الجمعة , أكتوبر 20 2017
الرئيسية | الموقع | إسلاميات | وقفات مع حج النبي صلى الله عليه وسلم

وقفات مع حج النبي صلى الله عليه وسلم

أبو أنس سليم الجزائري

أمر الله عباده باتباع نبيه – صلى الله عليه وسلم- في غير آية من كتابه فقال سبحانه: “وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا” (الحشر: 7) ، وجعل إتباع نبيه هو دليل المحبة الأول وشاهدها الأمثل، فقال سبحانه: “قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم والله غفور رحيم” (آل عمران: 31)، والحج من أوضح العبادات التي يتجلى فيها اتباع النبي – صلى الله عليه وسلم- والتأسي به، ولذلك كان لزاما على كل حاج يريد صحة حجه، وقبول نسكه، أن يتعرف على هدي النبي – صلى الله عليه وسلم – في الحج، هذا الهدي الذي لا يقتصر فقط على أحكام النسك، بل يتجاوزه إلى التأسي به في أحواله مع الله ومع الخلق. وسنقف وقفات يسيرة أمام بعض الأمور التي تجلت في حجه – صلى الله عليه وسلم -، حتى يترسم الحاج خطاها، ويحرص على الاقتداء بنبيه – صلى الله عليه وسلم – فيها، قاصدين من ذلك التنبيه والإشارة، لا الحصر والاستقصاء. فقد تجلى في حجه – صلى الله عليه وسلم – الاعتناء بأمر التوحيد، وإخلاص العمل لله، حيث سأل ربه عز وجل أن يجنبه الرياء والسمعة، قائلا: (اللهم حجة لا رياء فيها ولا سمعة) رواه ابن ماجة، وحرص على بيان التوحيد وإظهاره في جميع مناسك الحج وشعائره بدءا من التلبية إلى ركعتي الطواف والصفاء والمروة، ويوم عرفة، وغير ذلك. وكان – صلى الله عليه وسلم – في حجته حاضر القلب، خاشع الجوارح، كثير التضرع والمناجاة، حريصا على السكينة والوقار، يقول جابر رضي الله عنه: “أفاض رسول الله – صلى الله عليه وسلم – وعليه السكينة”، وفي يوم عرفة سمع وراءه زجراً شديداً، وضرباً وصوتاً للإبل، فأشار بسوطه إلى الناس قائلاً: (أيها الناس عليكم بالسكينة، فإن البر ليس بالإيضاع) يعني الإسراع، رواه البخاري. وفي الحج تجلى بوضوح تعلقه – صلى الله عليه وسلم – بالدار الآخرة، وزهده في عاجل الحياة الدنيا، فقد حج على رحل رثٍّ، وقطيفة لا تساوي أربعة دراهم، كما عند ابن ماجة، وقال وهو واقف بعرفة: (لبيك اللهم لبيك، إنما الخير خير الآخرة) رواه الحاكم والبيهقي، قال ابن القيم رحمه الله: “وكان حجه على رحل، لا في محمل ولا هودج، ولا عمارية”، وهي أدوات تكون فوق الدابة تسهل على المرء ركوبها، وكانت راحلته هي زاملته التي يحمل عليها متاعه وزاده، فلم تكن له ناقة أخرى خاصة بذلك، ولم يتميز – صلى الله عليه وسلم – في الموسم عن الناس بشيء، حتى إنه لما جاء إلى السقاية فاستسقى قالوا له: نأتيك به من البيت فقال: (لا حاجة لي فيه، اسقوني مما يشرب منه الناس) رواه أحمد. وفي الحج حرص – صلى الله عليه وسلم – على تعليم الناس أمر دينهم، وإقامة الحجة والبيان عليهم، ولم يدع فرصة سانحة لتعليم الناس والقيام بواجب البلاغ إلا انتهزها، فبين لهم أحكام المناسك، وأركان الإسلام وقواعده، ونهاهم عن الشرك، وانتهاك الحُرمات العظيمة التي جاءت الشرائع بالمحافظة عليها، من الدماء والأموال والأعراض، وذلك في مواطن عديدة من حجه. وفي حجه عليه الصلاة والسلام ظهر تواضعه للناس، فقد أردف أسامة بن زيد رضي الله عنهما من عرفة إلى مزدلفة وهو من الموالي، ووقف لامرأة من آحاد الناس يستمع إليها ويجيب عن سؤالها، ولم يتخذ حُجَّاباً يصرفون الناس عنه، ويمنعونهم من مقابلته، وكان في إمكان أي أحد الوصول إليه وقضاء حاجته بيسر وسهوله. ومن المظاهر التي تجلت في حجته – صلى الله عليه وسلم – رحمته بالناس وشفقته عليهم، ومن ذلك إلزامه من لم يسق الهدي من أصحابه – رضي الله عنهم – بأن يحل إحلالاً كاملاً، وذلك رحمة بهم وتيسيراً عليهم، ومن ذلك جمعه لصلاتي الظهر والعصر، والمغرب والعشاء، حتى لا يشق على الناس، وإذنه للضعفاء في الإفاضة من مزدلفة قبل الناس حين يغيب القمر، تخفيفا عليهم ووقاية لهم من الزحام، ومن ذلك أيضا رفعه الحرج عن الناس في التقديم والتأخير في أعمال يوم النحر، إلى غير ذلك من مظاهر رحمته – صلى الله عليه وسلم – بأمته. ومن المظاهر جوده وكرمه وإحسانه إلى الناس، فقد قرب – صلى الله عليه وسلم – مائة بدنة، وأمر عليا رضي الله عنه أن يقسمها كلها لحومها وجلودها وجلالها في المساكين. وفي الحج كذلك تجلى تعظيمه لشعائر الله، وصبره على الناس على اختلاف طبقاتهم وبلدانهم ولغاتهم، إلى غير ذلك من المظاهر الكثيرة التي لا يتسع المجال لذكرها. هذه بعض المظاهر المضيئة والجوانب المشرقة، في حجه – صلى الله عليه وسلم-، فحري بالدعاة إلى سبيله، والمنتسبين إليه، والسائرين على دربه، أن يتلمسوا هدي نبيهم – صلى الله عليه وسلم – ويترسموا خطاه، فيجتهدوا في متابعته، ويحذروا من مخالفته.الهدي:
أخطاء في يوم التروية
^1 اعتقاد البعض لزوم الإحرام من المسجد الحرام، والسنة أن يحرم الإنسان من موضعه بمكة.
^ 2 اعتقاد البعض أنه لا يصح أن يحرم الحاج بثياب الإحرام التي أحرم بها في عمرته.
^ 3 قيام كثير من الحجاج بالاضطباع من هذا اليوم إلى نهاية الحج، وهذا خطأ، فالاضطباع لا يُشرع إلا عند طواف القدوم أو طواف العمرة فقط.
^ 4 ظن بعض الناس ممن كان في منى قبل يوم التروية، أنه يلزمه العودة إلى مكة والإحرام منها، والصواب أنه لا يلزمه ذلك، بل يُحْرِم من مكانه.
^ 5 ترك البعض سنة قصر الصلاة في منى، أو القيام بالجمع بين الصلوات دون حاجة شرعية.
إن الصفا والمروة من شعائر الله
قوله تعالى: “إن الصفا والمروة من شعائر الله فمن حج البيت أَو اعتمر فلا جناح عليه أن يطوف بهما ومن تطوع خيرا فإن الله شاكر عليم” (البقرة: 158)، كان السعي بين الصفا والمروة من شعائر الحج منذ زمن إبراهيم عليه السلام، تذكيراً بنعمة الله على هاجَر وابنها إسماعيل، إذ أنقذه الله من العطش، كما ثبت ذلك في حديث ابن عباس رضي الله عنهما، وفيه: (…فانطلقتْ كراهية أن تنظر إليه -ابنها- فوجدتْ الصفا أقرب جبل يليها فقامت عليه، ثم استقبلت الوادي تنظر هل ترى من أحد، فلم تر أحدًا، فهبطت من الصفا وأتت المروة، فقامت عليها، فنظرت هل ترى أحدًا فلم تر أحدًا، ففعلت ذلك سبع مرات. قال ابن عباس: فقال النبي صلى الله عليه وسلم: فلذلك سعى الناس بينهما) رواه البخاري. وعند البخاري أيضًا من حديث أنس بن مالك، وقد سُئل عن الصفا والمروة، فقال: (كنا نرى أنهما من أمر الجاهلية، فلما كان الإسلام أمسكنا عنهما، فأنزل الله تعالى: “إن الصفا والمروة من شعائر الله”. وقد ذهب جمهور أهل العلم إلى أن السعي بين الصفا والمروة ركن لا يصح الحج إلا به، استدلالا بهذه الآية، وبفعله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع، ففي “صحيح مسلم” من حديث جابر يصف فيه حجة رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: (.. ولما فرغ من طوافه بالبيت عاد إلى الركن فاستلمه، ثم خرج من باب الصفا، وهو يقول: “إن الصفا والمروة من شعائر الله” ثم قال: أبدأ بما بدأ الله به”. وقد صح عنه عليه الصلاة والسلام، قوله: (لتأخذوا عني مناسككم) رواه مسلم. وروى الإمام أحمد في “المسند” بسند حسن، عن ابن محيصن رضي الله عنه، قال: (رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يطوف بين الصفا والمروة والناس بين يديه، وهو وراءهم وهو يسعى، حتى أرى ركبتيه من شدة السعي، يدور به إزاره وهو يقول: اسعوا فإن الله كتب عليكم السعي). وقوله جل ثناؤه: “فلا جناح عليه أن يطوف بهما” (الجُناح) الإثم، اشتق من جَنَحَ، إذا مال، وظاهر الآية أن السعي بين الصفا والمروة ليس بواجب، وليس الأمر كذلك، وقد بيَّن حديث عائشة رضي الله عنها المقصود من الآية، فيما رواه مالك من حديث عروة بن الزبير رضي الله عنهما، قال: قلت لعائشة -وأنا يومئذ حديث السن-: أرأيتِ قول الله تعالى: “إن الصفا والمروة من شعائر الله” فما على الرجل شيء ألا يطوف بهما، فقالت رضي الله عنها: كلا، لو كان كما تقول لكانت: فلا جناح عليه ألا يطوف بهما، إنما أنزلت هذه الآية في الأنصار، كانوا يُهلِّون لمناة (اسم صنم) وكانوا يتحرجون أن يطوفوا بين الصفا والمروة، فلما جاء الإسلام، سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك فأنزل الله: “إن الصفا والمروة من شعائر اللَّه”، فالآية -كما دل حديث عائشة رضي الله عنها- نزلت لدفع وَهْمِ مَن توهَّم، وتحرَّج من المسلمين عن الطواف بين الصفا والمروة، لكونهما في الجاهلية تُعبد عندهما الأصنام، فنفى الله تعالى الجُناح لدفع هذا الوهم، لا لأن السعي بينهما غير لازم، كما قد يتبادر من ظاهر الآية. وفي رواية أخرى لعائشة رضي الله عنها، ثبت في “الصحيحين” قالت: (قد سنَّ رسول الله الطواف بهما، فليس لأحد أن يدع الطواف بهما). ثم إن تقييد نفي (الجُناح) في الآية، فيمن طاف للحج أو العمرة، فيه دلالة على أنه لا يُتطوع بالسعي مفرداً، إلا مع انضمامه لحج أو عمرة، وهذا بخلاف الطواف بالبيت، حيث يُشرع الطواف فيه مفرداً عن الحج والعمرة. وقوله جلَّ من قائل: “ومن تطوع خيرا” أي فعل طاعة “فإن الله شاكر عليم” أي مثيب على الطاعة لا تخفى عليه. فبين سبحانه أن الخير كل الخير فيما يفعله العبد من الطاعات، والقربات التي تقربه إلى ربه، وذلك أنه كلما ازداد العبد في طاعة خالقه ازداد خيره وكماله، ورُفعت درجته عند الله. على أن في الآية دلالة أخرى، دلَّ عليها تقييد (التطوع) بالخير، إذ يُفهم من هذا التقييد أن من تطوع بالبدع، وبغير ما شرعه الله سبحانه، أو فَعَلَ ما أمره الله على غير الصفة التي شرعها الله، فإن عمله غير مقبول، ولا يحصل له من الأجر سوى العناء، ومن كانت حاله كذلك، فهو داخل في قوله تعالى: “قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالا * الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا” (الكهف: 103-104). وقوله تعالى: “فإن الله شاكر عليم”، هذا بيان من الله سبحانه أنه يقبل من عباده اليسير من العمل، ويجازيهم عليه العظيم من الأجر، كما أن في الآية إشارة إلى أن من ترك شيئًا لله عوَّضه الله خيرًا منه، ومن تقرب منه شبرًا تقرب منه ذراعًا، وأنه سبحانه عليم بأحوال خَلْقه، ومن يستحق الثواب منهم، ومن يستحق العقاب. ثم إن الآية بمجملها تدل على أن الساعي بين الصفا والمروة ينبغي أن يستحضر فقره لخالقه، وذلَّه بين يديه سبحانه، وحاجته إلى الله تعالى في هداية قلبه، وصلاح أمره، وغفران ذنبه، وأن لا ملجأ من الله إلا إليه، قال سبحانه: “يا أيها الناس أنتم الفقراء إلى الله والله هو الغني الحميد” (فاطر: 15).

عن المحرر

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

شاهد أيضاً

رُوحُ العبوديَّة في مُناخات الحريَّة

بقلم: خباب مروان الحمد… لم تدعُ شريعة سماويَّة إلى الحريَّة كما دعت إليها شريعة الإسلام. …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *