ثقافة السرد

“البيضة والحجر “…. كلاكيت ثاني مرة

بقلم / على حزين

هل هناك صلة بين الفلسفة والجنون .؟َ.. أو بمعنى آخر .. هل بين الفلسفة وتبني أفكار شاذة وغير منطقية صلة ..؟.. أو بمعنى ثالث .. هل بين الكفر بالثوابت , والتقاليد , والأخلاق والفلسفة علاقة ..؟…..
أنا عن نفسي درست الفلسفة , وتبحرت فيها , وقرأت كل ما جاء فيها , من كفر وإلحاد , وشك ويقين , وشطحات وإيمان , وذلك من بداية نشأتها من لدن العصور اليونانية القديمة, ومن بداية “طاليس” مروراً بسقراط , وأفلاطون , والفلسفة الإسلامية ,” ابن سينا , وابن رشد , والفارابي , والغزالي ” وصولاً إلي العصر الحديث , وكان من الممكن أن أفعل مثل ما فعل صديقي , وأتخذها وسيلة لكسب المال الحرام , عن طريق الدجل , والنصب , والشعوذة , والضحك علي البسطاء , لكني رفضت رفضاً قاطعاً بوازع ديني ليس إلا .. هو فعل ذلك دون وازع , وأخذها سُلماً , ومطيةً , وديناً , ومعتقداً , حتى يصل بها إلي أغراضه الدنيئة , درس الفلسفة , وحصل فيها علي أعلى الشهادات العلمية , أحبها , وتبنى أفكارها , وآمن بكثير من الفلاسفة , حتى وصل للشك , أما أنا حدث معي نفس الأمر , درست الفلسفة , وتعمقت فيها , وبالأخص “الميتافيزيقا ” البحث فيما ما وراء الطبيعة ” وفي “أصل الأشياء “.؟!. ونشأت الكون …؟!.. ومما تكون ..؟!.. وكيف كان قبل أن يكون”..؟!. وما أصل كل شيء .؟!..الخ .. حتى وقعت في الشك مثله , ولكن الشك الذي وقع فيه ديكارت , والغزالي الشك المنهجي , للوصول إلي الحقيقة واليقين , أما هو فكان شكه , كان مذهب الأخر, الشك من أجل الشك ليس إلا.,……
أذكر ذات مرة .. ونحن كنا شباب , ندرس في الجامعة , دار بيننا حوار فلسفي عميق جداً .. أخذ يسألني عدة أسئلة , وأنا بدوري كنت أجيبه علي سؤاله بسؤال .. وطال بنا الحوار, واشتد النقاش , وأحتد الجدال بيننا واحتدم .. عن أصل الإنسان .؟! .. والكون .؟! .. وأين كان العالم قبل أن يوجد ؟!.. وما هو العدم ..؟! .. وهل له حقيقة أم لا .؟!.. وفي نظرية التناسخ ..؟!. ووحدة الوجود .؟!.. ونظرية الحلول والاتحاد ..؟! .. وغير ذلك من النظريات القديمة الحديثة .. تلك التي قتلت بحثاً وتمحيصاً .. وفي النهاية رماني في وجهي بحجر , وذلك لما قال لي بأنه .. ” لا يؤمن بالله , ولا بدين , وبأن الدين خرافة , والدين الحقيقي لم يأتي بعد “..؟!!.
صُعقت لمّا قال لي ذلك , واحتددت عليه في الحوار, لما تطاول علي المقدسات التي نؤمن بها , حتى كدنا نتشابك بالأيدي , وانتهى الحوار بيننا بقطيعة , ظلت أعوام لا أذكر عددها ….
وفي يوم من الأيام .. كنت أسير في طريقي إلي المنزل .. إذ جاء فجأة , وأقبل عليَّ , وفاجأني بالسلام , وبالعناق , والكلام , فرددت عليه , إذ ظننته غير من أفكاره القديمة , وكان يحمل في يده بعض الكتب , وتحت إبطه برواز كبير , سألته بدافع الفضول .. ومجارات للحديث , إذ لم أجد ما أقوله له ..
ــ ما هذه الكتب ..؟!
ــ هذه الكتب من فرنسا , وهذه شهادة مبعوثة لي مع طرد الكتب هذا مكتوبة بماء الذهب , وعليها صورتي , وفوقها ختم , وشعار الجمعية . الروحانية الكبيرة التي في فرنسا ,
ــ كيف ..؟! .. ولماذا ..؟! .
ــ أنا أرسلت لهم فجعلوني عضوا معهم ….
ــ أما زلت في غيك القديم ..؟!..
ضحك حتى مال علي ظهره , وقال لي بنبرة ساخرة , ممزوجة بشيء من التعالي . والغطرسة كعادته …
ــ من منا يا صديقي , أنا أم أنت ..؟!..
ــ أنت بالطبع .
ــ الذي يُسلّم بالمغالطات ويجعلها ثوابت , أم من يبحث عن الحقيقة .؟ .
ــ أي حقيقة تقصد , ..؟!!
ــ أنت تفهمني وأظن انك تعرف أفكاري قبل سابق
ــ لكنها خطأ . كلها خطأ ..
ــ خطأ ههههههههه
واتبعها بقهقهات ساخرة مستفزة , كدت أن أسُدَّ أُذنيّ حتى لا أسمع صوته المنكر لكنه تابع يقول : ,
ــ يا صديقي عقولنا محشوة بمعلومات خاطئة منذ كنا صغار
ــ ليس كل شيء خطأ
ــ بل كل شيء , ألا ترى أن العقل الذي هو مليء بالمعلومات قد برمجناه بمعلومات خطأ في خطأ …!!!!
ــ تقصد
ــ نعم الحواس , أجل يا صديقي , أليست هي التي نكتسب عن طريقها المعلومات , لنرسلها إلي العقل , فتصير معلومات , وتصبح مسلمات وعقائد ثابتة لدينا
ــ لكن هناك حقائق ثابتة بالتأكيد
ــ ليس هناك شيء ثابت , ولا حقيقة ثابتة مطلقاً , إطلاقاً , وألا اثبت لي ذلك ..
ــ الله , المقدسات , الرسل , الكتاب , القيم , الفضائل , الأخلاق , المبادئ
ــ ما هو مسلّم به وحقيقة ثابتة عندك , عند غيرك أمر ليس مسلّم به قطعاً
ــ هذه سفسطة سمجة , أحذرك منها
ــ ههههه
ـــ لكن هناك عقل نستطيع أن نميز به بين الأشياء , العقل هو الميزان والحَكَم بين الحق والباطل , وبين المعقول واللامعقول ..
ــ حتى هذا العقل نسبي , ويختلف من شخص لأخر, ومحشو ومبرمج عن طريق الحواس , وسأثبت لك ذلك , كم من السنين ونحن نرى الشمس من بعيد وهي صغيرة كالكرة , لكن أُكتشفَ في هذا العصر بأنها تفوق الأرض بكثير , والسراب الخادع, وتوهم سماع الأصوات وهي غير موجودة أصلاً وقس علي ذلك كل النظريات , والمعادلات العلمية التي اكتشف حديثاً انها كانت خاطئة , والأخلاق .. والمبادئ .. الخ .. الخ ..
ـــ لكن هناك قواعد ثابتة
ــ حتى هذه فيها نظر , وشك
ولما رأيت بأن الطريق مسدود أمامي في أقناعة , تركته , وانصرفت .. دون أن استأذن منه , أو اسلم عليه .. فوجدت ضحكته المقززة تلحقني , وصوته يصفعني من الخلف قائلا :
ــ هروب أذاً يا عزيزي , كالعادة , هههههه ههههههههههه
التفت , وأنا انظر إليه شررا , قائلا له :
ــ حين ينقلب الحوار إلي سفسطة , وبلا منطق يصبح الحوار معك بلا جدوى , وغير مجدي ..
وتركته وانصرفت , خطوات قلائل مشيتها , عبرت فيها شرطان السكة الحديد .. وإذ به يذوب وسط الزحام , كفص الملح في الماء , فحمدت الله أن اختفى من وجهي , وبَعُد عن طريقي , فحواره معي دائما غير مجدي , إضافة علي أنه يرفع على الضغط .. أنا اعرف نشأته , والبيئة التي تربى فيها , وميوله النفسية المنحرفة , فهو يحب الشهرة , والمال حباً جما , وكذلك النساء .. عرفت فيما بعد , من بعض المقربين منه , انه قطن في المدينة التي اسكن فيها , في إحدى المساكن , وسط حي شعبي , وأصبح له شأن , ومكانة بين الدهماء , والغوغاء , والبسطاء من الناس , وبعض الشخصيات العامة فتنوا به , وبما يصنعه , وصار له مريدين , وأتباع , ومؤمنين بأفكاره , فهو يؤمن بالشعوذة , وبالسحر , وبالكهانة , ويقتني لها كتباً كثيرةً , وأيضاً كتب قي الفلسفة, وعلم النفس , والاجتماع وعن عالم الجن, فهو يؤمن بالجن , وبقدراتهم الخارقة حتى انه يدعي , بأنه يستطيع بأن يسخر الجن فيما يعجز عنه الإنس , في معرفة الغيب , وشفاء الأمراض , والكشف عن السرقات, وأيضاً القدرة علي جعل النساء العاقر تحملنَّ , علاوة علي فك السحر, والمربوط , وصنع ألأحجبة .. وجعل له ثمناً للذهاب إليه ” رُشتا , أو فيزيته “……..
حاجة كده أشبه بفيلم ” البيضة والحجر” الذي قام بتمثيله المرحوم الفنان” احمد زكي “.. لكن النهاية في الفيلم تختلف تماماً .. فبطل الفيلم أحسن حظاً .. من هذا الدعي الكذاب , فقد انتهى الفيلم , علي البطل , وهو في رغد من العيش , مع الضحك علي الناس , تصاحبه وجاهه في المجتمع , وحظوة , ومكانة لدى المسئولين , بعكس هذا الأفاك الأشر , فقد عمل أول ما تخرج مدرساً للفلسفة , ثم تزوج من إحدى السيدات الفضليات , وأنجبت له بنتاً , سرعان ما تنصل منها , ودبت الخلافات بينهما , بسبب غيرته الشديدة عليها , وعدم ثقته فيها , وكثرة اتهامه لها بالباطل , وبان البنت ليست بنته , مما أطرت لرفع قضية عليه , وطلقت منه بالمحكمة , وفُصل من عمله بسبب غيابه المستمر , وانقطاعه عن العمل , مما تدهور به الحال , وأصبح بعد أن كان شبة محترم , ونظيف بعض الشيء , صارت حالته رثة , ورائحته نتنة وعفنة , وأصبح حافي القدمين , يرتدي جلباب متسخة , لا تستطيع أن تميز لونها من شدة الوسخ العالق بها , وإذا ما أمعنت النظر تلاحظ خرقة بالية تحت الثياب , تراه هائماً علي وجهه في كل مكان في الطرقات , وفي الحقول الزراعية..
ذات مرة رأيته .. وكنت أبيع كتباً بجوار ” مزلقان ” المحطة ” وإذ به أقبل عليّ , بهيئته الرثة .. وأخذ يمسك بالكتب , يقرأ عناوينها , ويقلب صفحاتها بين يديه , يفرها , بتصفح فيها , وبالأخص الكتب التي تتعلق بالفلسفة , فقلت في نفسي : ” ما الذي حدث معه .. وما باله أصبح هكذا..؟!! … سأناديه , وسأري هل سيعرفني أم لا .. ” فناديته :
ــ ” يا أحمد “
فالتفت نحوي , وابتسم . ثم قال لي :
ــ أهلاً ..
فقلت له ــ أما زلت تعرفني , أتذكرني ,؟!.
صوب إلي النظر , وهو يبتسم ابتسامة اعرض من التي سبقت ,
ــ وهل يخفى القمر .. طبعاً صديقي , خصمي اللدود
وضحك ضحكته المعتادة .. فسألته عن حاله , وأحواله , وكذا أخباره فقال : ــ الحمد الله ــ
فضحكت , فقال لي : ــ لماذا أنت تضحك
ــ لأنك أخيراً اعترفت بأن الله حق , وبأن هناك اله يُحمد
فضحك ولم يرد عليّ , ثم غيب وجهه في أحد الكُتب التي في يده , برهة , سألني عن أسعار الكتب التي في يده , فأخبرته .. فضرب يده في جيبه وأخرج بعض الجنيهات الزهيدة , فأخذتها منه مع أنها ليست كل الثمن . وأخذ الكتب وانصرف , وانقطعت أخباره عني , فكنت أتسقطها من الذين يعرفونه , ومن المقربين منه , وهكذا تكررت بيننا الصدف
وفي أحدى المرات … فجأة , توقفت عربة ” المكروباص ” التي كنت أركبها , وأنا عائد من عملي .. وإذ به يخرج من وسط حقول الذرة .. بهيئته الرثة , يفتح الباب , يركب , وبيده سبحة غريبة طويلة ملونة , يجلس بجواري دون أن يشعر بوجودي, أخذ يتمتم ببعض الكلمات الغير مفهومة .. ألتفت إليه , سلمت عليه , فرد السلام , وذكرني باسمي , فتعجب كل من في العربة , لأنهم يعرفوني جيداً , ويعرفونه أيضاً , فهو بالنسبة لهم نار علي علم , وبعد أميال , طلب من السائق , بأن يتوقف , نزل علي ناصية احد الطرق الزراعية , وخاض في الحقول الزراعية وعيون الركاب تلاحقه , وعلامات التعجب , والاستفهام , ملأت عيونهم , ثم سألني السائق
ــ أنت تعرفه من أين ..؟!!..
فرحت أقص عليه قصته, وقد تعمدت أن أرفع صوتي , لأني لاحظت أن أعين الركاب , وأذانهم كانت معي , وإذ فجأة , السائق انحرفت يده عن عجلة القيادة , وكأن أحداً انتزعها من يده , ليهوي بها في الترعة المجاورة .. وكبر وهلل من في العربة , وأنا معهم , وأخذت استعيذ بالله من الشيطان الرجيم .. وكل من في العربة في حالة ذهول , واندهاش لهذا الأمر .. ولما تمكن السائق من العربة , حمد الله تعالي , وسمعته يقول وهو يتنفس الصعداء , ثم أخذ نفساً عميقاً وهو يقول :
ــ حاجة غريبة والله دي , عمرها ما حصلت معي ..؟!..
وطلب مني بأن أتوقف عن سيرة ” اللي ما يتسمى ” علي حد قوله .. حتى نصل بالسلامة , معللا ذلك بأنه ” مخاوي ” , وممكن يضرنا , ويؤذينا .. فأخذت اشرح لهم , وأبين , بأنه لا يستطيع هو أو غيره , أن يفعل شيء إلا بإذن الله تعالي , وأخذت أذكر لهم الآيات , والأحاديث التي تثبت صدق ما أقول لهم, لكنهم كانوا ينظرون إليَّ وأعينهم مليئة بالخوف ومع ذلك طلبوا مني أن أكف , وأن أتوقف عن الحديث عنه , وبأن أقفل هذا الموضوع , وأن أفتح موضوعا أخر … فضحكت في نفسي , ورحت أرخي ظهري للوراء , وأنا آخذ نفساً عميقاً .. وقد سكت , ولم أنطق بعدها ببنت شفة .. !.. والأفكار راحت تتزاحم وتملأ رأسي .. و………….
*********************
تمت 22 / 3 / 2018
على السيد محمد حزين ــ ساحل طهطا ــ سوهاج ــ مصر

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق