ثقافة السرد

المسافة إلى القمر

إيتالو كالفينو – ترجمة: مبارك وساط

تقديم- كوسميكوميكس : مسائل كوسْمُولوجية في سَرْد مرح

مِمّا قاله رولان بارت عن إيتالو كالفينو، نقرأ: «إنّ له كتابةً خاصّةً به كُلِّيةً، مثل كُلِّ كاتب كبير، ويُمكنُ التّعَرُّفُ عليها…». يبدو هذا جَلِيًّا في القصص الاثنتي عشرة التي يَضُمّها “كوسْميكوميكس” (وهذا العنوان، وهو مُعتمد في التّرجمتين الإنجليزيّة والفرنسيّة للكتاب، مَنْحُوتٌ مِنْ: “كُوسْمي”، وتُحيل، في اللغتين المذكورتين، على الدّلالات التّالية: كون، كوني، كوسموس، كوسمولوجيا؛ ومِنْ “كوميك”، وهي كلمة تستثير في الذّهن، في الإنجليزية والفرنسية دائما، معاني الفُكاهة والهزل واستثارة الضّحك… من هنا، يمكنُنا أنْ نترجم العنوان المذكور بالصّيغة التّالية، مثلا: “كونِيّات هزلِيّة”).
لا شكّ أنّ لِ”كُوسْميكوميكس” تَمَيُّزَها الأكيد بين المجموعات القصصيّة التي نعرف، سواء فيما يخصّ بنية قصصها، أو تيماتها، أو مناخاتها، أو… طرافتها! فليسَ وارِدًا أنْ تَقْرأ هذه المجموعة دون أنْ تضحك أحيانًا، وبتلقائيّة، ودون أن تشعر بإعجابٍ كبير بذكاء كالفينو وألمعيّته في مجال السّرد ومقدراته التّخييليّة الكبيرة.
في مُستهَلّ كُلٍّ من قصص المجموعة، نجدُ فقرةً معزولة في أعلى النّصّ، مكتوبةً بحروف مائلة، وهي ذاتُ طابعٍ نظريٍّ ومرجعيّة علميّة، ويفْصِلُها بياضٌ عن النّصّ القَصَصيّ البحت، أي النّصّ الذي تظْهَرُ في ثناياه الشّخصِيّات وتجري الوقائع، فكأنّما هنالك صوتٌ من خارجِ القِصّة الفِعْلِيّة يَقومُ بإلقاء تلك الفقرة التّمهيديّة. والذي يتولّى عملِيّةَ السّرد في ما أسْميناه النّصّ القصصيّ البحت، هو ذلك الشّخص المُثير، الذي وُجِد منذُ بدايات تشكُّلِ الكون وعاصَرَ ذلك التّشَكّل، ألا وهو الشّيخ «المُسِنّ» – وكيف لا يكون كذلك؟ – ذو الاسْم الذي لا يُمْكِنُ التّلفّظ به: (Qfwfq)، والذي يبدو أنّ أقرب طريقة لكتابته بالعربيّة هي التّالية: “ك ف و ك ف”! يبدأ الشّيخُ في الكلام بتأكيدِ أَنَّ ما وَرَدَ في فقرةِ الاستهلال، ذاتِ الطّابَعِ العِلْمي، صحيحٌ، بناءً على تجربة شخصيّة عاشَها في ماضٍ سحيق، وبعدها يُباشِرُ سَرْدَ ذكرياته عن التّجربة المذكورة. بهذه الصّورة، يُصْبِحُ النّصّ الذي أمامنا، مجالا تلتقي فيه الكوسمولوجيا – باعتبار أنّ ذكريات صاحبنا هي عن بدايات تشكّل الكون والتّحوّلات الكُبْرى التي طَرَأَتْ عليه…- والسّرد القصصيّ المنفتح على الغرائبيّة وعلى الخُرافة…
مِنْ أَجْلِ أنْ نُوَضِّحَ نَهْجَ كالفينو في هذه القصص، نُقَدِّمُ هذين المَثَلَيْن: – في القصّة الأولى من المجموعة، وعنوانُها “المسافة إلى القمر” (فيما سيلي هذا التّقديم، نُقَدِّمُ ترجمةً لمقتطفات ضافيةٍ منها)، يتمّ الابتداء بفقرة قصيرة، حيثُ تُعْرَض فكرة عِلْمِيّة مفادُها أنّ القمر، في ماضٍ سحيق، كان قريبًا من الأرض. يلي تلك الفقرة القصيرة بياضٌ، وبعده، نجِدُ الشّيخ المُسِنّ يُعَلّقُ على مُحتوى الفقرة المذكورة، بقوله: « أعرفُ هذا جيّدًا! لا تستطيعون، أنتم، أنْ تتذكّروا ذلك، أمّا أنا فأستطيع. لقدْ كان فوق ظهورنا باستمرار، أعني القمر…»، وهكذا يبدأ في سرْد قِصّةٍ طويلة، تتبدّى لنا في ثناياها شخصِيّاتٌ ذاتُ أسماء تستعْصي على النُّطق، وتروي لنا عن وقائعَ وعلاقات، وعنْ حُبٍّ يائس وعواطفَ مشبوبة… – في قِصّةٍ أُخرى، بعنوان: “العمّ المائيّ”، تُطْلِعُنا الفقرة العِلْميّة التّمهيديّة على أنّ الفقريّات الأولى التي تَرَكت العيشَ في المياه خلال العَصْر الفَحْمِيّ من أجل أنْ تَحْيا على الأرض، كانتْ سليلةَ أسماكٍ ذاتِ عظامٍ، وكانَ لِكُلٍّ من تلك الفقريّات رئتان و«زعانف يُمْكِنُها أنْ تطْويَها تحت البَدَن وأنْ ُتُصبِحَ قوائمَ لها على الأرض»… إثْرَ هذا، يتدخّلُ صاحِبُنا “ك ف و ف ك”، فيقول: «وَقْتَها، كان قدْ أَصْبَحَ واضِحًا أنّ أزمنةَ العيش في المياه قد انتهتْ، وكان عددُ الذين يُقَرّرون أنْ يَقوموا بالخطوة الكبيرة يتزايدُ يومًا بعد يوم، ولمْ تكنْ هنالك من عائلة إلّا وكان واحدٌ من أفرادِها العزيزين عليها قد انتقل إلى البرّ…». ويروي لنا كيف أنّه وعائلتَه كانوا قد صعدوا إلى البرّ، فلمْ يرفض التّخلّي، مِنْ بينِهِمْ، عن العيش في المياه سوى عمِّهِ “نبَا نْغَا”!.. ولَكَمْ سيجِدُ “ك ف و ف ك” نفْسَهُ في مواقف مُحْرِجة لكونِ عمِّه ذاك عبارة عن… سمكة!..
وُلِدَ الكاتب الإيطالي إيتالو كالفينو في سانتياغو دي لاس فيغاس، وهي إحدى ضواحي هافانا (عاصمة كوبا)، سنة 1923، وتُوُفِّيَ في مدينة سيِينَا، بإيطاليا، سنة 1985. عاد والداه إلى إيطاليا وهو طِفل. شارك في المقاومة الإيطالية خلال الحرب العالميّة الثّانِية، واستلهم من تجربته تلك كتاباته الأولى (“الطّريق إلى بيوت العناكب”، “الغُرابُ هو آخِرُ مَنْ يَأْتي”…)، لكنّه سيشتهر على نطاق واسع باعتباره كاتبًا كبيرًا، بعد أنْ تَظهرَ له ثُلاثِيّة “أسلافُنا”، التي تتشكّل من الرّوايات التّالية، المُستقلّة عن بعضها، والتي يجمعُ بينها الطّابع العَجائبيّ وكونُ كلٍّ منها ذات خلفيّة تاريخيّة، وهي: “الفِسْكونت المشطور”، “البارون المُعلَّق”، “الفارس اللاموجود”. من أعمال كالفينو الأخرى: “كوسْميكوميكس” (أو: “كونيّات هزلِيّة”)، “الزّمن الصِّفْر” (وهي مجموعة قصص، بعضُها نلتقي فيه مُجَدَّدًا ببطل قصص “كوسميكوميكس”)، “المدن اللامرئيّة”، “لو أنّ مُسافِرًا في ليلة شتاء”… ولإيتالو كالفينو عددٌ من الكتابات النّظريّة في الأدب.
فيما يلي، مقتطفات من القصّة الأولى في مجموعة “كوسميكوميكس” (مترجمةً عن الفرنسيّة)، ونُشيرُ إلى أَنّه، من أجل استيعاب بعض التّلميحات التي تتضمّنُها القِصّة، في الفقرات الأخيرة تَحْديدًا، يَجْدُرُ أنْ نأْخُذَ بعين الاعتبار أنّ الكلمة التي تعني “القمر”، في لغة النّصّ الأصليّ (الإيطاليّة)، هي مؤنّثة.

المسافة إلى القمر
(مقتطفات)
في سالف الزّمان، حسب السِّيرْ جورج ه. داروين، كان القمرُ قريبا جِدًّا من الأرض. وحركةُ المدّ والجَزْر، الدّؤوب، هي التي أبعدتْه عنها تدريجيًّا: تلك الحركة التي يبعثُها القمرُ نَفْسُهُ في المياه الأرضيّة، والتي تَفقدُ الأرضُ من خلالها، شيئًا فشيئًا، طاقتَها.

أعرفُ هذا جيّدًا! – هتفَ “ك ف و ف ك”، الشّيخُ المُسِنّ– لا تستطيعون، أنتم، أنْ تتذكّروا ذلك، أمّا أنا فأستطيع. لقدْ كان فوق ظهورنا باستمرار، أعني القمر، كان هائلَ الحَجْم في فترة اكتماله – خلال تلك الفترة، تكون الليالي في مثل ضوء النّهار، سوى أنّ ضوءها يكون بِلَوْنِ السَّمْن- يَبْدو للرّائي كأنّه على وشك أنْ يتحطّم؛ وأثناء اتّخاذِهِ شَكْلَ هلال، كان يتدحرجُ عبرَ السّماء مثلما مظلّة سوداء تدفعُ بها الرّيحُ أمامها؛ وخلال تنامي حَجْمِه، كان يتقدّم وقَرْنُه واطئٌ حدَّ أنّ ذلك القرن كان يبدو على وشك أنْ يَنفُذَ في نُتُوءٍ صَخْرِيٍّ بجبل ساحليّ، وأنْ يبقى ملتصقًا به (…).
مَدارُه؟ إهليلجيّ، طبعًا، كان المدارُ إهليلجِيًّا: ينبسِطُ قليلا فوقنا، ثمّ يستمرّ متباعِدًا. وَحين يُصْبِحُ القمر واطئًا جِدًّا، كانَ المدّ العاتي يجعل الأمواج ترتفعُ بشكل هائل إلى حدِّ أنّه لم يكنْ هنالك مَنْ يستطيعُ إيقافَها. وقد كانتْ هنالك ليالٍ يكون فيها القمرُ بَدْرًا، ونازِلا كثيرًا، ويكون فيها مدّ، والموجُ خلالها يرتفع إلى عُلُوٍّ قَصِيّ، حدَّ أنَّ القمر كان كأنّهُ على وشك أن يَنْغَمِسَ في مياه البحر، أو فَلْنَقُلْ إنّ بِضْعَةَ أمْتار فَحَسْب هي التي كانَتْ تَفصِلُهُ عن البحر. ألمْ نُحاوِلْ قَطُّ أنْ نَصْعَدَ إلى ظَهْرِه؟ كيف لا! كان يكفي المُضِيُّ، في قارِب، حتّى نَصيرَ تحته، وبعدها نُسْنِدُ إليهِ سُلَّمًا ونَصْعد.
كان القمرُ يُصْبِحُ دانيًا أكثرَ في مَوْضِعٍ بِعُرْضِ البَحْر، جِهَةَ المكان المُسَمّى “صُخور الزِّنّكِ النّاتِئة”. وكنّا نَلْتحق بذلك الموضع على متن قواربَ صغيرة، مستعملين مجاذيف ذلك الزّمن، التي كانتْ دائريّة ومُسَطّحة ومن فِلّين. كانَ في القوارب مكانٌ لجماعتنا: القبطان “ف ه د ف ه د”، زوجتُه، ابن عمّي الأصمّ، وأنا نفسي، وأحيانا تَنضاف إلينا الصّغيرة “س ل ت ه ل س”، التي كانت في نحوِ الثّانية عشرة وقتذاك. خلال ليالي الاقتراب الشّديد للقمر، كانَ الهدوء يَرِينُ على المياه، التي كانتْ تَصيرُ فِضّيَة المظهر كما الزِّئبق، وبداخلها كانت الأسماكُ تبدو بنفسجيّةً، ولأنّ تلك الأسماك لم تكن تستطيعُ أنْ تُغالب جاذبيّة القمر، فقد كانتْ تَصِلُ كُلُّها إلى السَّطْح، ومعها أخطبوطات ومَدُوسات في لون الزّعفران. وكانتْ هنالك دائمًا غيمة من الدّوَيْبّات الدقيقة – سلطعونات صغيرة، حبّارات، وأيضًا طحالبُ خفيفة شفيفة وشُعَبُ مرجانٍ صغيرة – تنفصِل عن البحر وقد تنتهي على القمر، مشدودةً إلى سطحِهِ الجِبْسيّ، أو تبقى في منتصف الطّريق، في الهواء مثلما جماعة من النّحل مُشَعْشِعَة، ولإزاحتها كنّا نَهُشُّ عليها بأوراق أشجار الموز.
كان عملُنا يتمثّل فيما يلي: أنْ ننقلَ سلّما في قارِب؛ ثُمّ يُمْسِك واحِدٌ منّا السّلّم، ويرتقيه ثَانٍ، فيما يتولّى ثالثٌ، يكون هو المكلّف بالتّجذيف، مهمّةَ إيصالنا إلى تحتِ القمر. كان ينبغي أنْ نكون عديدين (فأنا لم أذكر إلّا ذوي الأدوار الأساسيّة). وكان الذي في أعلى السُّلّم يصيحُ، مرعوبًا:
– توقّفوا! توقَّفُوا! سَيُدَقُّ رَأْسي!
فذاك كان هو الإحساس الذي ينتابه وهو يرى القمر فوقه، بحجمه الهائل (…). وفي الواقع، كان يَسَعُ المرءَ وهو في أعلى السُّلَّم أنْ يلمسَ القمر، فحسب، إذا مدّ يديه وثبّت قدميه على خشبة السُّلّم العليا واستقام في وقْفته. كنّا نُدَقِّقُ القِياسات ( لمْ يكن قد تبادر بَعْدُ إلى أذْهاننا أنّ القمر سيشرُعُ في الابتعاد)؛ والشّيءُ الوحيد الذي كان علينا أنْ نُولِيَه أشدّ الاهتمام، هو المكان الذي نضعُ فيها أيدينا. أنا كنتُ أختارُ حرشفةً بادية الصّلابة، فسَطْحُ القمر كانَ مُغَطًّى وقتها بالحراشف (وقد كان علينا أن نصعد كلُّنا، لكنْ بالتّناوب، في مجموعات تضمّ خمسة أفراد أو ستّة، وكنتُ أتشبّثُ بالحرشفة بإحدى يديّ، ثمّ بالأُخْرَى، وعلى الفور كنتُ أشعر بأنّ السّلّم والقارب ينزاحان مِنْ تحتِ قدميّ، وأنّ القمرَ كان ينتزعني من الجاذبيّة الأرضيّة). نعمْ، لقد كانَ للقمرِ قوّةٌ ترفعُ المَرْء، وذاك ما كان يُدْركه الواحِدُ منّا جيّدا في لحظة الصُّعود إليه: كان ينبغي أن يتمّ الارتقاء بسرعة شديدة، عن طريقِ القيام بِحركة تَشَقْلُبٍ بهلوانيّة، ولينجَحَ المَسْعى، كان يجِبُ التّمسّكُ جيّدًا بإحدى الحراشف، والانقذاف في الهواء والسّاقان إلى أعلى، وهكذا تجد نفسك واقفًا على سَطْحِ القمر، والذي ينظرُ إليك من الأرض، يراك كمشنوقٍ رأْسُه إلى تحت، لكنّك أنْتَ، في الواقع، تجدُ نفسك في وضعك المألوف تمامًا، والشّيء الوحيد الغريب هو أنّك حين ترفعُ عينيك، ترى سطحَ البحر المُتلألئ فوقك، وبِهِ القارب والرّفاق برؤوسِهم التي إلى أسفل، وهُمْ يَتمايلون كما عنقود يتدلّى من شجرة عِنَب.
أمّا الذي كانتْ له براعة خاصّة في عمليّة الصُّعود هاته، فهو ابنُ عمّي، وقدْ كان أصَمّ. فَفَوْرَ مُلامَسَةِ يديه الضّخمتين سطحَ القمر (وهو كان دائمًا أوّل مَنْ يَرْتقي السّلّم ثمّ يقفز إلى ذلك السّطح)، كانتا تكتسبان مُرونة وتُصْبِحانِ خليقتين بِأَنْ يُوثَقَ بمقدرتهما إلى أبعد حدّ. لقد كانتا تعثُران فورًا على المَوضِعين اللذين يكفلان لهما الإمساك جَيِّدًا من أجل أنْ يتمكّنَ صاحبُهُما من الارتفاع بجسده. بل يُمكن القول إنّ ابنَ عمّي كان، بِالضَّغْطِ بِراحتيه فحسب، يلتصقُ بِقِشرة القمر. وذات مرّة، شعرتُ حقًّا أنّه حين مَدّ يديه، اقتربَ القمرُ لملاقاته!
وبالبراعة نفسِها كان يَنزِل عائدًا إلى سطح الأرض، وهذه عمليّة أكثرُ صعوبة. ففيما يَخُصُّنا نحن، كانت العودة تتطلّبُ من الواحد منّا أن يقفز في الهواء، بَلْ وَأَنْ يندفع حين يقفز بأقْوى ما يستطيع، مادًّا يديه إلى الأعلى (هذا، بالنّسبة لمن يراهُ من القمر، لكنّه يبدو لِمن يتطلّعُ إليه من الأرض كأنّه ينقذف صوبَ مياه عميقة أوْ يَعومُ فيها، ويداه مُتَدَلِّيتان إلى أسفل)، أي أنّنا، إجمالا، كنّا نقوم بنفس القفزة التي نَقَلَتْنَا في البَدْءِ إلى القمر، ما عَدَا أنّ السّلّم كان ناقِصًا في قفزة العودة، إذْ لمْ يكن هنالك ما نُسنِدُه إليه على سطح القمر. أمّا ابنُ عَمّي فإنّه، عِوَضَ أنْ ينقذف ويداه مرفوعتان إلى الأعلى، كانَ ينحني على سطح القمر ورأْسُهُ إلى أسفل كما لو أنّه يريد أن يتشقلب، وَإِثْرَ ذلك كان يَقِفُ على كفّيه ويشرُعُ في القفز. ونحن، مِن القارب، كنّا نراهُ مستقيمًا في الهواء، كما لو أنّهُ كان يُسْنِد الجِرْمَ الهائل الضّخامة ويَرُجّهُ بضرباتِ راحتيه، حتّى إذا أصبحتْ ساقاهُ في متناول أيدينا، أمسكناهُ من عرقوبيه وأنزلناه إلى القارِب.
الآن، ستسألونني عَمّا كان يدفعنا إلى اقتراف فَعْلَة الصّعود إلى القمر، وفورًا سأُبَيِّنُ لكم الدّافع. كنّا نصعدُ إليه لِجَلْبِ الحليب، مُزَوّدين بملاعق كبيرة وسُطُول. كان حَليُب القمر ثخينًا جِدًّا، مثلما صِنْف من الجُبْن الأبيض. وكان يتكوّن في فجواتٍ تحت حراشفِ السَّطح عن طريق اختمار العديد من الأجسام والموادّ المجتذَبَة ممّا يكون القمر قد عَبَر فوقه من سهولِ وغاباتِ الأرض وبُحيراتِ شواطئها (…) ولم تكن الصّعوبة تكمن في استخراج الحليب، بل كانتْ في كيفيّةِ إيصاله إلى الأرض. وهذه كانتْ طريقتنا: كان الواحدُ منّا يقذف إلى الهواء بِحِمْلِ مِلْعَقة، عن طريق اعتماد هذه الأخيرة كمنجنيق صغير. وكان الجُبْن الأبيض ينقذفُ في الهواء، وإذا كانت الرّمْيَةُ قَوِيّةً بما فيه الكفاية، فإنّ القطعة البيضاء كانتْ تمضي لتتشتّت على السّطح العُلْويّ، أي على سطح البَحْر، حيثُ كانتْ قِطَعُها تَطْفُو وتتهَزْهَزُ، وَوَقْتَها يَكونُ يسيرًا على مَنْ في القارب أنْ يُقَرِّبوها مِنْهُمْ ويَنْتَشِلُوها. فيما يخصّ الرّمي بالملعقة، كان ابنُ عمّي الأصمّ يُبْدي تَوفُّزًا خاصًّا: فلديه، كانتْ حَرَكةُ الرُّسْغ مُحكمةً، مثلما نَظْرةُ العين؛ وبِشكل مباشر، كان يُصيبُ الهدف إذْ يقوم بالرّمي صوب فُوهة سطلٍ كنّا نَمُدُّه في اتّجاهه من القارب. وعلى عكْسِه هو، فإنّي، أحيانًا، لَمْ أَكُنْ أُحْرِزُ شيئًا من ذلك النّجاح، إذْ لَمْ يَكُنْ يُقَيَّضُ، دائِمًا، لِحِمْلِ الملعقة من الحليب الذي أقذفُ به أنْ يتغلّب على جاذبيّة القمر، وهكذا، فقد كان يحدثُ أنْ يَعُود ويسقُط على إحدى عينَيّ.
لمْ أَقُلْ لكم بعدُ كلَّ شيء عن العمليّات التي كان ابنُ عمّي ذا مقدرةٍ كبيرةٍ عليها. فعمليّة استخراج حليبِ القمر مِمّا تحت الحراشف، كانتْ بالنّسبة إليه ضَرْبًا مِنْ لَعِب الأطفال، وعوضَ استعمالِ الملعقة، كان أحيانًا يحْشُر تحت الحرشفة يده العارية، أوْ واحِدَةً من أصابعها فحسب. ولم يكنْ يبحثُ عن الحليب تحت أيّما حرشفة، بل تحت واحدة هنا، وأخرى بعيدة عنها بعض الشّيء، مُنتقلًا مِنْ نقطةِ بحثٍ إلى أخرى عن طريق القفز، كما لوْ أَنَّهُ كان يُرِيدُ أنْ يتحايل على القمر، أنْ يُفاجِئَهُ أو أَنْ يُدَغْدِغه حتّى. وحيثُما كان يضعُ يَدَه، كان الحليب ينبجسُ كأنّما من ضِرْعِ مِعْزاة. فلم يكنْ يبقى لنا نحن سوى أنْ نسير خلفه وأن نجمع بملاعقنا المادّة التي تتقطّر، هنا وهناك، مِمّا كانَ هُو يستخرجه (…). وفي نهاية المطاف، كنّا نفقدُ أثره ولا نعود نراه. فعلى سطح القمر كانتْ تمتدُّ مناطقُ لم يحدُثْ أن وَضَعْنا فيها أقدامنا، إذْ لمْ يكنْ هنالك مِنْ داعٍ لنُحاوِلَ ذلك، ولا حتّى داعي الفُضُول، وعبْرَ تلك المناطق، كان ابْنُ عَمّي يختفي. فيما يخصّني، فقد انتهيتُ إلى التّفكير بأنّ كلّ تشقلباتِ ابن عمّي وقَرصاتِ أصابعه على تراب القمر – وقد كان يطلق لنفسه العنان في القيام بها مِرارًا على مرأًى منّا – لم تكنْ سوى تهييء أو تمهيد لأمرٍ سرّيّ سيجري ولا شَكّ في المناطق المجهولة مِنْ قِبَلِنا.
خلال تلك الليالي التي كنّا نقضيها في عُرْضِ البحر بِجهةِ “صخور الزّنك النّاتِئة”، كانتْ حالتُنا الذّهنيّة يَسِمُها المَرَح، وفي نفْسِ الآن مُزَعْزَعةً بعض الشّيء، فكما لو أنّ كُلًّا منّا كان يشْعُرُ أنّ في جمجمته، عِوَضَ المُخّ، سمكةً تطفو ويجتذبها القمر. وهكذا كان القارب يتحرّكُ بنا ونحن نُغَنّي ونعزفُ الموسيقى. كانتْ زوجةُ القُبْطان تَعْزِفُ على القيثار. وقد كان لها ذراعان طويلان جِدًّا يبدوانِ خلال تلك الليالي مُفَضَّضين كحَنْكليسين، وكان إبطاها قاتمين يَرِينُ عليهما بعض الغموض كأنّهما من قنافذ البحر؛ وقدْ كانَتْ أصْواتُ القيثار رقيقةً جِدًّا وحادّةً حدَّ أنّها كانتْ بالكاد مُحتملة، فقد كانتْ تستثيرُ مِنّا صرخاتٍ قويّة، لم تكن ناجمةً عنْ تفاعُلٍ مع الموسيقى، بقدرِ ما كانتْ لِحمايةِ آذاننا منها.
(…) وكان كلُّ جِسْمٍ ينزل من القمر إلى الأرض يبقى لِبعضِ الوقت مشحونًا كُلِّيَّةً بالقوّة القَمَرِيّة، وَمُقاوِمًا لِجاذبيّة عالَمنا. وأنا نفسي، رغْمَ بدانتي وطولِ قامتي في تلك الأيّام، كنتُ، كلّما عُدْتُ من فوق، أقضي وقتًا قبل أنْ أتعوّد من جديد على وجودي على الأرض بموقعها تحت القمر، وقد كان على رفاقي أنْ يُمسكوني من يَدَيّ ويستبْقُونِي بالقُوّة، وهم مُتَراصّون من حولي في القارب الذي كان يتهزهز، فيما كُنْتُ أنا أستمرّ في مَدّ يَدَيّ نحو السّماء.
– تشبّثْ، تَشَبَّثْ بنا جَيِّدًا: كانوا يصيحون بي.
وأنا، إذْ كُنْتُ أُحرِّكُ يَدَيّ بشكلٍ عشْوائيّ، كان يَحْدُثُ أحيانًا أنْ أُمْسِك بواحِدٍ مِنْ ثَدْيَي السّيّدة “ف ه د ف ه د”، وقد كان ثَدْياها مُدَوّرين لدْنَيْن، وضَمّةُ الكفّ على الواحد منهما مَكينَة، كما كانت لصاحبتهما جاذبيّة مُساوية لجاذبيّة القمر أو أكبر منها، وهذا ما كُنْتُ أسْتشْعِرُه بِجلاء تامّ لَمَّا أُفلِح وأنا أنزل، ورأسي إلى أسفل، في أن أُحيطَ خَصْرها بيدِي التي لا تَنْضَمّ كَفُّها على الثّدي، وبتلك الصُّورة كانَ يَتِمّ حُلُولي مُجَدَّدًا بِعالَمِنا هذا، وكان القُبْطان “ف ه د ف ه د”، مِنْ أَجْلِ أنْ يُعيدَنِي إلى وعْيي، يَدْلق عليّ سطلَ مَاء.
هكذا سقطْتُ في غرام زوجة القُبْطان، وابتدأتْ عذاباتي. ذلك أنّي سرعانَ ما تبنّيتُ مَن الذي كانتْ تَتوجَّهُ إليه هي بِنَظراتها الطّويلة؛ فحين كانتْ كفَّا ابنِ عَمّي تُثْبَثَان بثقة على سَطْحِ القمر، كنتُ أنْظُرُ إليها، فأقرأ في نظرتها الأفكار التي كان يبعثُها لديها ذلك التّواطؤ بين الأصمّ والقمر، وحين كان الأصمّ يختفي في تَرَحُّلِه الغامض على القمر، كنتُ أراها تقلق، وتُصْبِح كأنّها على جَمْر الغضَى، إذا شئنا أنْ نستعمل هذا التّعبير، وهكذا اتّضح الأمرُ بالنّسبة إليّ، وفهمتُ أنّ الغيرة كانت تتنامى، لدى “ف ه د ف ه د” من القَمَر، ولديّ أنا من ابْنِ عَمّي (…)
في كلّ شهر، وبمجَرَّدِ ما يكون القمر قد شَرَعَ في الابتعاد، كان الأصمّ يعود إلى انعزاله المُحتقِر لأشياء هذا العالَم؛ ودُنُوُّ وقتِ اكتمال القمر وحدَهُ كان يَبُثُّ فيه الحيويّة. في تلك المرّة، تدبَّرْتُ أَمْري حتّى لا أُكَلَّفَ بالصّعود إلى الجِرْم الذي فوقنا، مِنْ أَجْلِ أَنْ أبقى في القارب، قُرْبَ زوجة القُبْطان. لكنْ، ما إنْ ارتقى ابنُ عمّي السُّلَّم ووصل إلى القمر، حتّى قالتْ السّيّدة “ف ه د ف ه د”:
– اليوم، أريد أنْ أَمْضي أنا أيضًا إلى الأعلى!
لم يكن قدْ حدَثَ من قبل أنْ صعَدَتْ زوجةُ القُبْطان إلى القمر. لكنّ “ف ه د ف ه د” لمْ يَعْتَرِضْ على طلبِها، بل إنّهُ حَمَلَها بيديه ووضعها على السّلّم وقال لها بصوتٍ جهير: « هيّا، اِمْضي!» (…) لَمْ يكنْ القُبْطانُ يتطلّعُ سوى إلى التّخلُّص من زوجته، هذا صحيح تمامًا، فما إنْ صعدتْ إلى هناك حتّى رأيناه يتّبِعُ أهواءَ نَفْسِه وينغمس في الرّذائل، ووقتَهَا فَهِمْنا لماذا لم يَفْعَلْ شيئًا لاستبقاء زوجته. لكنْ، هل كان على سابقِ عِلْمٍ، منذ ذلك الوقت المُبَكّر، بأنّ مَدار القمر كان في اتّساعٍ مُطَّرِد؟
لَمْ يَكُنْ وارِدًا أنْ يَعْتقد واحِدٌ مِن بيننا في شيء مثل ذاك. والذي كان يُمكن أنْ يكون على علم بمثل ذلك الأمر هو الأصمّ، والأصمّ وحده: فبطريقةِ الأشباح التي كان يعرفُ بها الأشياء، سيكون ولا شكّ قد استشعرَ أنّ تلك الليلة هي التي كان ينبغي له خِلالها أنْ يُوَدِّعَ القَمَر. ولذا فإنَّهُ كانَ قَدْ تخفّى، وهو في الأعْلى، في أماكن مجهولة مِنْ قِبَلِنا، وَلَمْ يُعاود الظّهور إلّا لِيعودَ إلى المركب. وكانتْ زوجةُ القبطان قد جَهَدَتْ في البحث عنه على القمر، فرأيناها تجوسُ مرّاتٍ عِدّة بين الحراشف، في هذا الاتّجاه ثمّ في ذاك، قبل أنْ تَتوقّفَ وتنظرَ إلينا، نحنُ الذين بقينا في المركب، تمامًا كما لو أنّها على وشك أن تسألنا إنْ لمْ نكنْ قد رأيناه.
حقًّا، وقع شيء خارجٌ عن المألوف في تلك الليلة. فسطحُ البحر، رغْم أنّه كان منتظمَ الانبساط كما هو الحال حين يكون القمرُ بَدْرًا (…)، كان قد أَصْبَحَ بادِيَ الارْتِخاء، رَخْوًا، كما لوْ أنّ مغناطيس القمر كفَّ عنْ ممارسة مفعولِه عليه. ثُمَّ إنّ الضَّوءَ صار يبدو كالمُخْتلفِ عمّا كان عليه في أوقات اكتمال القمر في الماضي. والرّفاقُ الذين كانوا هنالك في الأعلى، لا بُدّ أنّهُم، بِدورهم، أدركوا أنّ شيئًا ما كان يحدث، فقدْ وجّهوا صَوْبَنَا عيونًا مُرْعَبَة. وفي نفسِ اللحظة، ارتفَعَتْ عقائرُهُمْ وعقائرُنا بِنَفسِ الكلمات:
– إنّ القمر يَرْحل!
(…)
– تجمّعوا! أيّها البُلَهاء! تَجمّعوا! زَعَق القُبطان.
إِثْرَ تَوَجُّهِه بِهذا الأمر إليهم، حاول البحّارة التّجمّع وتشكيلَ كُتلة واحدة، ليرتموا مجتمعين حتّى يستطيعوا الوصول إلى منطقة الجاذبيّة الأرضِيّة: هكذا هوتْ، فجأةً، إلى البحر أجسادٌ توالتْ بِسُرْعة، وسُمِعَ دَوِيُّ ارتطامها بالمياه.
لحظتَها، حَرَّكتِ المجاذيفُ القواربَ صَوْبَ تلك الأجساد وانتشلتْها من البَحْر.
– انتظروا! ليست السّيّدة معهم! قُلْتُ أنا بصوتٍ جهوريّ.
(…)
وقد أظهَرَت السّيّدة “ف ه د ف ه د” كيفَ أنّ حُبَّها للأصَمّ لمْ يَكُنْ نَزْوَةً عابرةً، بِقَدْرِ ما كان تَعَلُّقًا نَذَرَتْ لهُ نفْسَها بلا رِجْعَة. فَإِنْ كانَ ابْنُ عَمّي قد أصبح يُحِبُّ القمر الذي أضْحى بعيدًا، فهي بِدورِها ستبقى بعيدةً، هنالك على سطح القمر. (…)
استطابَتْ نفسي العودة إلى الدّيار؛ وبقيتْ لي ذِكْرى وحيدة أليمة، ذِكْرى تلك التي فَقَدْت، فعيناي كانتا تتسمّران، بحْثًا عنها، على القمر الذي أصبح الوصول إليه مُسْتحيلا. ورأيْتُها. كانتْ هنالك (…)، مُمَدَّدَةً على شاطئٍ يُوجَد بالضّبْط فوقَ رؤوسِنا، ولم تكنْ تتفوّه بكلمة. كانتْ في لَوْنِ القمر؛ وكانت تُمسِكُ القيثار، مُسْنِدَةً إيّاه على خصْرِها، وتُحَرِّكُ إحْدى يديْها لتعزفَ نُوطاتٍ مؤتلفة، بطيئة وقليلة. كان صَدْرُها واضِحَ المعالم، وكذلك ذراعاها وكَشْحاها، وعلى هذه الصّورة ما أزالُ أتَذَكّرُها حتّى اليوم، بعد أنْ تحوّلَ القمرُ إلى هذه الدّائرة الصّغيرة، المُسَطّحة والنّائية؛ وأنا ما زِلْتُ أبْحثُ عنها بعينيّ، عنها هي، منذُ أنْ يَظهرَ في السّماء الهلالُ الأوّل، وبقدْرِ ما يكبُر، أتخيّلُ أنا بشكلٍ أقوى أنّي أراها، هي، أوْ بَعْضًا منها، لكنْ لا شيءَ غيرَها، إنّما هي، في مئات المظاهر المُخْتلفة، هي التي تجعلُ القمرَ قَمَرًا والتي، كلّما أَصْبَحَ هذا الأخيرُ بَدْرًا، تدفعُ الكلابَ إلى أنْ تَهِرَّ طول الليل، وتجعلُني أُشارِكُها الهرير.

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق