ثقافة المقال

هل يمكن للتاريخ الأنثوي أن يتكلم؟

بقلم: منصور زغواني

تؤكد سيمون دي بوفوار أن الأنثى لم تختر لنفسها أن تكون انثى أو جنسا ثانيا تسيطر عليه الثقافة البطريركية (الأبوية)، وهذا عندما اطلقت مقولتها الشهيرة في كتابها (الجنس الآخر (الثاني)) حيث قالت: إن”الأنثى لا تولد أنثى بل تصبح أنثى”؛ فالاختيار، وفق دي بوفوار، شرط من شروط النوع الاجتماعي، والحرية الجنسية (ذكر/ أنثى) هي أولى الأولويات، حسب النظرية النسوية؛ ولهذا فإن الشيء الطبيعي الوحيد بالنسبة إلى الرجل والمرأة هو الاختيار، وما عدا ذلك فكل شيء تصنعه الثقافة ثم تقوم بتأطيره ووضع الكلمات المعبرة عنه عبر امتلاك سلطة القول، والتحكم في نظام اللغة.
فما الذي يمنع حق الممارسة السياسية بالنسبة للمرأة؟ وما هو الظابط الذي يجعل من الممارسات الاجتماعية ممارسات محددة سلفا، تتوزع وفق منظور الثقافة السائدة؛ صنف للمرأة وصنف للرجل؟ وهل صحيح أن الأدوار الاجتماعية التي ألحقت بالرجل هي أدوار رجالية طبيعيا، وهل الأدوار التي ألحقت بالمرأة هي أدوار أنثوية طبيعيا (=بمعنى جوهر يلحق بهما)؟ أم أن التراكمات الثقافية والتاريخية هي التي حددت تلك الأدوار؟ هل يمكن للحريم الثقافي أن يتنازل عن حق الوصاية على المرأة؟ وهل جسد المرأة جسد أنثوي أم أنه جسد ثقافي يحدده الرجل؟ وهل يمكن للمرأة الخروج من براثن البطريركية إلى عالمها الخاص دون قيد فوقي من قبل الثقافة المتمركزة ذكوريا، ودون الرجوع إلى منطق الثنائيات التقابلية (=الذات/ الآخر)؟ وهل يمكن بعث لغة لا ذكورية ولا أنثوية في الوقت عينه؛ أي لغة من غير موقع؟ هذه بعض الاشكالات الوجودية والثقافية والتاريخية والسيكولوجية واللغوية التي تم طرحها من قبل الحركات النسوية على مر التاريخ المناهض للاقصاء الاجتماعي.

هل يمكن للتاريخ الأنثوي أن يتكلم؟

في سنة 1968 خرج المتظاهرون في أوروبا ردا على الممارسات الحكومية الظالمة، ووضع حد لكثير من البنى السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والتربوية السائدة، ومحاولة بعث سبل وطرائق جديدة لإعادة ترميم السياسات الحياتية المختلفة. هذه المظاهرات طعمت من قبل فلاسفة ومفكرون ونفسانيون وعلماء اجتماع…؛ قدموا تنظيرات متنوعة لما يجب أن يكون عليه الوضع الاجتماعي والسياسي والاقتصادي والثقافي والتربوي في أوروبا. وأسفرت تلك المظاهرات عن نظريات الحقوق الجديدة؛ التي أعطت حظا وأعادت وضع حقوق جديدة للمهمشين، والمضطهدين، والمسيطر عليهم، والتابعين والمنسيين اجتماعبا وتاريخيا، وكان مما تم الاتفاق عليه أن للمرأة الحق في اختيار النمط الذي يمكن أن تعيشه، والنوع الذي يمكن أن تكونه، والالتزامات الاجتماعية التي يمكن أن تشارك فيها، وبهذا فإن الحركات النسوية بمعية الأنظمة الثقافية الجديدة بعد عام 1968 قامت بتحديد ما للطبيعة وما للثقافة؛ فالثقافة هي الثقافة المختلفة التي يشارك كل الفئات الاجتماعية في صنعها على اختلاف مشاربهم واهتماماتهم وتصوراتهم، و مدلول الثقافة ليس ما تم وضعه من قبل التاريخ المهيمن، كما كان يحدث قبل ذلك التاريخ، بل إنها مشاركة فئوية مختلفة بين المهمشين والمستبعدين والمنسيين والمضطهدين من جهة، مع الفئات التي عدت على أنها مهيمنة على نظام الخطاب العام من جهة أخرى. فالثقافة هي التقاء مجموع القصص الصغرى لكل الفئات والأقليات والطبقات؛ التي تشترك كلها في فاعلية “الاختلاف الثقافي”. وهكذا يعاد كتابة تاريخ جديد غير متموضع عند رؤية “نفقية” (ونقصد بها الادعاء الذي يرى أن الذات يمكن أن تحدد معنى الأشياء بنفسها عبر منظارها الخاص دون إقامة أي اعتبار لمنطق الاختلاف) أو متمركز حول عناصر “أنوية” تخص الأنا فقط؛ ولكنه منفتح دائما على القصص الصغرى والآمال والأحلام الفئوية المختلفة. وهكذا فإنه لا يصبح للثقافة معنى في ذاتها أو يصبح لها حقيقة ثابتة في ذاتها مثلما حدث قبل مرحلة ما بعد الحداثة؛ حيث تم تدجين الثقافة في الأوساط السياسية والتربوية وتم الحديث عن الخطاب الثقافي العام الذي تتحكم فيه “المؤسسة” (فوكو)، وإنما تصح الثقافة مجرد تأويلات للثقافة، تختلف باختلاف الموقع الذي ينظر من خلاله إليها وباختلاف الحدث الطارئ الذي يتشكل في الثقافة بطريقة سريعة وغير منتظرة؛ والتأويلات الثقافية هي تعريف الثقافة من وجهة نظر الذات، أو تحديد ما يجب أن تكون عليه الثقافة كما ترى الذات ذلك، أو إدراج عناصر تخص الفرد أو الفئة التي ينتمي إليها ضمن عناصر الثقافة، أو النظر إلى الثقافة على أنها ممكنات خطابية متاحة للجميع عبر تأويلات تنصهر فيها كل الفئات الاجتماعية المختلفة، من منطق “الاختلاف المتكافئ”؛ الذي يدفع بمفهوم الثقافة إلى أبعد مدى؛ بحيث يعاد تعريف الثقافة عند كل لحظة خطابية تشارك فيها الفئات الاجتماعية، كل الفئات الاجتماعية، فيما بينها لأجل صوغ تأويلات ثقافية غير متناهية، ولكن ليس من مبدأ “الاختلاف الثقافي” كما صاغه دعاة ما بعد الحداثة؛ الذي يرى أن كل المفاهيم، على إطلاقها، تنشأ اجتماعيا، وبالتالي لا وجود لمفهوم مكتمل أو معنى جوهري أو طبيعي، بل إن المفاهيم تتشكل ثقافيا عبر مدلولات ثقافية مهيمنة، تندرج تحت مظلة النظام المعرفي الكلي (الإبستيمي) بتعبير فوكو، أو باراديغم السلطةالذي يعبر عن صوت “الامبراطورية” أو مبدأ”النسبية الخطابية”؛ الذي يفترض أن المفاهيم الثقافية هي مفاهيم نسبية تتسم بالعبثية والعشوائية، وبالتالي، فإن القول بالنسبية الثقافية هو هروب من الثبات والتحدد وهروب من مبدأ “التعريف”، ومحاولة إثبات النفي (اللاثقافة).
إن “الاختلاف المتكافئ” الذي وضع كشعار أولي للحركات النسوية بعد عام 1968، قبل أن تنفك عنه فيما بعد، يعني الحق في الاختلاف، و الحق في صناعة الثقافة، و الحق في المشاركة الخطابية، و الحق في كتابة التاريخ المختلف، و الحق في إنشاء قصص صغرى يكون لها دور في بلورة عناصر الثقافة العامة، و”الاختلاف المتكافئ” يدل على وجود أصوات اجتماعية متكافئة لها قابلية صناعة الخطاب، وتحديد التأويلات الثقافية اللامتناهية؛ فلا وجود لنظام معرفي سابق على التجربة الحياتية أو الأحداث التارخية – المكانية، ولا وجود لبنية مركزية عامة ترتد إليها أصوات الخطاب المتجددة. بل إن هذا الاختلاف يتيح إمكانية انبثاق عملية الحوار، والتشاور والمشاركة… والأهم من هذا كله، هو يتيح إمكانية التشكل وإعادة التشكل من جديد، والتأويل و”إعادة التأويل الثقافي”.
إن الأنثى وفق معطى “الاختلاف المتكافئ” ستتمكن من إسماع صوتها، ليس كمقابل الرجل، أو كجنس ثان ناقص الصفات الرجولية، وليس كأنثى أو امرأة أو منجبة أو حاملة لصفات ثانوية، عدت عبر مفاعيل الثقافة البيطريركية صفات جوهرية تعبر عن هوية المرأة ولا تنفك عنها، بل إسماع صوتها باعتبارها فاعل ثقافي ومشارك في صناعة الخطاب من “دون موقع الذات” بل من “اللاموقع” الذي يتيح امكانية الكلام دون قيود اجتماعية أو ثقافية متزمتة، وبالتالي، فإن صوت المرأة ليس صوت “الآخر الثقافي” بل هو صوت “الأنا اللاموقعية”، هو صوت بدون معنى ثابت، بدون معرفة متموضعة، بدون قيد اجتماعي، صوت لا يسمع إلا من داخل “هسهسة الخطاب”؛ أي أنه صوت ملتحم ومتجسم بأصوات أخرى لا تعبر عن خطاب فردي أو فئوي أو أقلوي (هومي بابا) واضح، ولكنه التقاء أمشاج صوتيه تسمع لها هسهسة غير واضحة إلا في حدود الحدث الطارئ الموجودة فيه.
إذن ما الغاية التي تتقصدها الحركة النسوية من محاولة إسماع صوتها كصوت مفرد، خاصة إذا علمنا أن الثقافة وفق منظور “الاختلاف المتكافئ” تتشكل من “هسهسة خطابية” لا ينفرد فيها صوت واحد ولا يسمع لوحده، بل هو متضمن في الكل وملتحم معه، وليس الكل هنا بمعنى نظام ثابت وسابق عن التجارب الحياتية، ولا بنية كلية مهيمنة تنظم شتات الأمشاج، بل الكل هنا دلالة على المشاركة والحوار والاختلاف والاعتراف بجميع الأصوات الخطابية المهيمنة والمهيمن عليها في الوقت عينه مع عدم وضع تحديد سابق عن تشكل تلك الأصوات. ولهذا فإن الصوت الأنثوي لم يعد له مكان في الثقافة، وكذلك الصوت الذكوري، الذي انصهر هو الآخر ضمن “هسهسة الخطاب”، ومن هنا فإن منافحة غاياتري سبيفاك عن صوت التابع (هل يمكن للتابع أن يتكلم؟) ومنافحة جان فرانسوا ليوتار عن صوت المهمشين (السرديات الصغرى) تصبح دعاوي باطلة ومنافحات متهافتة؛ لأن صوت التابع إذا استفحل وتمكن داخل مفاعبل الثقافة فإنه سيصبح متبوعا من تابع آخر، ومن هنا فإنه قد يكون مدعاة لصناعة ثقافية للتابع والمتبوع، وهذا الطرح أقل ما يمكن القول في حقه أنه ينبع من رغبة وليس من نظرة اختلافية متكافئة؛ لأن صوت التابع إذا أسمع في الثقافة فإنه لن يصبح كذلك بل سيصبح وسيلة لقمع التوابع، عبر الهيمنة الخطابية؛ “لأن الخطاب لا يحتمل الفراغ”، ولهذا يجب أن يمتلأ ولو بمدلولات ثقافية وهمية ومتخيلة. وإذا تكلم التابع النسوي فإنه سيؤسس لعلاقات صراعية تتجلى فيها قيم صراعية وصدامات خطابية تتمركز حول رؤى معينة لا تعبر إلا عن الأقلية أو العرق أو الجنس الذي تصدر عنه، وقد يتعدي ذلك إلى صدام حقيقي بين تلك الفئات، كما أن “السرديات الصغرى”؛ التي طرحها ليوتار يمكن لها أن تهيمن، هي الأخرى، على الخطاب بدعم من الثقافة المهيمنة، وتصبح، عبر عمليات حجاجية لغوية أو ممارسات توتاليتارية “سرديات كبرى” تهيمن على المعنى والحقيقة، ثم تتمكن من فرض نموذجها الخاص على العالم، وتعتبر أي فهم يخرج عن تصورها بأنه مجانب للصواب ومناوئ للحق (تماما مثلما تفعل السرديات الكبرى المتأصلة ثقافيا). وهذا الطرح كذلك يحمل من الرغبة والاندفاع والأوهام الكثير؛ فلا يمكن المطالبة ب”الاختلاف المتكافئ” من دون الأخذ بالاعتبار المآلات التي يمكن أن تبلغها الأصوات الهامشية، ومن دون الأخذ بالاعتبار “هسهسة الخطاب”؛ التي تشمل الكل ولا تعبر عن أحد، بل لا صوت لها إلا صوت متشتت ومتناثر لا يعبر عن شيء.
إن القول، من قبل الحركة النسوية، بوجود خطاب للأنثى تماما مثلما هو موجود لدى الذكر، هو في حد ذاته تفكير بطريركي يقوم على مبدأ الثنائيات الضدية؛ فالمرأة في مقابل الرجل، الذات في مقابل الآخر، وخطاب الأنثى في مقابل خطاب الذكر، والثقافة النسوية في مقابل الثقافة الرجالية … كلها مفاهيم تتصل إتصالا وثيقا بمفهوم الهيمنة والسلطة؛ فالسلطة، حسب الطرح النسوي، مثلما امتلها الذكر يجب أن تمتلكها الأنثى، والخطاب مثلما هيمن عليه صوت الرجل آن الأوان لأن يهيمن عليه صوت المرأة، وكأن المسألة، هي مسألة، امتلاك الخطاب والمداولة عليه، وليست مسألة المطالبة بوجود “اختلاف متكافئ” يضمن وصول صوت الكل دون أن يكون لأحد الأصوات حق المجاهرة، فالقول إن “الأنثى لم تولد أنثى” يقابله القول “إن الرجل لم يولد رجلا” وهذه مجرد ألعاب خطابية مهيمنة على الثقافة الغربية لا غير؛ لأن هذا القول (=قول دي بوفوار) أصبح يمثل خطابا مركزية موجها للثقافة، وصار يشكل ثقافة مهيمنة لا تقر “بالاختلاف المتكافئ” وإنما تقر بفرضية التفاضل والتراتب. فالأنثى لم تولد أنثى” معناه أنها ربما ولدت ذكرا، بل ولدت ذكرا قطعا، حسب الباحثة، وهذا ما قد يدفعنا إلى القول “إن مفهوم المرأة في الغرب هو صناعة ثقافية سواء من جهة الرجل (النظام البطريركي) الذي صنع المرأة الجسد – الأنثى، أم من جهة المرأة ذاتها (التنظيرات النسوية) التي صنعت ندا للرجل أو “رجل أيضا” وافترضت تنظيرا آخرا للتاريخ تأطره الأنثى ويسكنه الرجل غير مشارك وغير مؤثر فيه”.
إن التمركز لا يقوض عبر صناعة تمركز جديد، والهيمنة لا تعالج من خلال هيمنة جديدة، والخطاب المهيمن لا يمكن تبديد مفاعيله الحيوية من خلال صناعة خطابات مهيمنة أخرى، والسلطة لا يمكن تشتيتها عبر إقامة سلطة أخرى، والصوت الأحادي لا يجب تفكيكه عبر فرض صوت آحادي آخر، وإنما يمكن تقويض بؤر التمركز المختلفة عبر إعادة تأويل الثقافة من مبدأ “اللاموقع”؛ بمعنى الاقرار بوجود “اختلاف متكافئ” يجب أن يسود لكي يتم دمج الأصوات الخطابية المختلفة في “هسهسة خطابية” لا تمثل، لا صوت المركز ولا صوت الهامش، بل هي بوتقة تنصهر فيها الأصوات الخطابية فقط، لتشكل فيما بعد مفهوم الثقافة الجامعة؛ الذي يختلف مع كل حدث.
والقول إن الأنثى لم تولد أنثى هو مجرد ردة فعل عن هيمنة الذكر، وتعبير عن صوت الانفجار الذي تولد من جراء التضييق الثقافي التي عانت منه المرأة في الغرب، وهو مجرد تحول خطابي في مفاعيل السلطة من القول بتاريخ الرجل المتمركز إلى القول بتاريخ المرأة المتمركزة، ومن الافتراض الجنسي الثنائي (ذكر/ أنثى) إلى الانسحاب الجنسي (ذكر/ذكر) فالمرأة لم تولد أنثى معناه تبديد فرضية الجنس، والاقرار باللاجنسية؛ التي تعتبر أن الفصل بين الذكر والأنثى مجرد هراء ثقافي لا غير، وأن الجوهر ليس هو المرأة في مقابل الرجل بل هو مبدأ الاختيار والحرية الجنسية. هكذا إذن تم الانتقال من المرأة الرجالية (=التي صنعتها البطريركية) إلى المرأة الأنثوية (=التي صنعتها الحركة النسوية)، وكلاهما من صنع الثقافة، وأصبح الاختلاف يعني الانسحاب، وليس التكافؤ، وتم صنع هيمنة جديدة على الخطاب الثقافي العام هي الهيمنة الأنثوية.

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق