدجى بلبل

فا استخليفيه ان يصوغ الرثاء

وان تساقى الزهرة عطر الندى

فقطرة منه لجسمي ارتواء

جئتك حيرى في ظلام الدجى

يدفع اقدامي جنون الالم

جئت وروحي فزع صارخ

باسم اله الصمت باسم العدم

وعدت للمعبد ، لاجثة

محمولة بل جسدا ماشيا

اسخر من نفسي مما جرى

وازدري احساسي الباقيا


نازك الملائكة والشعر الحر

كل طموحاتها التجديد والحداثة فراحت تتمرد على الواقع الشعري الذي تعيشه بعد ان اعيها التقليد فكانت بحق ثورة لتخرج بصيرورة للقصيدة الشعرية ولها الريادة في قصيدة النثر وذالك بايجاد قصيدة عربية حديثة متطورة كما وصفوها بعدما درست اكاديميا وقراءة شعر الاولين والحاليين وذالك بدعوتها الى القافية المنوعة بدلا من الموحدة وحرية طول وقصر الصدر والعجز من القصيدة وكما قالت ((انها دعوة  الى ايجاد الصلة  والعلاقة التفاعلية بين بحور الشعر القديم والنثر واقصد بها ان يجد شعر الحر اصولا ارسخ الى الشعر القديم واعاريضه )) ومن هذه المفاهيم التي وضعتا نازك الملائكة ارادت ان تجدد الامها اوسع واكبر فكانت ولادة قصيدة (الكوليرا)عام 1947لقد عانت كثيرا من هذا اللون الشعري فيقول الشاعر السيد مصطفى جمال الدين في كتابه (الديوان) (ان نشوء الموسيقى الشعرية من تكرار تفعيله بعينها بقصيدة طويلة اوقع نماذج هذا الشعر في رتوب ممل وتشابه نغمي واحد كما تصورت الشاعرة نازك الملائكة وهي تكتب اول قصيدة في الشعر الحر (( لقاء الشاعرة نازك الملاءكة والسيد جمال الدين (رحمهم الله) في بيروت ))

قصيدة الكوليرا

طلع الفجر

اصغ الى وقع خطى الماشين

في صمت الفجر

اصغ انظر ركب الباكين

عشرة امواتا عشرونا

لاتحص اصغي  للباكينا

اسمع صوت الطفل المسكين

موتى 000 موتى 000ضاع العدد

موتى 000 موتى 000لم يبق غد

في كل مكان يندبه محزون

لالحظة اخلاء لا صمت

هذا ما فعلت كف الموت

الموت 000 الموت 000 الموت

تشكو البشرية تشكو

ما يرتكب الموت

في كهف الرعب

مع الاشلاء في صمت

لابد القاسي

حيث الموت دواء

استيقظ داء الكوليرا

حقنا يتدفق موثورا

هبط الوادي

المرح الوضاء

يصرخ مضطربا مجنونا

لايسمع صوت الباكينا

في كل مكان خلف مخلبه اصداء

في كوخ الفلاحة في البيت

لاشيء سوى صرخات الموت

الموت 000 الموت 000 الموت

في شخص الكوليرا ينظم الموت

ـ نازك الملائكة والنقد

لقد اشتهرت وكثر الحديث عنها في النقد ويصف الشاعر والناقد فاروق شوشه عند مقارنته مع شاعرات عربيات امثال فدى طوقان وسلمى الخضراء بانها (نازك – الظاهرة) ويعتبرها اهم شاعره عربية في القرن العشرين وقد جمعت بين الشعر والنقد معا وناقدة متخصصة وذالك من خلال العمق في النص الشعري وتستنطقه وتعيش اجواه (كما وصفوها) وتفتش على زاوية لها ان ترسم لوحة جديدة للتجديد وهذا مابينته في كتابها النقدي (سيكلوجية الشعر) ان الشاعر عندما يدور في وادي او اثنين من وديان الشعر يضع نفسه اسيرا للون واحد عندئد ينعدم الابداع بشكل مطلق ويظل ابداعه في المجال الذي اختاره فقط فالدعوة للمخاظ في كل الوان الشعر يكبر من الابداع الشاعر وهذا ما تناولته في كتابها (قضايا الشعر المعاصر) انها ثورة للخروج بالشعر من قالبه القديم وذالك من خلال الانسيابية والوضوح وتدفق الجمل الشعرية على ايقاف التفعيلة الموسيقية يجمعه بودقة الفن والابداع وهذا مالاحظناه في شعرها الحر وما رسمته في كتابيها النقدين (الصومعة ، والشرفة الحمراء) فهل نجحت (نازك الملائكة) في دعوتها للتجديد من خلال نقدها ووفق اىسس التي رسمتها في ابياتها الشعرية بعد ان وجدت من يقف في جانبها من الشعراء بدر شاكر السياب الذين تنازعوا في زعامة وريادة الشعر الحر واثارت انتباه عبد الوهاب البياتي والشاعرة جليلة رضا والشاعر صلاح عبد الصبورالذين ارادو دخول قائمة التنافس معها وسيظل نقد نازك الملائكة مدرسة من المدارس النقد اغنت الحركة الثقافية العربية التجديدية تستحق الدراسة والاهتمام 0

عذرا يا سيدتي يا سيدة الشعر والنقد وحاشا ان اكتب مقالة او اقول شعرا في حضرتك فاليل سميرك والحياة قد اسرك فجعلت منك تنشدين اناشيد الليل والقوم العبيد ومناجات الشمس والنار التي احرقة اوراق ثورة همومك وستبقين الشاعرة التي عرفناها بعد الموت 0

والمصادر التي اعتمدت عليها عليها :

1- نازك الملائكة 00 هل تنباءت بـ(شظايا ورماد المستقبل ؟ للدكتور سيار الجميل

2- لترعاك الملائكة  يا نازك (بحث قدمه الاستاذ سهيل ياسين)

3- نازك الملائكة / سيرة امراءة مبدعة بحث قدمه الاستاذ عبد الحليم الفنيمي

4-عاشقة الليل / شعر نازك الملائكة

*كاتب من العراق

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق