ثقافة المقال

الرومانتيكية في شعر أبي القاسم الشابي

الدكتور سالم بن رزيق بن عوض

الإنسان في عوالمه من كون وحياة والتغيرات الاي تصاحبه ربما ركد إليها اومال للركود والسكون وقد ينخدع بهذه العوالم التي من صفاتها التغير والتطور وعدم الثبات بالجمود والسكون الذي ترضاه نفسه وتميل إلى مقاومة الجديد.
النفوس الشاعرة عاشقة للتجديد والجديد والتطوير وترى ذلك من كوة ما تملك من مواهب وقدرات فرص زمانية ومكانية تغرض عليها. ولذلك لا ترضى في هذا التطواف في الكون والحياة الموارة من الغنيمة بالإياب.
فهي تعّرف عن نفسها ومواهبها وتعطي للحياة الكون نظرات جديدة وأفق واسع ومعاني فريدة يعود ذلك إلى دفع الحياة وتجديدها.
من الذين أثروا هذا المدرسة أثروا فيها وفي المتلقي
شاعر الطبيعة الساحرة أبوالقاسم الشابي
فلنسمع إليه وهو يرسل هذه الأنغام الشعرية :
صَاحِ! إنَّ الحياة َ أنشودة ُ الحُزْنِ،
فرتِّلْ عَلَى الحياة ِ نَحِيبي
إنَّ كأسَ الحياة ِ مُتْرَعَة ٌ بالذَّمْ،
فاسْكُبْ على الصَّبَاحِ حَبيبي
إنّ وادِي الظَّلامِ يَطْفَحُ بالهَوْلِ،
فما أبعد ابتسام القلوبِ!
لا يُغرّنَّك ابتسامُ بني الأرضِ
فَخَلْفَ الشُّعاعِ لَذْعُ اللَّهِيبِ
أنتَ تدري أنَّ الحياة َ قطوبٌ
وَخُطُوبٌ، فَما حَيَاة ُ القُطُوبِ؟
إنه يرسم صورا للحياة المعروفة المألوفة بسأليب أدبية شعرية جديدة غير مألوفة فهو يبهر القارئ والمستمع بهذا الأسلوب وهذه الطريقة ويوصل المعاني بكل حب وصدق وتأثير.
ويغوص في أغوار الخيال ليصل بالقارئ إلى الحقيقة الماثلة.
واسمعوا إليه وهو يعزف هذا العزف الجميل :
أنتِ كالزهرة ِ الجميلة ِ في الغاب،
ولكنْ مَا بينَ شَوكٍ، ودودِ
والرياحينُ تَحْسَبُ الحسَكَ الشِّرِّيرَ
والدُّودَ من صُنوفِ الورودِ
فافهمي النَاسَ..، إنما النّاسُ خَلْقٌ
مُفْسِدٌ في الوجودِ، غيرُ رشيدِ
والسَّعيدُ السَّعيدُ من عاشَ كاللَّيل
غريباً في أهلِ هَذا الوجودِ
وَدَعِيهِمْ يَحْيَوْنَ في ظُلْمة ِ الإثْمِ
وعِيشيي في ظهرك المحمودِ
كالملاك البريءِ، كالوردة البيضاءَ،
كالموجِ، في الخضمَّ البعيدَ
كأغاني الطُّيور، كالشَّفَقِ السَّاحِرِ
كالكوكبِ البعيدِ السّعيدِ
إننا نعيش معه الحياة الحالمة بكل ما فيها.. وبكل تفاصيلها.
ها هو يصرخ فينا قائلا :
نحنُ نمشي، وحولنا هالة الأكــوانُ
تمشي …، لكنْ لأية ِ غاية ؟
نحنُ نشدو مع العَصافيرِ
للشَّمْسِ وهذا الرَّبيعُ ينفُخُ نَايَهْ
نحنُ نَتْلو روايَةَ الكونِ للموتِ
ولكنْ ماذا خِتامُ الرِّوايهْ؟
هكذا قلتُ للرِّياحِ فقالتْ
“سَلْ ضميرَ الوُجُودِ: كيف البدايَهْ؟”
وضمير الوجود يعرف البداية والنهاية ويسير نحوها في هدوء حينا وبسرعة أحياناً.
ولكن كيف حالنا؟ والحياة الموارة هكذا تزفنا كما تتلاعب الأمواج العواتي بالسفن النائمة على ظهورها..

قَدْ رقصْنا معَ الحَيَاةِ طويلاً
وشدوْنا مع الشَّبابِ سنينا
وعدَوْنا مع اللَّيالي حُفاةً
في شِعابِ الحَيَاةِ حتَّى دَمينا
وأكلْنا التُّرابَ حتَّى مَلِلْنا
وشَربْنا الدُّموعَ حتَّى رَوِينا
ونَثَرْنا الأَحْلامَ والحبَّ والآلامَ
واليأسَ والأَسى حيثُ شِينا
إذن. ماذا بقي؟
هذا التجوال الغاية منه رفع البشرية إلى مستوى البشرية والإنسانية الحقة وأن يحقق الإنسان ذاته مهما كانت الظروف والتحديات…
إذا الشـــعبُ يومًــا أراد الحيــاة
فــلا بــدّ أن يســتجيب القــدرْ
ولا بــــدَّ لليـــل أن ينجـــلي
ولا بــــدّ للقيـــد أن ينكســـرْ
ومــن لــم يعانقْـه شـوْقُ الحيـاة
تبخَّـــرَ فــي جوِّهــا واندثــرْ
فــويل لمــن لــم تَشُــقهُ الحيـاة
مــن صفْعــة العــدَم المنتصـرْ
كـــذلك قــالت لــيَ الكائنــاتُ
وحـــدثني روحُهـــا المســـتترْ
الشابي في شاعرية ثورية حالمة يصنع الإنسان صناعة جديدة من نوافذ الجمال والحب والطبيعة والعزف على أوتار المشاعر والأحاسيس ومحاولة صياغة الحياة بألوانه وأفكاره والدفع. بها نحو تحقيق أحلامها الحقيقية.
الشاعر السعودي الدكتور سالم بن رزيق بن عوض

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق