قراءات ودراسات

قراءة في احلام الخريف للكاتب اشرف السيسي

د. احمد الباسوسي
 
من اصدارات يسطرون بالقاهرة هذا العام 2019 صدرت المجموعة القصصية احلام الخريف للكاتب أشرف السيسي، عدد الصفحات (130) القطع المتوسط، متضمة الاهداء والمقدمة والختام والشكر والفهرس. الغلاف عبارة عن صورة غائمة كما الحلم لرجل يتحرك على ارجوحة يمسك طرفا حبلاها بالقمر المخسوف وفضاء بمستويات من الحمرة وطيور هالعة واشجار وقباب ومنازل باهتة. تعد المجموعة الاصدار الأول للكاتب وتتكون من عدد (127) نصا. حلم/ قصة قصيرة جدا.
دلالة العنوان والاهداء والمفارقة
الاهداء لعميد الرواية نجيب محفوظ والعنوان يقتفي اثر عميد الرواية في مجموعته القصصية” احلام فترة النقاهة” (209 حلم)، المنشورة في عام 2004 قبل وفاته بعامين اثنين. والمفارقة ان نجيب محفوظ كتب هذه المجموعة القصصية في اخريات حياته بينما يكتب اشرف السيسي احلامه في بواكير اصداراته وحياته الادبية التي تأخرت ما دلالة ذلك؟. للاحلام جاذبية شعبية كبيرة وغير مسبوقة، يكفي ان نعلم ان سيجموند فرويد العالم والمفكر العظيم مؤسس مدرسة التحليل النفسي كتب كتابه “تفسير الأحلام” عام 1899، وطرح فيه رؤيته الفلسفية والنفسية والتحليلية في عالم الاحلام ودورها المؤثر جدا (حسب نظريته) في حياة البشر في المجمل، وعلى السلوك الانساني وكذلك ما يتعلق الأمر من مشاعر وعواطف ورغبات. نشر هذا الكتاب وذاع صيته في ارجاء الكرة الارضية واجتذب شعبية عظيمة أفضت الى ان يستقبل سيجموند فرويد نحو خمسة ملايين امريكي في نيويورك عندما زارها تأكيدا على شعبية الرجل وافتتان العالم به وقتئذ. وصارت الأحلام مذهبا فنيا وتشكيليا عظيما حيث تأسست المدرسة “السيريالية في الفن” واجتذبت شعبية وافتتانا كبيرا في اوساط الادباء والفنانين التشكيلين واضحت موضة في ذلك الوقت خاصة مع توالي الازمات الاقتصادية والحروب الكبرى، وأصبح العالم أشبه بكابوس أو حلم مزعج يعيشه الناس.
الحلم لدى فرويد تحقيق رغبة. يقول فرويد نطوي في دواخلنا على قوى ومشاعر ورغبات تملي علينا أفعالنا رغم اننا لا نعي عنها شيئا تسمى اللاشعور. واعتبر فرويد الحلم فكرة تترجم الى صور، وبما ان عناصر الرغبة لايمكن ترجمتها كلها الى شكل بصري فان هذه الرغبة تنقل أو تبدل على شكل تمثيل رمزي وهنا نكون حصلنا على صيغة أولية لمحتوى الحلم. وتشكل الاحلام فسحة كبيرة لهذه الدوافع المكتبوتة لتظهر من خلالها في صور سلوكية أو أفكار أو مشاعر غير مفهومة.


يوضح يونج التلميذ الأشهر لفرويد والمنشق عنه ان هناك اللاشعور الجمعي والرمزية، وان الرموز نتيجة الطبيعة، وان الحلم ما يخرج من الانسان من سمات بدائية وغير حضارية، مثل الحقد والكره والخوف والرعب وامور لا يعتقد المرؤ امكانية ممارستها في الواقع، فتأتي سهلة من خلال الرموز والزلات وفلتات اللسان.
احلام نجيب محفوظ واحلام اشرف السيسي المفارقة/ المقارنة.
احلام نجيب محفوظ في كتابه احلام فترة النقاهة الذي نشره عام 2004 قبل فاته بعامين اثنين تعكس رؤية ابداعية قيمة
تصنيف مبدئي للاحلام
أحلام تعكس رأيا مباشرا للكاتب (ابو خالد/وجه يرضيني/ كبار الرعية/في حضرة الملك…. الخ)
أحلام تعتمد على اللغة التقليدية للسرد وغرابة المفارقة (صابرين، اختيار صعب، في لمح البصر….الخ)
أحلام تعتمد فيها لغة السرد على الرمزية المباشرة (حماة الاداب،بائع البطيخ،.في سفينة عربية….الخ)
ثالوث الجنس والدين والسياسة في احلام أشرف السيسي
الجنس: لدى الكاتب يبدو فائرا، يحتل مساحة كبيرة في اللاشعور لدى الكاتب، الانثى تمثل موضوعا جنسيا في الأساس في احلامه، على الرغم من صدامه مع ما هو موروث من ثقافة وتقاليد حاول كبح الجماح (القمع والرقابة الداخلية). باب الخروج، لو كان التردد، حاكم عكا، الصياد، سيدة اعمال، في الزحام، على جزيرة تايلاند…الخ)
الدين: موروثات القيم والتقاليد والثقافة في المجمل تهيمن على اتجاهات الكاتب من الدين والتدين لدرجة ان يشكل ذلك موقف واضح وصريح ومعلن ودائم التأكيد عليه تجاه الدين ويظهر ذلك في أحلام (فرعون الكرة، ما يدفع للانتحار، يوم العاصفة، الاباحية، اهملت ثلاثا، ولاد الحلال، ذات الشعر الازرق، يوم القيامة، نداء، …الخ)
السياسة: يبدو الأمر غائما الى حد ما لدى الكاتب كما لدى غالبية المصريين في هذه الحقبة السياسية لكن ذلك لم يمنع ان يعلن الكاتب انحيازه السياسي بوضوح تجاه أشخاص وربما سياسات معينة ويتمثل ذلك في أحلام (حماة الاداب، ايام محاكمة الرئيس، السادات، مظاهرات، ابو خالد، حياة بزرميط، في المؤتمر، افتكاسات،…الخ).
السخرية والحكمة: الكاتب هنا شغوف بارتداء عباءة الحكمة والفلسفة والسخرية من الواقع الساخر بالفعل ويتمثل ذلك في أحلام (العهد، عن الاحبة اتذكر، ما يدفع للانتحار، متاعب القولون، الاستعلامات، اوكازيون، القناعة كنز،…الخ).
السيرة الذاتية أو اليوميات : في هذا السياق يبدو ان الكاتب يمسك دفترا ويسجل عليه يومياته في صورة أحلام، مناجاة مع الذات أو النفس ينفث من خلالها الكاتب عن علاقته بواقعه الضيق غير المريح كما في أحلام (على حافة اليأس، ورشة ادبية، صدام،…الخ).
الكتاب في المجمل يعكس رؤية كاتبه وخبراته التراكمية في السرد والوصف وامتلاك ناصية الكلمة ونجاحه في رسم لوحات متنوعة شكلا وموضوعا تحمل رؤى ابداعية مهمة نتوقع لها المزيد من النضج والتحرر في الاعمال التالية.

*كاتب مصري
عضو اتحاد الكتاب ونادي القصة

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق