الجمعة , ديسمبر 15 2017
الرئيسية | الموقع | إسلاميات | ما أثر ذكر الله في حياتنا؟

ما أثر ذكر الله في حياتنا؟

أسامة طبش*

إن الإنسان كائن ضعيف، وفي ضعفه سر قوته الحقيقية، خلقه الله ليعبده ويلجأ إليه في كل وقت وحين؛ في سرائه وضرائه، في صحته وسقمه، في نشاطه وكسله. لقد نسي الكثير منا هذه الجوانب المهمة التي جبلنا عليها، إنها الحاجة الدائمة للإستزادة من ذكره سبحانه وتعالى، نغفل عن ذلك وما تلبث بطاريتنا الروحانية إلا وقد نفدت وجذوة نور الإيمان في نفوسنا قد إنطفأت، للأسف الشديد تلك طامة كبرى ولا ريب، كيف لا وهي الدليل القاطع والبرهان الساطع على غفلة قد عمت قلوبنا و لفت عقولنا، فألفينا أنفسنا ضائعين في لجة ظلمة حالكة.

يقول ربنا في كتابه الحكيم:{ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا(41) وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا(42) هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنْ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا(43)} -سورة الأحزاب-، و يقول سبحانه: { فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُواْ لِي وَلاَ تَكْفُرُونِ(152)} -البقرة- ، هي معان إيمانية خالصة تستوجب منا الإلتفاتة والنهل منها قدر المستطاع، لا يمكن لأي واحد منا أن يعيش ويكابد حياة صعبة وشاقة دون أن يستعين بقوة عظيمة تكون سندا له يشد بها ظهره فتقيمه على أسس صحيحة وصلبة، نحن المسلمون في نعمة عظيمة أن هدانا الله إلى هذا الحق، حق مَنّ الله به علينا ويستوجب منا دوام الشكر له.

ورد في صحيح مسلم عن أبي هريرة قال: { كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَسِيرُ فِي طَرِيقِ مَكَّةَ فَمَرَّ عَلَى جَبَلٍ يُقَالُ لَهُ جُمْدَانُ، فَقَالَ: سِيرُوا، هَذَا جُمْدَانُ، سَبَقَ الْمُفَرِّدُونَ، قَالُوا: وَمَا الْمُفَرِّدُونَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قَالَ: الذَّاكِرُونَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتُ}، يا الله، ما هذا الكنز العظيم، إنها وبحق تجارة لن تبور أبدا، لما لا نستغلها؟ لما يفتر لساننا عنها؟ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ : قَالَ النبي صلى الله عليه وسلم:{ يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى : أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي وَأَنَا مَعَهُ إِذَا ذَكَرَنِي فَإِنْ ذَكَرَنِي فِي نَفْسِهِ ذَكَرْتُهُ في نَفْسِي وَإِنْ ذَكَرَنِي فِي مَلأٍ ذَكَرْتُهُ فِي مَلأٍ خَيْرٍ مِنْهُمْ وَإِنْ تَقَرَّبَ إِلَىَّ بِشِبْرٍ تَقَرَّبْتُ إِلَيْهِ ذِرَاعًا وَإِنْ تَقَرَّبَ إِلَىَّ ذِرَاعًا تَقَرَّبْتُ إِلَيْهِ بَاعًا وَإِنْ أَتَانِي يَمْشِي أَتَيْتُهُ هَرْوَلَةً} -رواه البخاري ومسلم-، إذا فلنقبل على المولى عز وجل ولا ندع أوقاتنا الدنيوية تذهب هكذا سبهللا دون إستثمارها ووضعها في إطارها الأمثل.

إنها تذكرة لي ولكم كي ننتبه، كي نفق من غفلتنا، ذكر خالقك  جنتك في الحياة الدنيا  قبل ولوجك جنان الآخرة، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية : { إن في الدنيا جنة من لم يدخلها لم يدخل جنة الآخـــرة}، ويقول ابن القيم أيضا : { وقال لي مرة – يعني شيخ الإسلام – ما يصنع أعدائي بي !! أنا جنتي وبستاني في صدري ، أنى رحت فهي معي لا تفارقني ، إنّ حبسي خلوة ، وقتلي شهادة ، وإخراجي من بلدي سياحة }.

هناك الكثير والكثير من هذه الأنوار  التي تحث على ذكر الله والخلوة به ولو للحظة خلال يومك، عنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمْ اللَّهُ فِي ظِلِّهِ يَوْمَ لا ظِلَّ إِلا ظِلُّهُ : الإِمَامُ الْعَادِلُ ، وَشَابٌّ نَشَأ فِي عِبَادَةِ رَبِّهِ ، وَرَجُلٌ قَلْبُهُ مُعَلَّقٌ فِي الْمَسَاجِدِ ، وَرَجُلَانِ تَحَابَّا فِي اللَّهِ اجْتَمَعَا عَلَيْهِ وَتَفَرَّقَا عَلَيْهِ ، وَرَجُلٌ طَلَبَتْهُ امْرَأَةٌ ذَاتُ مَنْصِبٍ وَجَمَالٍ فَقَالَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ ، وَرَجُلٌ تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ فَأَخْفَاهَا حَتَّى لا تَعْلَمَ شِمَالُهُ مَا تُنْفِقُ يَمِينُهُ ، وَرَجُلٌ ذَكَرَ اللَّهَ خَالِيًا فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ} متفق عليه ، -رواه البخاري ومسلم-.

إن حب الخالق عز وجل لا يعادله شعور، لذته لا مثيل لها، من عرفها وذاق طعمها ترك كل شيء سواها، لكن هيهات هيهات أن تؤتى لكل الناس فهي نفحات ربانية خالصة تتنزل على قلوب تعلقت بعليائه، تعرض عليك لفترة  فإن أدركت فضلها نهلت من خيرها العميم فكانت وبحق  فاتحة لكل خير في دنياك قبل آخرتك، هنا يحضرني قول الشيخ محمد حسان حفظه الله فيما معناه :{تأثر القلب بالقرآن عند تلاوة آيه، لدليل يستدل به على أنه منزل من عند الواحد الأحد}، الله أكبر، كم هي بليغة هذه الحقيقة الدامغة، لكن للأسف الشديد قلوبنا القاسية قد كساها الران، وقد ينطبق علينا تماما ذلك البيت الشعري المروي عن العلامة السعدي رحمه الله  يقرر فيه: “ولكننا لجهلنا قــــــل ذكرنـــا *** كما قل منــــا للا لـــــــــه منـــا التعبـد”.

هي إذا إشارات بسيطة مني أنا العبد الضعيف، سعيا لإصلاح القلوب حتى ينصلح عموم الحال، وذلك مصداقا لقوله عليه الصلاة والسلام : { ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب} -رواه البخاري ومسلم-، ذلك هو السبيل الوحيد لإصلاح واقع حياتنا، لإصلاح العلاقات الإنسانية فيما بيننا، للعيش في هناء وسعادة تتغشانا معاني الرحمة والسكينة، بها نجتمع على حب وسلام وتعايش أبدي، ما علينا إلا العمل على صقل ذلك القلب من صدئه، كي يتخاص نهائيا من تلك الذنوب التي كسته وعمت أرجاءه، تلك هي آثار أدران الحياة المادية التي إنغمسنا فيها إلى أخمص قدمينا، ورحنا نلهث وراء مجد وعز زائل، إن لك في كل تسبيحة أو تحميدة أو تهليلة أو حوقلة الأثر الإيجابي على جوارحك فتتمثل في حسن أخلاقك وسلوكياتك، وصدق من قال: “إن الإيناء بما فيه ينضح”، نسأل الله العلي القدير أن يهدينا جميعا إلى ما يحب ويرضى، وأن يصلح قلوبنا ويسلل سخيمة صدورنا ويوفقنا إلى طريقه المستقيم القويم، نستعين به على أمور ديننا ودنيانا، إنه هو الولي القادر على كل شيء.

إن أمة التوحيد تعيش شتاتا قل نظيره، تتطاحن فيما بينها بشكل مدم للقلب، قطعا هي القلوب التي تشرذمت ولم تجتمع على نفس واحد، نسينا بل ربما تناسينا وصية الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم في قوله :{مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ فِي تَوَادِّهِمْ وَتَرَاحُمِهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ مَثَلُ الْجَسَدِ إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى}-رواه البخاري ومسلم-، ربما لم يدخل الإيمان إلى قلوبنا بعد؟ ربما لم نرتشف بعد من ديم هذا الغيث الرباني؟، فحال هذه الأمة لا يسعد صديقا ولا عدوا، لا بد أن نعود إلى معاني ذكره الحكيم، ولا بد أن ينطبع أثره في حياتنا اليومية، لولا نفعل ذلك ستبقى مجرد كلمات وأحرف حركت بها شفاهنا ولم تنفذ بعد إلى شغاف قلوبنا، نكون حينئذ قد ضللنا الطريق وما كان ينبغي لنا، ولا يجب علينا أبدا التسليم بذلك المآل.

*كاتب جزائري

عن المحرر

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

شاهد أيضاً

رُوحُ العبوديَّة في مُناخات الحريَّة

بقلم: خباب مروان الحمد… لم تدعُ شريعة سماويَّة إلى الحريَّة كما دعت إليها شريعة الإسلام. …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *