قراءات ودراسات

نجمة كاتب ياسين .. ونجمة الآخرين..

السعيد بوطاجين*

..يجب التأكيد، في هذا السياق، أن كثيرا مما كتب حول نجمة بحاجة إلى منطلقات منهجية أخرى، غير التي انطلقت منها كثير من الدراسات، ذلك أن التأسيس على الأيديولوجيا والشفهية لا يغني الرواية، بقدر ما يقضي على جمالياتها، أي على النص في حدّ ذاته..

خيبة أفق الانتظار: كان صدور نجمة (1956) خرقا للمعيار السردي المتواتر في الخمسينيات، بالنظر إلى ما ميزها من عدولات جذرية، ما جعلها تلفت انتباه القارئ الذي رأى أنها مفارقة للأجهزة النقدية، وللذائقة المنوالية التي أسست على تقاليد أخرى تم توارثها.

ولعل الموقف النقدي الفرنسي يلخص ذلك في هذا الرأي: “إنها نوع أدبي متفرد، وضع النمط الروائي الأوربي في حرج”. لم يعد الأمر يتعلق بالاختلاف إذن، بل بالنوع في حد ذاته، وذاك ما أربك القراءة آنذاك. قد نجد مجاورات بين نجمة وكتابات فولكنر وجاك لندن من حيث الشكل، وخاصة البنية الزمنية، كما نلاحظ تماسات، من الناحية الشاعرية بين هذه الرواية وسرد نيكوس كازنتزاكي في مجموع أعماله النثرية، بيد أن ذلك لا يحيل على أية محاكاة. إننا نعتقد أن قسما من السرد في نجمة له علاقة بالشاعر كاتب ياسين، وليس بالروائي الذي كانه، كما مؤلفات مالك حداد التي تبوأ فيها الشاعر المقام القاعدي، تاركا النثر في الدرجة الثانية، وأقصد هاهنا ما تعلق بنقل الأحداث، وبالأحداث ذاتها من حيث أن طريقة السرد تغدو حدثا لغويا قائما، في جزء منه، على خدمة الاستعارة.

السرد الناقل; ثمة في الرواية أنواع سردية ومستويات. والحال إنه لا يمكننا تعميم الجانب الشاعري على المؤلف، ذلك أن قسما من السرد راهن على الحدث و الفعل، وليس على كيفية سرد الحكاية، بالمفهوم المكرس حاليا في بعض الأحكام والقراءات غير المقنعة نقديا ومفهوميا. لذا ستنحسر الصورة، في مواضع عدة، وتحل محلها الجملة الناقلة في سرد قصصي ممزوج ببعض التشبيه الذي لا يغيب عن أغلب المقاطع. «في حدود الخامسة ترك السيد ريكار فراشه، ارتدى سروالا قديما مخرّما وابتدأ يطنّ متعقبا ظل الخادمة، حاملا حذاءه وهو يرتطم بالأسوار والأثاث المصقول. كان ثقيلا، متمايلا، صاخبا كالذباب الذي قاطع هدأته الليلية فراح يتبعه بهيجانه المتعثر وبإسفافه في الاحتجاج ضد هذه اليقظة التي سبقت حرارة الشمس وسبقت حبور النهار الذي كان سيخرجه من الخدر بليونة لو لم يقفز هذا المقاول المسن من سريره كعادته مع صياح الديك، مع أن حافلته لا تنطلق إلا بعد ساعتين”. (ص17). لا نلاحظ في هذا المقطع، على سبيل التمثيل، أي جهد في الارتقاء بالمتخيل السردي إلى حدود الاستعارة. هناك تبئير على الحركات والأفعال والأحداث الصغرى، التي يتم التعامل معها بمستوى سردي مختلف عن المستويات الأخرى. ومثل هذه المقاطع التي ترصد الشخصيات متواترة بكثرة، وقد تشكل القسم الأكبر من الرواية، إن لم نقل أغلبها.ما يفرض علينا، من الناحية الأكاديمية البحتة، إعادة النظر في أحكامنا، الشفهية والمكتوبة، انطلاقا من تفكيك المدونة ذاتها، دون أي استثمار أيديولوجي.

لقد كتبت نجمة، بالعودة إلى النص، تأسيسا على لعبة الأزمنة، أو على التشظي، وهذا أمر واضح له مسوغاته الفنية والنفسية، إن نحن تحايلنا على المنهج الواصف الذي اقترحه جنيت في “خطاب الحكاية”. وقد أدى هذا التشظي، في بعض الحالات، إلى إيقاف الحركة السردية برمتها، وظهور بنى متراخية، إن نحن استعرنا مصطلح الشكلانيين الروس، وستسهم هذه البنى في ظهور تضخمات قائمة على الحالات المشكلة من عناصر أربعة: المشهد، الوقفة، المناجاة والتأمل. وفي هذه الحالات فقط يميل النص إلى سرد السرد، أو إلى سرد المسرود. وغالبا ما يتجلى هذا المظهر على ألسنة الشخصيات المبئرة، على تباين مستوياتها المعرفية واللسانية. وقد يحيل التقارب الحاصل بن الأشكال الإبلاغية إلى تدخل الكاتب، إن لم تكن عدة شخصيات إنعكاسا للكاتب نفسه، أي للشاعر الذي يحل محل الشخصيات من حيث كيفية القول.كما يمكن أن تكون عدة شخصيات عبارة عن شخصية واحدة، بالعودة إلى تداخل المستويات و تناغمها. وللتدليل على ما سبق، نورد هذين المقطعين اللذين نسبا لشخصيتي رشيد ومصطفى في حديثهما عن نجمة:

الأول: “الذي أبهرتني به جعل آلامي مبرحة… لم أستطع لا الاستسلام لضوء النهار ولا العثور على نجمتي لأنها فقدت ألقها العذري”.

الثاني: “برمائية آهلة بالصياح الليلي، متخفية مع أول شعاع، ضفدع على حافة المعادلة. مبدأ الكهرباء المجبول لإشعال كل الأوجاع (…) قفز في وجه العالم و روّع الجيش الذكوري الذي تتعقبه المرأة مثل ظل يكفيها عبوره لبلوغ السمت”.

تؤكد هذه المجاورات المتعلقة بالنسيج الشعري، ما قاله كاتب ياسين في عام 1967: كان العمل في البداية مؤلفا شعريا، وتحول تدريجيا إلى رواية ونصوص مسرحية. لقد بقي كما بدأه: “أنقاضا وورشة”، أنقاض رواية وورشة شعر أو ورشة شعر وأنقاض رواية. لكن أنقاض القصيدة تبدو أقرب إلى المنطق، أما الورشة فتنطلق مع التخلي عن القصيدة بإدخال العناصر القصصية التي تهتم بالأحداث. وهذه العناصر ذاتها هي التي تقلل من حضور الشعري لتنقله إلى مستوى أدنى. يضحي هذا النوع السردي، الآيل إلى المشهد، بكل مقومات السرد المعياري، الذي يبئر على الحدث، لينقل المقطع إلى أرقى المستويات التعبيرية التي تتقاطع مع الشعر، في صوره واستعاراته وحقوله المعجمية، وفي متخيله. مع أن ذلك لا يحدث باستمرار لأن الرواية تعاملت مع السرد الحاكي في أغلب مراحلها، أما الجانب الشاعري فيتدخل لتأثيثها في فترات متباينة، وخاصة لما يكون السرد في الدرجات الثانية أو الثالثة، أو عندما تسند الكلمة للشخصيات خارج السرد التمثيلي.

بخصوص السرد التمثيلي

هل كان الكاتب بصدد تأليف مسرحية؟ إضافة إلى الشاعرية التي كانت موضوعا سرديا، كما الموضوعات الأخرى، أي أحد أهداف كاتب ياسين، فإن ميل النص إلى الحوار، في عدة صفحات، مستعينا بالجمل القصيرة التي تؤدي وظائف تنسيقية، يجعلنا نتساءل عما إذا كان في نية المؤلف، في هذه الورشة، كتابة رواية ممسرحة أو مسرحية روائية يتخللها بعض الشعر الدال على ميول الكاتب:

«لخضر هرب من الحبس

ظهر شبحه على السطح فجرا، وقد رفع كل واحد رأسه دون أي اندهاش يذكر.

تفرّس مراد الهارب جيدا.

– أمر طبيعي، سيقبضون عليك مرة أخرى.

– يعرفون اسمك.

– ليست لي بطاقة هوية.

– سيأتون لالتقاطك من هنا.

– اغلق فمك، لا تحبط عزيمتي.

لا مجال للنوم. أبصر لخضر الزجاجة الفارغة.

– شربتم؟

– بفضل الملتحي. لقد خرج من هنا”.

ثمة في الرواية عدة مقاطع طويلة جاهزة للتمثيل، وقد يصعب علينا الكشف عن مسبباتها، أكانت امتدادا للسرد الكلاسيكي أم مقدمة لكتابة المسرح؟ لقد قال كاتب ياسين: شاهد مسرحية، “خذ حقيبتك” ما يقارب مليون شخص، في حين لم يتمكن من قراءة نجمة سوى بعض الآلاف من المثقفين والجامعيين”. لا يمكن الجزم، بطبيعة الحال، بما كان يدور في ذهن الكاتب، مع أن رواية نجمة تتقاطع بوضوح كبير مع الفن الدرامي، في جزء منها، ولذلك تصبح، في بنيتها العامة، مزيجا من الرواية والشعر والمسرح، وهي الأعمدة الثلاثة التي أسست عليها.

السرد ومسألة العلاقات السببية

من بين ما ميز نجمة ميلها أحيانا إلى محو العلاقات السببية المتعارف عليها في الكتابة: الجملة الأولى تكون مقدمة للثانية والثانية نتيجة للأولى ومقدمة للثالثة، كما أشار إلى ذلك تودوروف في التحليل الذي خصه لجزء من ألف ليلة وليلة. إننا نجد، في قسم من الرواية، محوا لهذا البناء السردي الذي يسهل القراءة ومتابعة مسار الحكاية. وقد يكون هذا الجانب، إضافة إلى الزمان المركب القائم على السوابق واللواحق والسوابق على السوابق واللواحق على اللواحق والإضمارات، هو ما أربك القراء وجعلهم يقدمون تأويلات غير أدبية لا علاقة لها بخيارات الكاتب، ولا بوعيه بالبناء الذي كان أحد أهدافه. لقد كان يتحدث عن التمزق والصدوع بشكل إبلاغي مماثل. ويجب التأكيد، في هذا السياق، أن كثيرا مما كتب حول نجمة بحاجة إلى منطلقات منهجية أخرى، غير التي انطلقت منها كثير من الدراسات، ذلك أن التأسيس على الأيديولوجيا والشفهية لا يغني الرواية، بقدر ما يقضي على جمالياتها، أي على النص في حدّ ذاته.

هل كانت هناك وظيفة لانمحاء السببية الداخلية؟ لا يمكن نفي دلالة هذا الخيار، وربما سبق كاتب ياسين بعض الكتابات الغربية في كسر العلاقة المباشرة بين العلة والمعلول، بين الفعل ورد الفعل والحالة، وبين الحالة والفعل الناتج عنها لإحساسه بعدم جدوى البناء المنطقي، وكذا الأمر بشأن العلاقات المقطعية فيما بينها. إن هذه الحالة السردية السديمية هي شكل من أشكال تقوية الدلالة، كما تتجسد في بعض الكتابات العبثية والسريالية، وقد تمنح بعدا آخر للوعي السردي لدى كاتب ياسين. لكن، ليس بالطريقة التي تم اعتمادها في تأويل فعل البنينة، لأنها قدمت مغالطات لا علاقة لها بالرواية، ولا بثقافة كاتب ياسين وقراءاته.

السرد والتسريع

ثمة في الرواية تعامل خاص مع علامات الوقف، التقنية التي ظهرت مع مجيء الرواية الجديدة في الولايات المتحدة (فوكنير وجاك لندن)، وفي فرنسا (مارسيل بروست)، وقد استعملت عند بعضهم لتسريع السرد حتى في اللحظات التي يفترض فيها أن يكون خافتا وبطيئا. أما كاتب ياسين الذي استورد هذه التقنية فيكون قد لجأ إليها ليعكس حالة القلق المهيمنة على الشخصيات، وذاك تأويل من التأويلات الممكنة، رغم أنها تبدو الأقرب إلى المنطق إن نحن راعينا سياقات توظيفه.

تقفيلة

من الأفيد تناول نجمة بعيدا عن أي احتكار لأنها نص قبل أن تكون أيديولوجيا. وإذا حدث أن تخلت الأيديولوجيا عن قهر نجمة فسنكون أمام رواية أخرى غير التي سمعنا عنها في المقاهي. أظن أن ما قيل عن نجمة هو ما سمعناه وما قرأناه، لكنه لا يعكس حقيقة الرواية وتقنياتها.

*كاتب جزائري

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق